تحليل: بعد مقتل البغدادي.. ماهو مستقبل مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط

بكين- "القدس" دوت كوم- شينخوا- قال محللون صينيون إن رحيل البغدادي عن المشهد يشكل ضربة كبيرة لمعنويات فلول تنظيم "داعش"، ويساعد على تفكيك هيكله التنظيمي، غير أنهم حذروا من توجهات مقاتلي التنظيم بعد تفككه، واحتمال نزوع متشددة إلى مزيد من الاستقلالية، وشن هجمات انتقامية جديدة في المستقبل.

وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأحد عن مقتل زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي، في غارة نفذتها قوات أمريكية ليلة السبت في إدلب بسوريا، فجر خلالها البغدادي سترته الناسفة.

ووصف ترامب العملية، التي قضي فيها عدد من قيادات التنظيم أيضا، بأنها "كانت خطيرة وجريئة وأُنجزت بأسلوب رائع"، مقدما الشكر لتركيا وروسيا والعراق وسوريا على ما قدموه من "دعم" للعملية.

تأثير محدود وخطر قائم

يثير مقتل البغدادي الكثير من الأسئلة حول مستقبل التنظيم الذي تبني العديد من التفجيرات وعمليات مروعة من القتل الجماعي في أنحاء عديدة بالعالم. وبينما اتفق الخبراء على أن وفاته تشكل ضربة قوية للتنظيم ذاته، إلا أن غيابه عن المشهد فقط ليس كافيا لاستئصال التهديد في منطقة الشرق الأوسط وحتى العالم.

وقال ما شياو لين، الخبير في الشؤون الدولية والبروفيسور بمعهد تشجيانغ لللغات الأجنبية، إن مقتل البغدادي، بصفته المؤسس والزعيم الروحي لتنظيم "داعش"، يشكل ضربة كبيرة لمعنويات فلول التنظيم، ويساعد على تفكيك إطاره القيادي وهيكله التنظيمي، ويضعف جبهته الداخلية إلى حد كبير، وقد يثير اقتتالاً داخلياً حول من سيتولى قيادة التنظيم في المستقبل.

مع ذلك، هذا لا يعني أن التنظيم سيواجه "فشلا استراتيجيا" كما حدث مع تنظيم القاعدة، "فالقاعدة لم تختف بعد مقتل زعيمها أسامة بن لادن".

ورأى ما شياو لين أن تأثير مقتل البغدادي على الوضع الإقليمي والحرب في سوريا سيكون محدودا. "في الواقع، خلال السنوات الأخيرة، أصبح البغدادي بالنسبة للإرهاب الدولي رمزا فقط، حيث أن تراجع وضعف القوة الكلية للتنظيم في المنطقة كان اتجاها عاما".

وفي آخر ظهور علني له فى أبريل الماضي، اعترف البغدادي، واسمه الحقيقي ابراهيم عواد البدري، بأن التنظيم فقد معقله الأخير في سوريا.

بيد أن ذلك لم يكن كافياً لزرع الاطمئنان بشأن الانهيار الكامل للتنظيم الذي ما زال يشكل أفراده المنتشرين في العالم تهديدا.

وشاطره الرأي باو تشنغ تشانغ، وهو باحث مشارك في معهد دراسات الشرق الأوسط لجامعة الدراسات الدولية بشانغهاي، قائلاً إن مقتل البغدادي في حد ذاته من شأنه أن يعزز ثقة المجتمع الدولي فى مكافحة الإرهاب ويدفع عملية مكافحة الإرهاب بشكل إيجابي في الشرق الأوسط وخاصة فى سوريا.

واستدرك بقوله "لكن إرث البغدادي بعيد عن الاستئصال. في العراق، ما زال إرهابيو داعش ينتظرون لشن هجمات. وفي سوريا، يتم احتجاز الآلاف من الإرهابيين في معسكرات مختلفة وكيفية التعامل معهم لا تزال مهمة معلقة. وفي اليمن وأفغانستان ومصر، ما زالت فروع تنظيم "داعش" نشطة. وفي أوروبا، تشعر العديد من الحكومات بالقلق إزاء عودة الإرهابيين لتهديد أمنهم".

مستقبل التنظيم

ومن جانبه، رأى لي وي، الخبير في قضايا مكافحة الإرهاب بالمعهد الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة، أن سيطرة تنظيم "داعش" على فروعه في جميع أنحاء العالم ستضعف في المستقبل بعد رحيل البغدادي، موضحاً أن الفروع ستكون أكثر استقلالية ومحلية في اتخاذ قراراتها.

وحافظ تنظيم "داعش" على طبيعة تنظيمية صارمة ومنضبطة من أكبر إلى أصغر قياداته مقارنة بالتنظيمات الأخرى. ومن بين عدة توجهات قد يتخذها مقاتلو تنظيم "داعش" بعد تفككه، حذر لي وي أكثر من "خطر عودة المتشددين إلى بلدانهم الأصلية واحتمال تنفيذ عمليات انتقامية أو تكوين جماعات إرهابية أصغر".

وقال أن مواصلة الضغط على التنظيم ومطاردة أتباعه وموارده ومواده أمر ضروري. هناك مخاوف متنامية في حال نجح بعض المتشددين في الوصول إلى أوروبا وأماكن أخرى لشن هجمات كما حدث في وقت سابق في لندن وباريس وعواصم أخرى.

ولم يتم التوصل بعد لآلية للتعامل مع المحتجزين من التنظيم طرف قوات سوريا الديمقراطية. ومع بدء العملية الأخيرة التي شنتها تركيا في شمال سوريا، حذر مسؤولون وخبراء من دول عديدة من خطر عودة التنظيم.

تجنب ظهور بغدادي جديد

تعتبر الفوضى والاضطرابات من الظروف المغذية لانتشار الإرهاب. ومن المحتمل أن يتزايد عدم الاستقرار في ظل عدم مواجهة التربة الخصبة المغذية له بشكل سليم من بين إجراءات أخرى، وفقا للخبراء.

وبعد ثماني سنوات من التغييرات الدراماتيكية في غرب آسيا وشمال إفريقيا، لم تُخمد نيران الحروب في سوريا واليمن وليبيا. وتسير عملية إعادة إعمار العراق ببطء وتحدث احتجاجات بين الحين والآخر. والوضع السياسي في لبنان والجزائر والسودان مضطرب، وما زالت هناك مشاكل عميقة الجذور.

ورأى الباحث باو أن "القضاء على الإرهاب يتطلب من ناحية، تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب والحفاظ على الضغوط العالية بشكل شامل، ومن ناحية أخرى، لابد من إنهاء الحروب والاضطرابات فى بعض البلدان في أقرب وقت ممكن، وتحقيق المصالحة الاجتماعية والسعي لتحسين معيشة الشعب".

وأكد أنه بهذه الطريقة فقط يمكننا تجنب ظهور "بغدادي آخر".

وقال باو "التربة التي تولد التطرف والإرهاب في الشرق الأوسط لا تزال موجودة. وتفتقر البلدان الإقليمية إلى بيئة تنموية مستقرة ومستدامة، كما أن أسلوب التفكير السائد المتمثل في البحث عن الأمن للمواجهة والاعتماد الأمني على القوى الخارجية يزيد من صعوبة قيام الدول الإقليمية بتشكيل توافق أمني".

وحذر من استخدام مكافحة الإرهاب الإقليمي كأداة من قبل القوى الداخلية والخارجية لتنفيذ "الألعاب الجيوسياسية"، قائلاً إن "معسكر مكافحة الإرهاب وأهداف ووسائل مكافحة الإرهاب في غير محلها، ومعايير مكافحة الإرهاب مختلفة بل لها معايير مزدوجة. وقد أدى ذلك إلى مقاربة إقليمية فقط لمكافحة الإرهاب دون علاجه".