الثورة اللبنانية... بين الإحتواء والتوظيف الخارجي وتحقيق المطالب

بقلم: راسم عبيدات

علينا ان ندرك ان النظام السياسي اللبناني المتحصن بالطائفية والمذهبية منذ عقود، هو جزء من النظام الرسمي العربي المنهار والمتعفن، والذي ينخره الفساد، وأصبح فقط قادرا على تجديد حركته السياسية - الاقتصادية من خلال هذا الفساد ونهب خيرات وثروات البلدان، وافقار وتجويع شعوبها، وتعميق ازماتها الإقتصادية والمالية والإجتماعية، وسد كل الطرق في وجه الشبابالساعين للحصول على مهن ووظائف تحقق لهم جزءا من طموحاتهم واحلامهم.

هذا النظام يقتل كل شكل من أشكال الإبداع والتطور، وما يعنيه بالأساس،السيطرة على السلطة وكل مقدرات الدولة، نهب وسرقة المال العام وهدره، والتعاطي بالزبائنية مع المواطن، فمن يعلن ولاءه للزعيم، يدخل للدولة والوظيفة او الموقع او المنصب من هذا الباب وما دون ذلك لا مكان له سوى الهجرة ومغادرة الوطن.

يبدو بأن الثورة اللبنانية العابرة للطوائف والمذاهب والأحزاب والمناطق، قد أحدثت هزة عميقة في النظام السياسي اللبناني، والذي تراجع عن إجراءاته بفرض الضرائب على الفقراء والمسحوقين، والسعي لطرح خطة إصلاح كبرى، ولكن يبدو بان الجماهير مستمرة في ثورتها وساعية الى إسقاط ليس فقط النظام السياسي الحالي، بل إسقاط الطبقة السياسية التي مكنت النظام الحالي من النهب والسرقة.

ومن هنا نقول بأن النظام السياسي اللبناني كباقي الأنظمة الرسمية العربية المتعفنة يعيش محنته التاريخية المتصاعدة، التي احدثت تصدعات كبيرة في جدرانه، والسير به نحو الإنهيار. فهو وصل الى مرحلة الإفلاس، وأضحى عاجزا عن تجديد حركته السياسية – الاقتصادية داخلياً، والإقليم والمجتمع الدولي، بسبب الأزمات التي تعصف بالعالم والإقليم والمنطقة، لم تعد الدول التي تموله وتناصره سياسياً ومالياً مثل امريكا والسعودية قادرة على الوفاء بالتزامتها اتجاهه. وكذلك عانى هذا النظام منذ اتفاق الطائف من خلل بنيوي، تمثل في غياب الإنماء والاعتماد على التسوّل مستندا إلى قطاعات غير منتجة وفي بلد لا انتاج فيه.

لبنان الذي وفق اتفاق الطائف عام 1989 بين كل مكوناته ومركباته السياسية والطائفية، حيث جرى صياغة ما عرف بـ" وثيقة الوفاق الوطني"، يفترض ان يكون دولة لكل مواطنيها، عبر إصلاح سياسي شامل يقود لذلك ولكن بدلاً من ذلك وجدنا لبنان يسقط في فخ سيطرة قياصرة واباطرة الطوائف والأحزاب، بالسيطرة على كل مفاصل الدولة ومقدراتها ومؤسسات الحكم فيها، لكي تصبح مرتعاً خصباً لنهبهم وفسادهم وسرقاتهم واستزلامهم، وحتى خيانة البعض للمصالح الوطنية العليا للوطن، عبر الإستقواء بالخارج لتوفير الحماية له من أي محاكمات تتعلق بفساده ونهبه وهدره للمال العام، مقابل شعب مجرد من أبسط حقوقه في العيش والحياة الكريمة،حيث البطالة والفقر والجوع وتدنى الخدمات وتهالك البنى التحتية، والنقص الحاد في الخدمات الطبية والصحية والكهرباء والماء. وهذا الذي دفع البعض للقول بأن سوريا التي تعرضت لحرب كونية عدوانية شاركت فيها أكثر من 80 دولة، بقيت السلع والخدمات والكهرباء والماء والنفط فيها متوفرة وبأسعار معقولة.

لا شك بأن أباطرة الفساد وتجار الوطن وناهبي وهادري المال العام، كانوا يعتقدون بأن المشروع الأمروصهيو عربي رسمي سينتصر في المنطقة، وبالتالي فإن "مزاريب" المال الخليجي ستبقى صنابيرها مفتوحة عليهم، وسيبقون قادرين على تجديد حركتهم السياسية - الإقتصادية، ولكن هزيمة المشروع الأمريكي وانكفاء الدور الأمريكي في المنطقة، وتراجع الدعم الخليجي لهم، بسبب دخول السعودية في المستنقع اليمني و"الإستحلاب" المالي الأمريكي المستمر لها هي والإمارات العربية، عجل في تعميق أزمتهم، وكانو يعتقدون بان قلاع وحصون الطائفية المقيتة التي نموها ورعوها وأشاعوا الخوف بين صفوف الشعب اللبناني منها، كانت كافية لكي لا تجعل الشعب اللبناني يتوحد في جهد وفعل يخترق جدران القلاع والحصون الطائفية، مهما امعنوا في النهب والسرقة وهدر المال العام، وسن اية قوانين او تشريعات، أو فرض ضرائب تعمق من جوع وفقر الشعب اللبناني، فهذا الشعب جرى "تطويعه" ،والشحن الطائفي كافِ لردعه عن القيام بأي تحرك او ثورة تطيح برأس النظام والطبقة السياسية التي مكنته من فساده، ولكن لم تات حسابات الحقل لا تتطابق مع حسابات البيدر، فهذه الجماهير التي تعيش اعلى درجات القهر الداخلي، والتي لم يعد لديها شيء تخسره ،وجدت ضالتها في تفجير ثورة شاملة تتوحد فيها كل طوائفها ومذاهبها،ولكي تصبح ثورة لبنانية عابرة للطوائف والأحزاب والمناطق رافعة لعلم لبنان، وليس اعلام احزابها وطوائفها، ولتكن الضريبة التي كانت الحكومة تنوي فرضها على تطبيقات " الواتس اب" و" النرجيلة" المفجر لهذه الثورة، ضد نظام سياسي فاسد متعاقب لمدة ثلاثين عاماً ،خلق طبقة سياسة فاسدة ومفسدة وهادرة وناهبة للمال العام، وبانية اجهزة حكومية امنية وشرطية وقضائية خادمة لتلك الطبقة، ولم يكتف المسيطرون على مفاصل الحكم ورؤوس وقادة الفساد،بذلك، بل عملوا على الإستقواء بالخارج سياسياً،وأصبحوا مشغلين من قبل السفارات الغربية وأمريكا والسعودية والإمارات في لبنان، ينفذون ما يطلب منهم بحذافيره، وفق أجندات تخدم اهداف ومصالح هؤلاء.

لبنان يقف على مفترق طرق، فهناك من يريد ان يصل بلبنان الى مرحلة الإنهيار الاقتصادي والمالي،ويهرب من المساءلة والمحاسبة، عن فترة ثلاثين عاماً كان فيها حزبه يمارس كل أنواع الفساد والسرقة ونهب وهدر المال العام، كما هو حال سمير جعجع الذي استقال نواب حزبه من الحكومة، وحاول اللحاق به زعيم ما يسمى بالحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، ولكنه تراجع حيث اعتراه الخوف، ان تقوم أمريكا ببيعه كما باعت الأكراد، ولذلك آثر نواب حزبه حضور جلسة الحكومة، وطرح خطة إصلاح أكثر تطرفاً من الخطة التي طرحها الحريري. هؤلاء أرادوا أن يحدث فراغ سياسي رئاسي وحكومي وبرلماني،لكي يضعوا الكرة في ملعب قوى 8 آذار ويحملوها المسؤولية عما وصلت اليه الأوضاع من سوء ،وان يضعوها في حالة تصادم مع الجماهير الشعبية الثائرة، ولكن قطعت عليهم الطريق ودعم حزب الله بقاء الحكومة، وقال أمينه العام كل من يهرب من تحمل المسؤولية، يجب مساءلته ومحاكمته.

أرادوا أن تهب السفارات الغربية وأمريكا وفرنسا والسعودية والإمارات الى نجدتهم، وان يتدخلوا لصالحهم من بوابة الأزمة الاقتصادية، ولكن هذا المخطط لم ينجح في دفع لبنان الى الفتن والإحتراب الداخلي، حيث رأس حزب الله والمقاومة مطلوبين.

هناك من يسأل ما هو الحل؟ لبنان على مفترق طرق خطير، وحتى لو توقف الفاسدون واللصوص من الطبقة السياسية عن السرقة، فمن أين ستأتي الأموال لدعم الموازنة والحد من الجمود التراجعي للحركة الاقتصادية؟ فالحكومة التي تجاوز دينها مئة مليار دولار،عاجزة عن سداد احتياط الدين ..؟؟،وكيف سيتم معالجة ازمة البطالة في بلد لا يوجد فيه أموال ولا اعمال..؟؟، الثورة اللبنانية قد تقود الى سن قوانين وتشريعات من طراز رفع الحصانة والسرية عن الحسابات المصرفية وتشكيل هيئة قضائية مستقلة تعمل على محاسبة ومساءلة اللصوص والفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة. لا يريدون استقالات جزئية او عملية تدوير للحكومة، فهذه شخصيات استهلكت و"كلحت"، ولذلك بات من الملح والضروري العمل على تشكيل حكومة إنقاذ، وهناك اسئلة جوهرية طرحت وتطرح،إذا كانت دول كروسيا وايران وسوريا عرضت على لبنان المساعدة في المجالات الإقتصادية والعسكرية والمالية وغيرها،وتم رفض تلك المساعدات، افلا يعني هذا بان هناك من لا يريد خيراً للبنان، بل يريد تعميق ازمته الاقتصادية من اجل توظيف سياسي خارجي؟

الانفجارالشعبي العفوي جاء نتيجة منطقية لواقع بات لا يُحتمل وبالتالي يستحق هذا الانفجار كلّ الدعم والتأييد لأنّ فيه تأييد المظلوم بوجه الظالم، ولكن هنا تكمن مشكلة تحديد الظالم، لأنّ اتهام البريء من شأنه ان يخفف عن الجاني المرتكب.

فطرح شعار "كلكن" أعتقد بان فيه تعميم غير مبرر،فهو يساوي بين الفاسد وغير الفاسد...بما يخلط الأوراق ويعوم المواقف.

وفي الختام نقول بأن الثورة اللبنانية ماضية نحو اهدافها،وبان كل المحاولات من قبل قوى مرتبطة باجندات واهداف سياسية، فشلت في إجهاضها وحرفها عن اهدافها، وكذلك النظام السياسي رغم كل ماكنات الضخ الإعلامي والثقافي، للنفخ في "البعبع" الطائفي والتخويف منه، لم يستطع تحقيق شرخ عميق بين الناس، والدليل انّ مئات الآلاف من اللبنانيين احتلوا الساحات العامة في المدن والقرى مطالبين بإسقاط طبقة الفاسدين واسترجاع الدولة المنهوبة وسط شعارات وطنية وطبقية نأت عن التأثير الطائفي الذي كان يعطّل حيويتها.

كان لهذا دوي المفاجأة الصاعقة، خصوصاً حين تتبادل مناطق في طرابلس التحيات مع متظاهرين في صور والبقاع وطريق الجديدة وجبل لبنان، بما يؤكد أنّ البعد الوطني للبنانيين أقوى من النواحي الطائفية والمذهبية.