الالتحام لا يكفي.. علينا القيادة وبناء مرجعيّة هذا المجتمع

بقلم: حنين زعبي*

لا يكفي الالتحام مع غضب الشارع وجهوزيّته لترك مهامه اليومية وانفلاتنا كأفراد من إغراء التقوقع في الحيز الفردي، لكي نصنع "تأثيرا". التعبير المكثف عن "المعاناة" لا يكفي دائما لصنع تغيير، فكم بالحري وأنت أمام دولة صمَّاء تجاه معاناتك، بل دولة ترى في معاناتك، ضعفا ونجاحا لمشروعها؟ ولنكن واضحين مع الشارع ومع أنفسنا في احتساب الأهداف بشكل واقعي ومتدرج ومتراكم، فتوَقُّع أن نقفز من مرحلة عدم احتسابنا كفاعل سياسي لمرحلة الإنجازات، هو توقع قد يفرغ هذا الزخم الشعبي، وقد يحوله إلى غضب أكبر نحو الأحزاب ونحو جدوى العمل والنضال السياسي.

والحذر من تَوْق البعض داخل القائمة المشتركة، لأي "إنجاز"، ولتسويق أي شيء، حتى جلسة غير موفقة، كإنجاز. الشرطة لا تحتاجنا لِتُبلوِر خطط عمل، فطبيعة خطط عمل الشرطة، في المجال "الأمني"، لذا فالمفروض أنها "سرية" و"داخلية"، كما أنها تُبَلوَر ضمن المستوى المهني للوزارة، ولم يحصل أن فصَّلت الشرطة تفاصيل خطتها أمام السياسيين أو بالتعاون مع السياسيين. وظيفة السياسيين المطالبة والضغط والتصعيد وتوضيح الصراع والتعبئة وبناء المعنى السياسي الصحيح مما يحصل ميدانيا، ومهام الوزارة العمل. حرص الشرطة على بناء علاقات مع أعضاء القائمة المشتركة ومع السلطات المحلية، هو بالضبط مؤشر أنها لا تريد العمل بالاتجاه المطلوب، ولذلك فهي تحرص على "توثيق الأجواء"، لأن كل جلسة معناها تكبيل اليد والفم لأعضاء الكنيست على الانتقاد القادم. تعلم الشرطة أن جلوس أعضاء الكنيست العرب معها، هو إدخالهم إلى نفس حيزها، وبدل أن تصبح هي المسؤولة الوحيدة عما يحدث، سيصبح أعضاء الكنيست العرب شريكين معها في فشلها، كما هم مطالبون الآن من قبل الشرطة بأن يكونوا "شركاء معها في تحضير خطة العمل"!.

وظيفتنا كقيادة، في لجنة المتابعة والقائمة المشتركة، هي في استثمار حراك الشارع لتنظيم أنفسنا وليس لتنظيم الشرطة. نحن مسؤولون عن شعبنا، وليس عن الشرطة، ولا نشاركها تفاصيل عملها، واللحظة الراهنة هي لحظة استثمار هذا التجنُّد، لنقاش داخلي جدي في مجتمعنا، وفي هيئاتنا السياسية المركزية حول أهمية بناء لجنة المتابعة، كمركز سياسي وأخلاقي، وحول فقدان هذا المركز لدخول عصابات الجريمة كمرجعية اجتماعية.

عصابات الجريمة كمرجعية اجتماعية وتراجع الهيبة الوطنية

من كل ما يرشح عن كتابات العنف ومفاعيل البنى الاستعمارية، طفح فعل الاستعمار وآثاره التدميرية، على الخطاب والتحليل، وغاب أو ضعف أو همش فعل المقاومة والبناء السياسي المؤسساتي والرمزي لذلك الواقع تحت الاستعمار، وحين يكون الأمان مطلبا للشارع، فإن القيادة السياسية لا تستطيع إلا أن تتخطى هذا المطلب/ الشعار، نحو إنتاج مقومات مجتمعية فعلية مساندة لهذا المطلب أو لإمكانية تحقيقه.

إن سؤال العنف والجريمة في مجتمعنا هو ليس فقط سؤال الأمن الشخصي، وهو أيضا ليس فقط سؤال عنف الدولة ومنظومتها، بل هو بالأساس (بالأساس لأن سؤال ما يفعله المقموع هو في قضية التحرر ومنظورها أهم من سؤال ما يفعله القامع)، هو سؤال فقدان هذا المجتمع لمركز ولمرجعية وطنية ملزمة له وتضع له خطوطا حمراء.

وسؤال انسحاب عملنا كأحزاب وطنية من الهم الاجتماعي لمجتمعنا، هو الذي يؤدي إلى دخول عصابات الجريمة ورسائلها "التربوية" التي تبني جوًّا من التسيُّب العام وانعدام الرادع الذي تنشره بالتعاون مع الشرطة. إذا نحن لا نتحدث عن ازدياد كمي في الجريمة والتهديد بالجريمة والإتاوة (الخاوا)، وسهولة حيازة السلاح وانتشاره واستعماله فقط، بل نتحدث عن السطوة الاجتماعية لعصابات الجريمة التي تحولت حتى في أعين ضحاياها إلى آلية النزاع وحسم النزاع المفضلة والمهيمنة، وإلى مرجعية الاحتكام الاجتماعي المفضل لضحايا العنف أنفسهم. هذا يعني، أننا لا نتحدث فقط عن مشكلة "نسبة" الجريمة، بل نحن نتحدث أكثر عن "الوزن الاجتماعي" للجريمة، إذ ليس جانب العربدة في الجريمة هو ما يجعلها خطرة، بل الجانب الهادئ والرصين الذي فيها، ذلك الجانب الذي يحل الخلافات ويتحول لمقياس احترام وهيبة.

إعادة بناء مركز

سياسي وأخلاقي

هذا يعني أن المهمة الأولى التي نضعها كقيادات سياسية أمام أنفسنا، هي ليس فقط أن نكون في مركز مواجهة السلطة (أو المشاركة وفق ما يدفع البعض إليه الآن)، بل أيضا أن نكون في مركز "الحكم السياسي والأخلاقي لشعبنا". أن "نحكم" شعبنا كهيئات وطنية، ليس بصلاحياتنا الإدارية القانونية التي سلبتها الدولة منا، بل بسطوتنا وبهيبتنا الوطنية.

إذًا، لا حرب على الجريمة، دون بناء علاقات من نوع آخر بين الشارع وبين القيادة السياسية، هذا بدأ من خلال التحركات المكثفة في الشارع والتفاف القيادة حول هذا الحضور، وعليه أن يستمر من خلال نقاشات وحوارات تؤسس لعلاقات شراكة وثيقة، ليس بين بعض أعضاء المشتركة والشرطة، بل بين هيئاتنا الوطنية" لجان شعبية، متابعة، أحزاب، مشتركة.

إن عملية الالتحام والتواجد المكثف في الشارع، لا يمكنها الاستمرار بهذا الشكل، لكن يمكنها الاستمرار بأشكال أخرى، وهي ضرورية لكسر حالة اغتراب الأفراد عن مجتمعهم، عندما يرون به مصدر خطر مباشر، ولكسر حالة اغتراب قطاع واسع، -جزء منه مُسَيَّس- عن الأحزاب السياسية. الجريمة لا تكسر الأمان الشخصي فقط، بل تكسر حالة الحضور الحميم للمجتمع، الضروري لبناء الانتماء ولبناء صلات ذات معنى مع المحيط.

هذا يجعلنا نفهم أن سؤال الجريمة لدينا هو نفسه سؤال فقدان الهيبة الوطنية وفقدان المرجعية السياسية والأخلاقية، هو نفسه سؤال "الحكم الذاتي" لمجتمعنا؛فمن يحكم هذا المجتمع، الذي تنسحب منه الدولة كقانون، وتدخل إليه كمعتدٍ؟

ليس المهم في الإجابة، مضمونها الآن: لجان حماية نعم أم لا، بل المهم، هو طرح هذا السؤال/ النقاش بشكل جدي، ونقل حالة قلة الحيرة الفردية، لسؤال جماعي، ولنر في هذا المسار ليس محاربة للجريمة والعنف فقط، بل مسارا لفَوْلَذة لجنة المتابعة ولجاننا الشعبية، وخروجا من حالة ارتباك انعدام السيطرة الجماعي.

مجتمعنا بحاجة لسطوة وطنية، في غياب قانون الدولة، تمنع استباحة حقوق الأفراد، وتمنع الوصاية الفردية العملية أو الرمزية الجماعية، وتمنع تطوير مراكز قوى خارجة عن المجتمع ومعادية لها.

إذًا هذه هي الفرصة لاستعادة مفهومنا كجزء من شعب وقضية، ولاستحضار أسئلة كبرى حول دور القيادة الوطنية الأوسع بكثير من عضوية برلمان أو الدعوة لمظاهرات، وحول معنى "كيان مجتمع" واستحضاره لمجاله الذاتي في الأسئلة الكبرى بعيدا عن الدولة ورغم الدولة، بانيًا معنى ملموسا لمواطنة خارج ما تريده سياسات الدولة لنا، وخارج آليات الدولة العبرية وأجهزتها، وداخل مفهوم "أخذ مواطنتنا بجدية" المتصالحة مع أخذ أنفسنا كشعب بجدية.

عن "عرب ٤٨"