الأمم المتحدة خارج صندوق السياسة

بقلم: محمد خالد الأزعر

يشكك نفر غير قليل من المهتمين بحقل العلاقات الدولية في جدوى أداء الأمم المتحدة، والمنظمات التابعة لها، وبخاصة لجهة صيانة الأمن والسلم في مناطق الصراعات الساخنة. ويجادل فريق من هؤلاء بأن عالم ما بعد نشوء هذه المنظمة، المنوط بها السهر على القوانين الدولية التي تم التوصل لها بشق الأنفس، لا يختلف كثيراً عن عالم ما قبل قيامها. ذلك بالنظر إلى أن نزيف الخسائر البشرية من الأنفس والثمرات في غير منطقة وإقليم، لم يتوقف منذ لحظة ميلادها إلى ساعتنا الراهنة.

الأرجح أن أصحاب هذا التقييم معنيون أكثر بالقضايا والصراعات السياسية؛ التي تشغل بدورها الجانب الزاعق من أنشطة الأمم المتحدة ومداخلاتها. غير أنه لو اقتصرت أهمية حياة هذه المنظمة على معالجة المشكلات ذوات الأصل والفصل السياسي وتوابعها، فلربما كانت شمسها قد غربت منذ عقود، لفشلها بالفعل في تحقيق الهدف الأسمى من إنشائها وهو إقرار السلم والأمن الدوليين في طول العالم وعرضه.

حقيقة الأمر أن أولوية الحاجة للأمم المتحدة باتت تتأتى عملياً، من اقتحامها لعدد كبير من التفصيلات شديدة الحيوية بالنسبة لحيوات الشعوب والأمم وسلامتها من الداخل على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والبيئية والصحية. إلى الدرجة التي نحسب عندها أن مفهوم الأمم والأممية؛ الذي التصق بمسمى هذه المنظمة طويلاً بلا دلالات حقيقية، لكونها مثابة لحكومات رسمية وليست نتاجاً لاصطفافات شعبية، صارت له الآن معاني ومضامين ملموسة. لكن يبدو أن المنظمة مقصرة في التقرب إلى الرأي العام ومخاطبته والتبسط معه، والتعريف بما تتولاه من مهمات لا تتصل مباشرة بالأزمات السياسية والحروب وقعقعاتها..

من يعرف، مثلاً، الكثير أو حتى القليل، عن جهود مكتب الأمم المتحدة في فيينا المعني بالمخدرات والجريمة؟! من يعرف أن لهذا المكتب مقراً فرعياً يختص بمتابعة إنتاج المخدرات وتجارتها واستهلاكها في «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، وهو العنوان المبتذل وغير الدقيق للمنطقة العربية في الأضابير الدولية؟ وأن هذا المكتب الفرعي قد أطلق أكثر من تقرير عن الوضع العالمي للمخدرات؛ تتضمن حقائق مؤلمة حول إنتاجها وتجارتها وعمليات تهريبها وضبطياتها وحجم تعاطيها وإدمانها في مختلف القارات والبلدان؟ ومن ذلك ما ورد، مثلاً، في التقرير الخاص بالعام 2010؛ الذي جاء فيه

* إن أعداد المتعاطين في العالم تبلغ نحو 210 ملايين شخص، الأمر الذي تسبب في وفاة زهاء 200 ألف منهم.

* إن نسبة تتراوح بين 3.3% و6.1% من إجمالي سكان العالم في الفئة العمرية من 15 إلى 64 عاماً، أي زهاء 272 مليون نسمة تعاطوا المخدرات مرة واحدة على الأقل خلال ذلك العام.

* يصل عدد المتعاطين عن طريق الحقن إلى 16 مليون شخص. وتشغل الصين وروسيا الصدارة في هذا الصدد. كما أن واحداً من كل خمسة من هؤلاء مصاب بفيروس نقص المناعة المسبب للإيدز، وثمة 3.5 ملايين شخص تعرضوا للإصابة بفيروس الكبد الوبائي جراء تبادل المحاقن أثناء التعاطي.

* في مجال إنتاج المخدرات وتصنيعها، لاسيما الأفيون والهيروين، تتردد أسماء دول بعينها أكثر من غيرها كأفغانستان وميانمار وباكستان والمكسيك وكولومبيا.. وعند الحديث عن الضبطيات الكبيرة تتداول أسماء الصين والولايات المتحدة وتركيا وإيران ونيجيريا وكندا.

* تتزايد كميات الهيروين الأفغاني المهربة إلى الخارج. وفي غضون السنوات من 2005 إلى 2010 ارتفع منسوب هذه الزيادة إلى الضعف. ولنا أن نلاحظ على هامش هذه المعلومة مدى الفشل الأمريكي في اجتثاث إنتاج المخدرات من الرحاب الأفغانية، خلافاً لما روجته آلة الدعاية حول دور الوجود الأمريكي، في محاصرة المصدر الأساسي لتمويل حركة طالبان.

إلى هذه المعطيات ذات الصبغة العالمية، نفهم من التقرير أن المنطقة العربية تشهد معدلات منخفضة من تعاطي المخدرات وتداولها، قياساً ببقية الأقاليم والمناطق. غير أن زيادة عدد الضبطيات في بعض الدول العربية، توحي بأن هناك من يستهدف عالمنا العربي بهذه اللعنة. في كل حال، تضطلع الأمم المتحدة عبر وكالاتها المتخصصة بأدوار ومبادرات حميدة؛ لا يمكن الاستغناء عنها في متابعة هموم يصعب على كثير من الوحدات الدولية خوض غمارها، بجهودها وإمكاناتها الذاتية.

غير أن هذه الوحدات مدعوة لاستكمال هذه الأدوار والبناء عليها، كونها الأقرب إلى ميادين الحركة والتفاعل. ولعل هذا التصور يصدق في خطوطه العريضة، وإن بشيء من التصرف وفقاً لمقتضى الحال، على وضعية جامعة الدول العربية.

عن "البيان" الإماراتية