نهاية السياسة

بقلم: سائد كراجة

يلح السؤال، ما هو المختلف في تجربة تونس؟ او لعل الأصح ان نسأل ما هو المختلف في شعب تونس وربيعها العربي؟ وهل هناك “فرادة” تونسية مكنتها من أخذ ربيعها العربي إلى عنوان واحد هو تكريس الديمقراطية والإصرار عليها، رغم تعرجات الطريق وصعوبته؟


الإجابة الأصدق؛ لا ندري أو إنه من المبكر أن ندري ونفتي فالتجربة التونسية في ذاتها ما تزال في طور التشكل والتبلور وهذا حال الثورات في العالم فالثورة الفرنسية استغرقت أكثر من ثمانين عاماً من التقدم والنكوص قبل أن تستقر على مبادئها في الديمقراطية والحرية ودولة المؤسسات وحقوق الإنسان. 
أما الإجابات الدارجة فإنها تتحدث عن تراث الرئيس بورقيبة الذي “فرض” نموذجاً علمانياً لم تكن الديمقراطية أولى أولوياته لكنه نموذج أصر على استحضار التجربة الأوروبية في نشر التعليم والحريات الفردية وخاصة حرية المرأة، وتدعيم المجتمع المدني العلماني.

آخرون يعزون نجاح تجربة تونس إلى حياد الجيش التونسي حياداً غير ذي عوج ولا تردد، حيث يروى أن ابن علي حذر قائد الجيش من الحركة الإسلامية فرد عليه: أُفضل أن أرى تونس تمارس الديمقراطية ولو أدى ذلك لتولي حزب إسلامي الحكم، وهو ما حصل فعلاً لاحقاً.


أخيراً يتحدث البعض أن الفرادة التونسية ــ والمصطلح للدكتور صفوان المصري في كتاب مهم له عن تجربة تونس ــ تتعلق بنوعية التيار الإسلامي في تونس، الذي تبنى مفهوم الديمقراطية الإسلامية بدل الإسلام السياسي، وتصالح مع الدولة في شكلها الدستوري بعيداً عن أحلام بناء دولة الخلافة، فالحركة الإسلامية في المغرب العربي كله تبنت هذا التوجه وجنبت مملكة المغرب ليس فقط الثورة المضادة، وساعدت في استقرار البلاد تحت شعار “الاصلاح مع الاستقرار”، فلم تناد كما قلنا بدولة إسلامية ولا حتى أسلمة الدولة، على خلاف الحركات الإسلامية في مصر والأردن والشرق العربي عموماً التي لم تتصالح بشكل قطعي مع الدولة الدستورية.


الانتخابات التونسية الأخيرة شكلت مرحلة جديدة في مسيرة تونس كنموذج للدولة العربية العصرية، وفي تصوري إن الشعب التونسي ما يزال “يعاقب” الساحة التونسية كما فعل مع حركة النهضة في انتخابات 2014، حيث صوت الشعب لحركة نداء تونس التي تعتبر رجع الصدى للقوى الحاكمة في عهد بن علي، وفي الانتخابات الأخيرة صوت الشعب التونسي نابذاً جميع ممثلي القوى السياسية من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها، ورفض الشباب المتطوع الذي آزر الرئيس الجديد قيس سعيد ــ دون ميزانية ولا خبراء اتصال ولا مديري حملات ــــ، أقول رفضوا بالتصويت لقيس سعيد كل الشخصيات والأحزاب السياسية وذلك احتجاجا من الشباب العاطل عن العمل على فشل جميع القوى السياسة في حمل لواء النهضة الاقتصادية ورفع سوية حياة المواطن اليومية الذي ثار لأجلها العام 2010.
نتائج تونس تعتبر ايضا جزءاً من ظاهرة سياسية عالمية تعلن نهاية السياسة ورفض المؤسسات الرسمية والأحزاب السياسية في رجوع نحو القوى الشعبية التقليدية، وكأنه رجوع للديمقراطية المباشرة تلك الظاهرة التي بدأت من رئيس فرنسا الذي وصل الحكم بعد تشكيل تيار عمره ستة أشهر، وقبلها التصويت لرئيس وزراء كندا حديث العمر في الواقع والسياسة، وايضاً التصويت لممثل كوميدي في أوكرانيا، والآن في تونس التصويت لرجل يعلن أن ليس لديه برنامج وأنه حضر هنا لقصر الرئاسة لأن الشعب يريد، وهو فقط يعلي من قيمة الحرية في خطابه ومن دور الدستور والمؤسسات القانونية، وكأنه إعلان عن نهاية السياسة على غرار نظرية نهاية التاريخ. 
في تصوري إن فرادة تونس تنبع من مساهمة تاريخها المعاصر في سمو قيمة الفرد على أي مجاميع دينية أو قبلية أو سياسية، وهو ما ساهم في إعلاء قيمة الفرد واهمية الحرية الفردية الأمر الذي رسخ مجتمع مدني قوي وفاعل ولا أدل على ذلك سوى تجربة المبادرة الرباعية التي قادت الحوار الوطني ونتج عنها كتابة الدستور الجديد للبلاد، ولكن يظل السؤال: هل تعوض صفات النزاهة والاستقامة ووضوح القيم في المنطقة عن ضعف الخبرة السياسية والإدارية للرئيس قيس سعيد، هل ستتبعه الكتل النيابية في البرلمان أم أنه سيخضع لها، هذا ما ننتظر الحكم عليه عملياً جنابك!!

عن "الغد" الأردنية