إطلالة على واقعنا من زاوية نظريات التغيير وحركات الاحتجاج

بقلم: عوض عبد الفتاح

منذ ظهور الحراكات الاجتماعية الاحتجاجية في المشهد العالمي في العقدين الأخيرين وانفجار الانتفاضات العربية الشعبية منذ عام 2011، تحوّل اهتمام علماء الاجتماع من تحليل الأنظمة السياسية، الرأسمالية المتوحشة والاستبدادية القائمة، إلى تحليل طبيعة وخلفية ودوافع وآليات المقاومة التي تعتمدها هذه الحركات والحراكات.

وبتنا نشهد، تباعًا، دراسات وتنظيرات وكتبًا تتناول هذا التطور الجديد، وبعضها يحاول تقديم نظريات تشمل مراجعات نقدية، وعقد مقارنات مع الثورات التي شهدها القرن العشرون، وخاصّة النصف الأول منه، بل أيضًا توجيهات بخصوص كيفية تطوير آليات الاحتجاج والمقاومة الشعبية المدنية.

وهذه الدّراسات مكملة للأدب الثوري الذي أنتجه ثوريون ومفكرون قادوا أو ساندوا حركات ثورية تحررية وطنية أو اجتماعية، ماركسية أو يسارية، في القرن الماضي، ولكنها تختلف جذريًا، في بعض مضامينها. حيث استجدّت مفاهيم مثل الحرية والمواطنة الديمقراطية الليبرالية، وحلت محل الشمولية والاستبداد والحزب الواحد. هذا علاوة على ظهور تقنيات التواصل الاجتماعي الحديثة، وتجاوزها لدور الحزب السياسي في التحشيد.

وتُعقد المقارنة بين الثورات التي كانت تقودها أحزاب ثورية، ونظريات ثورية، وقادة ثوريون مثقفون، وبين الحراكات الاحتجاجية والانتفاضات الحالية، التي تنطلق بدون هذه الأدوات، ليس ضد السلطة الرسمية فحسب، بل متجاوزة الأحزاب المعارضة، سواءً تلك المعرفة كيمين محافظ أو يسار راديكالي أو معتدل، فقدت صلتها بالواقع وتكلست فكريا وأداءً.

يُطلق علماء الاجتماع والفلسفة السياسية على هذه الحراكات والحركات الشعبية "الحركات الاجتماعية الشبكية"، إذ يلعب استخدام وسائل الاتصال الاجتماعي من قبل هذه الحركات دورًا مركزيا في ديناميات الاحتجاج، وفي فرض تغييرات سياسية من خلال التأثير في أفكار الناس، ويساهم في تغلّب الناس على خوفهم بوجودهم مع بعض في الشوارع والميادين.

ويقول عالم الاجتماع، هانك جونسون، مؤلف كتاب "الدول والحركات الاجتماعية"، إنّ شيوع الحركات الاجتماعية والاحتجاجات قاد علماء الاجتماع إلى اعتبارها جزءًا لا يتجزّأ من الممارسة السياسية، ويضيف أن الناس لا يعتمدون، هذه الأيام، على الأحزاب السياسية والانتخابية فقط كي يعبّروا عن أفكارهم وطموحاتهم.

وفي كتابه "شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت"، يستعرض مانويل كاستلز، من خلال المقارنة والتحليل، نشأة هذه الحركات، في أميركا (حركة "احتلوا وول ستريت") ودول أوروبية (إسبانيا، حركة "غاضبات") وتركيا (حراك حديقة غازي عام 2013)، وفي دول الربيع العربي، ويبحث في الطرائق المبتكرة التي اعتمدتها في تنظيم نفسها، وتجييش الناس. هي حراكات أطلق شرارتها الشباب، هذه الفئة العمرية التي خذلتها السلطات الرسمية المتحالفة مع رأس المال، في الديمقراطيات المعاصرة، وكذلك الأحزاب التي اضمحلّ تأثيرها.

أما في الدول العربية، حيث تنعدم الديمقراطية، ويستفحل الاستبداد وتوحش المافيات الحاكمة، فقد استفادت الأجيال الشابة من وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، لتمارس الديمقراطية المباشرة في الميادين وتعيد الاعتبار للسياسة التي اختزلت في النخب السلطوية على مدار عقود.

وقد أذهل هؤلاء الشباب، خاصة في دول الربيع العربي (في تونس، ومصر واليمن والبحرين وسورية) العالم في جرأتهم اللافتة، وقدرتهم على الخلق والإبداع في تنظيم الحراك الثوري وإدامته لأشهر طويلة، قبل أن تتضافر وحشية الأنظمة مع وحشيّة التدخل الخارجي، سواءً في قمع الناس الثائرين أو تخريب الثورات، أو دعم العصابات الحاكمة. ولكن ها هي الثورات تنبعث من جديد في السودان والجزائر ومصر والعراق، في سيرورة، بل في ملحمة مستمرة نحو الحرية والكرامة.

خضعت، ولا تزال، هذه الثورات والحراكات لمراجعات عميقة، وحفّزت كتّابا وعلماء على إنتاج أدبٍ مثرٍ وملهمٍ للثوار، ليكون مرجعية للذين يتصدون لليأس ويواصلون معركة التغيير. وكما هو معروف، كان ولا يزال هناك من المثقفين والمحسوبين على أحزاب يسارية أو قومية تقليدية، أو على الفكر اليساري أو القومي الاستبدادي، من أخذ موقفا سلبيا من الثورات العربية، لأنها لم تطابق "الشبلونة" التي سادت عن الثورات في القرن الماضي. ففي كتابه "في الثورة والقابلية للثورة" يقول عزمي بشارة، المنشغل منذ عقدين ونيّف في بحث مقوّمات نهوض الأمة العربية: "على المستوى القيمي، فالثورة هي فعل رافض للظلم؛ لا يجوز الحياد بشأنه؛ فالانحياز إليه من باب الفضيلة... أما موقف المثقف تجاه الثورة فمختلف، فهناك المثقف النقدي الذي يتردد في الانحياز إلى الثورة؛ وهو غاضبٌ ويشعر بالمرارة؛ ربما لأن الشعب لم يستشره. أو لأن حركة الشباب المستعد لملاقاة الموت قد أفقدته تميّزه النقدي الذي كان يُعدّ بطولةً في إطار النظام القائم. فالثورة فاجأته، وأيضًا، لم تُفصّل على مقاسه أو على مقاس توقعاته".

لهذه الثورات بُعدٌ سياسي وأخلاقي بالغ الأهميّة، كونها جسّدت القيمة الأخلاقية الإنسانية العليا التي ينشأ عليها الإنسان، ألا وهي الحرية، وجسّدت الحاجة إلى نظام سياسي ديمقراطي يضمن المساواة والعدالة الاجتماعيّة لجميع المواطنين.

لكن ما يعنينا في هذه المقالة هو البعد التنظيمي للحراكات، وتحديدًا كيفية توفير الديمومة لها وإنتاج التراكمية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق أهداف الحراك أو بعضها. وأقصد حاجة الراغبين في إحداث تغيير سياسي حقيقي، في مشهد الصراع مع نظام الأبرتهايد الصهيوني. وقد تراكمت تجربة تنظيمية غنية، أعاد إنتاجها وتأطيرها أكاديميون تقدميون ومناضلون من قادة الثورات المغدورة. وشهدنا كيف استفاد ثوار السودان في تجربتهم الثورية المأثورة، وكذلك ثوار الجزائر، إذ نجحوا في تجنّب أخطاء الثورات العربية التي سبقت منذ سنوات.

هل نقرأ تجربتنا

وتجارب الآخرين؟

تشهد ساحة فلسطينيي الـ48 السياسيّة، اضمحلال قوة الشارع، إذ انزوى، منذ سنوات، مندوبو وممثلو المواطنين العرب في كواليس الكنيست، في عملية اختزالية بائسة للسياسة، تعكس حالة الكسل الفكري أو العجز من جهة، ومن جهة أخرى، تعكس حالة الترهل والاسترخاء واللهاث وراء السهل.

أمّا رؤساء السلطات المحلية، فقد خدّر غالبيَتهم الساحقة فتاتُ الميزانيات التي تحولها حكومة نتنياهو بنسبٍ أعلى، في إطار سياسة الاحتواء وإضعاف فلسطينيي الـ48، سياسيًا وشعبيًا، وتعميق حالة الأسرلة العائدة بقوة. الأخطر في الأمر، هو ترافق النزعة الاختزالية للسياسة مع هبوط حاد في الخطاب السياسي.

قيادات الأحزاب العربية في الداخل، وعلى خلاف ما يعتقده الكثيرون، لا تختلف عن قيادات الأحزاب التقليدية في أماكن أخرى على الساحة الفلسطينية والعربية والعالمية. هذه القيادات، أيضًا، نضبت قدرتها على المبادرة والإبداع والتخيّل، وأهملت القراءة والاجتهاد، بعد أن أُصيبت بفيروس الكنيست، واستمرأت الاسترخاء في مقاعده الوثيرة. فمثلما تجاوزت الحراكات الشعبية العربية والعالمية الأحزاب التقليدية، أيضًا، تجاوزت الحراكات الشعبية التي شهدتها، مؤخرا، المدن الفلسطينية ضد العنف داخل الخط الأخضر أحزابنا التقليدية، وكشفت عجزها وجهلها بالتطورات الاجتماعية والثقافيّة، وما يترتب على ذلك من ضرورة التكيّف معها، واشتقاق طرائق جديدة في التأثير.

وقد شكلت مسيرات "طالعات" النسوية الحاشدة، وغيرها من الحراكات المحلية في عدد من البلدات العربية، دفعًا وتحفيزًا لمزيد من الحراكات المحلية، والتي وضعت ممثلي الجمهور العربي؛ أعضاء كنيست وأعضاء لجنة متابعة، أمام إحراج حقيقي و تحدٍ، أيضًا.

كل ذلك تُوّج في مسيرة كبرى في مجد الكروم ومسيرة سيارات حاشدة معطلة لحركة السير في أهم طرق البلاد، وقد عرّت، هذه الحراكات الشعبيّة المستقلة، النسائيّة والشبابيّة، عجز القيادات. وفي الوقت ذاته، سلّطت الأضواء على السلوك السياسي الأرعن والمتهوّر لبعض قيادات القائمة المشتركة، وهو سلوك همّش أعلى هيئة فلسطينية، هي "لجنة المتابعة للجماهير العربية"، التي من المفروض أن تكون الجسم الجامع والمرجعية الوطنية والموجّه الوطني والأخلاقي للسياسة الفلسطينية داخل الخطّ الأخضر.

في ضوء هذا المناخ الساخن المتشكل والآخذ في التراكم، تنتصب أمام الجميع، وفي صلب العمل السياسي، عملية تنظيم الناس وتوفير الشروط لضمان استمرار ممارستهم السياسة، عبر ابتكار الآليّات المناسبة لخلق حالة تضامن حقيقية في ما بينهم، وإطلاق طاقات الأجيال الجديدة، عبر مواصلة ابتكار وتطوير إستراتيجيات لحراك شعبي مدني مستدام. هذا هو التحدي الحقيقي، والواجب الحقيقي، هذا إذا أردنا التغيير الفعلي، بصدق، واستعادة الذات.

باختصار، المطلوب:

أوّلًا: خطاب وطني جامع ولغة سياسية مشتقة من هذا الخطاب، والتصدي لمحاولة استغلال هذا المناخ الجديد لتكريس الخطاب السياسي الهابط والخطير وطنيا وأخلاقيًا.

ثانيًا: مأسسة الحراك الميداني القائم عبر شبكة مترابطة من اللجان والهيئات الشعبية، تزعمها وتسندها مرجعية وطنية تمثيلية عليا.

عن "عرب ٤٨"