لحظات مميتة..

كتب الناطق الإعلامي باسم الشرطة العقيد لؤي ارزيقات

إنها اللحظات الأخيرة الحاسمة.. لحظات ساد فيها ترقب وصمت مريب وشد للاعصاب .. الكل جالس بجانب السرير الذي ترقد عليه طفلة وصلت في حالة حرجة بحادث سير .. الاب ينظر الى ذاك الجهاز الذي تُرسم على شاشته نبضات طفلته ودقات قلبها، وقلبه يرتجف خوفاً عليها، وأُمها تضع رأسها بجانب رأس طفلتها التي تعيش الدقائق الأخيرة من حياتها... وآخر يجلس تحت قدميها ويتضرع لربه ليشفيها مما حل بها... إنها اللحظات الرهيبة الممزوجة بالخوف عليها والندم من تصرف لا مسؤول لطفل طائش ساعدته بعض الظروف لقيادة مركبة غير قانونية.. وترقب لتقرير الطبيب الذي دخل لتوه لغرفتها وطلب من الجميع المغادرة فانصاعوا جميعهم، ولكن والدها شعر بأن الأمر مريب، فنظر إليها ليجد إحدى عينيها قد فُتحت، وتسللت من بين رموشها نظرات طفولية عابرة لم يكن لأحد في الكون ان يفهمها سوى من رباها وعايشها انه ابيها ومحبها.. نظرة اختلط فيها الحب والعتاب والخوف والوداع الاخير والوصية والطلب بالمحافظة على شقيقها الوحيد وشقيقاتها وجعلهم يبتعدون عن هذا التابوت الذي حملها وكان الوسيلة والوسيط بين الحياة الدنيا والحياة الابدية ... نظرة قالت فيها الكثير لكنه فهم منها انها ليست غاضبة منه وانها سامحته لكنها عاتبته على سرعة تعليم شقيقها رغم صغر سنه لقيادة مركبة مشطوبة وغير قانونية دون ان يُعلمه مدى الخطر الذي يحدق به ... نظرة قالت فيها بلسان ألثغ ابي ركبت الثيارة وتقصد السيارة التي اشتريتها انت وهي مشطوبة ولا اعلم ما معنى ذلك وعلّمت شقيقي الوحيد ثياقتها، وكنت أُحب الثفر معه وفي ثباح هذا اليوم تركت العابي الجميلة وفطوري وكوب حليبي الذي اعدته امي التي تبكيني بحرقة الان لانها لم تستطع منع الموت مني وتوجهت مع اخي وحبيبي وذهبت معه في رحلة قصيرة لا تتعدى بضع دقائق بمركبته المشطوبة ولا اعرف معنى هذه الكلمة، لكنني شاهدت قِطعها تتناثر على جانبي الطريق وعجلاتها المهترئة وهي تنزلق عن الشارع وسمعت صوت محركها العالي دون ان تهتم بإصلاحه وأضوائها المكسرة وفحص فرامها التي لا تستجيب لان ثمنها بخس... ذهبت لاشاهد الطلاب وهم ذاهبون لمدارسهم لارسم خارطة مستقبلي رغم صغر سني ولأُخطط كيف سأكون مثلهم وكيف سأختار لون حقيبتي ودفاتري وأقلامي، وأُحدد أُسلوبي في اختيار صديقاتي... ذهبت ولم اتوقع أن هذه السيارة المشطوبة ستكون أداة قتلي ونهاية حياتي وعمري بلحظات طيش لطفل لم يُقدر خطورة السرعة ولم يعِ أن ما يقوده هو تابوت الموت الذي سينقلني من حياة الدنيا إلى الحياة الاخرة .. ولم اتوقع انا بانها القنبلة التي ستُفجر راسي وتقذف بدماغي خارجه وتمزق جسدي الرقيق اربا وتنثر لحمي على الطريق... فرحت بزيادة سرعتها واعتقدت بانها لعبة جميلة نتسابق بها مع الاخرين.. تبسمت وأنا أقف بداخلها وأنظر من نافذتها وأُشاهد الأحجار والأشخاص والاشجار يسيرون بسرعة كبيرة وهم واقفون، وأُحاول فهم ذلك، لكنني وصلت للحقيقة بأن مركبتنا هي التي تتحرك بسرعة الريح وهم واقفون نحن نتعرض للخطر وهم بعيدون.. نحن الذين نموت وهم باقون أحياء لأن مركبتنا مشطوبة وانقلبت وقتلتنا... وقبل أن تغمض عينيها وتفارق روحها جسدها لبارئها قالت لأبيها: لا تقتلونا بمركباتكم المشطوبة ...