دبلوماسية العلاقات الثنائية وآثارها على اتفاقية باريس الاقتصادية!

بقلم: د. دلال عريقات

خلال الأعوام الماضية، سمعنا العديد من المطالبات الرسمية التي خاطبت المجتمع الدولي وخاصة الجمهورية الفرنسية للتدخل لمراجعة اتفاقية باريس الاقتصادية، التي تم توقيعها في باريس عام ١٩٩٤ بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي بهدف توطيد العلاقات الاقتصادية. وكما نعلم جميعًا زادت هذه الاتفاقية من التبعية الفلسطينية لإسرائيل، حيث أنها عمقت اعتماد الفلسطينيين على السوق الاسرائيلي وبالرغم من المحاولات الشعبية العديدة لمقاطعة البضائع الاسرائيلية، إلا أننا نواجه حقيقة مُريرة باعتمادنا على السوق الاسرائيلي ليس على مستوى الحاجات الفردية من مأكل ومشرب فقط، ولكن على مستوى الاقتصاد الوطني من وقود (كهرباء وبنزين وغاز) أي المُشغلات الأساسية لأي مرفق اقتصادي أو صناعي.

من المهم الإطلاع على بعض بنود اتفاقية باريس الاقتصادية ومنها اللجنة الاقتصادية، ضرائب الاستيراد، الشحن، الإيرادات، حقوق العائدين، التبرعات، الأمور المالية، البنوك الإسرائيلية، العملة الرئيسية، العمل، الزراعة والصناعة، السياحة والتأمين. ويتوجب علينا التركيز على اختصاص اللجنة الاقتصادية بإنشاء لجنة مشتركة للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، تهدف إلى القيام بالأعمال الآتية: حلّ المشاكل الاقتصادية التي قد تحدث بين فترة وأخرى، خلق جوّ من التعاون الاقتصادي بين الكيانين، تشكيل اللجان الفرعية، والتي يشترط فيها أن يكون عدد الأفراد الفلسطينيين مساوٍ للإسرائيليين، ووضع القرارات والإجراءات الواجب اتخاذها في ظروف معينة. من الجدير بالذكر أن تصريحات وزير الشؤون المدنية الحديثة بعد قبول استلام أموال الفلسطينيين المتعلقة بتفعيل اللجان الاقتصادية منبعها اتفاقية باريس ومن الجدير بالذكر أيضاً أن القيادة الفلسطينية كانت قد اتخذت قبل أشهر قرار وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع اسرائيل إلا أن تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني، د. محمد أشتية بأن هناك العديد من المجالات والقضايا التي يمنحها اتفاق باريس الاقتصادي، تعكس عمق الإرباك وقلة الانسجام والتنسيق ما بين قرار القيادة السابق وممارسات الحكومة التي تحاول إيجاد مخارج للاتفاقيات من خلال الالتفاف على بنودها بدلاً من وقف العمل بها تماماً كما صدر سابقاً.

لقد أكد رئيس الوزراء أنه والوفد الوزاري المرافق له إلى جمهورية مصر قد ناقشوا مع الأشقاء المصريين عدة أمور منها استيراد الأسمنت من مصر، ومواد الإعمار بجميع أشكالها والقضايا الزراعية والتكنولوجية وبحث قائمة من البضائع تستوردها فلسطين من إسرائيل، وسيتم عرضها على الجانب المصري لتكون هي السوق البديل لإسرائيل، أما الجانب الفلسطيني سيقوم بالتنسيق مع الجانب المصري من أجل حقل الغاز وجميع القضايا المتعلقة بالبترول، حيث تستهلك فلسطين فاتورة شهرية تقارب 3 مليون لتر من البنزين يوميا يتم استيرادها من إسرائيل، وسيتم الترتيب مع الجانب العراقي أو الاردنى أو المصري.

قد نرى أن الطموح وسقف التوقعات عالٍ جداً في كلام رئيس الوزراء حيث أن الحقيقة أننا ما زلنا نقبع تحت الاحتلال ولن نتمكن من إدخال أي منتج عبر الحدود إلا بموافقة اسرائيل والتي تعلم تماماً أن اعتماد الشعب الفلسطيني على سوقها أحد أهم أعمدة قوة اقتصادها وبالتالي ليس من السهل أن تستغني عن هذا السوق. بالرغم من هذا كله، هناك عاملين رئيسيين يمكن من خلالهما الضغط على اسرائيل لتمكين الفلسطينيين من إيجاد أسواق بديلة، فمن ناحية نتحدث عن عالم الرأسمالية والأسواق الحرة ومن ناحية أخرى لا تستطيع اسرائيل إلحاق الضرر بالعلاقات السلمية بين مصر وإسرائيل، وهنا لا بد من ممارسة بعض الضغط العربي المتعلق باتفاقية السلام.

المُفاجىء أن رئيس الوزراء تحدث عن أنها المرة الأولى التي يتم من خلالها الترابط بين الجانبين الفلسطيني والمصري بشكل حكومي ووزاري متكامل لتعميق وتوسيع القوائم ونوعية البضائع بين مصر وفلسطين. وهنا رسالة طوارىء، علينا تفعيل علاقاتنا الثنائية مع كل الدول وخاصة العربية والحدودية منها، فعلاً لا مُبرر لهذا التأخير!

د. دلال عريقات: أستاذة في حل الصراعات والتخطيط الاستراتيجي في الجامعة العربية الأمريكية