تحليل| دعوة ترامب العرب للتطبيع مع إسرائيل لن تتحقق قبل نيل الفلسطينيين حقوقهم

نيويورك (الأمم المتحدة)- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات- في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء/24 أيلول 2019، لم يُشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب (الذي يواجه محاولة لعزله من قبل الديمقراطيين) إلى عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية أو سعي إدارته لإطلاق خطة السلام التي اصطلح عليها "صفقة القرن"، لكنه أشار إلى ضرورة تطبيع علاقات إسرائيل مع الدول العربية في إطار "مواجهة الخطر الإيراني المشترك" الذي يتهدد دول الخليج العربي وإسرائيل في آن واحد.

وقال ترامب "لحسن الحظ، هناك اعتراف متزايد في الشرق الأوسط الكبير بأن دول المنطقة تجمعها مصلحة مشتركة بمحاربة التطرف وإطلاق العنان للفرصة الاقتصادية. هذا هو السبب في أنه من المهم للغاية إقامة علاقات طبيعية كاملة بين إسرائيل وجيرانها. فقط العلاقة المبنية على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والتسامح الديني هي التي يمكن أن تشكل مستقبلًا أفضل".

ويقول مايكل كوبلو، المدير السياسي في "منتدى الشرق الأوسط" المقرب من إسرائيل أن "العلاقات التي تم تطبيعها بين إسرائيل وجيرانها هي أمر طالما سعت إليه إسرائيل، وان رئيس الوزراء نتنياهو أشار إلى هذه الرغبة في خطاباته أمام الأمم المتحدة حيث يتحدث عن العالم الذي يتغير ويتقبل إسرائيل". ويضيف "صحيح أن إسرائيل أقل عزلة بكثير مما كانت عليه في السابق، وأن المصالح المتبادلة في احتواء إيران ومواجهتها قد خلقت فرصاً وراء الكواليس بين إسرائيل وجيرانها السنّة، وهي فرص لم تكن موجودة من قبل. ومع ذلك، هناك حدود لمدى هذه العلاقات وإلى أي حد قد تصبح عامة".

وبحسب كوبلو فإن "السبب المشار إليه عموماً وراء ذلك هو عدم وجود حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لكن الوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة ببساطة هو الذي يخلق عائقًا للدول العربية للاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات الثنائية، كما أن العلاقات الطبيعية مع إسرائيل تضاعف من حدة المشاكل الناشئة عن الصرع الإسرائيلي الفلسطيني عن طريق الحد من السبل التي يمكن أن تستجيب بها الدول لإسرائيل".

ويشير كوبلو إلى أن هذا الوضع قد تجلى في تصريحات العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في مقابلة مع شبكة إم. إس.إن.بي.سي MSNBC ، الذي سئل عن "رد فعله على الضم الإسرائيلي المحتمل لوادي الأردن المحتل"، حيث انتقد الملك الأردني هذه السياسة بشدة وأعتبرها كارثية خاصة على الأردن ومصر - الدولتان العربيتان اللتان لديهما اتفاقيات سلام مع إسرائيل-، وأكد أن الضم سيؤدي إلى الضغط على الأردن ومصر لتقليص العلاقات مع إسرائيل وحتى إلغاء معاهدات السلام بينهما، وهي خطوة لا يريد الأردن القيام بها".

ويعتقد كوبلو أن "معاهدة السلام لعام 1994 مع إسرائيل كانت مفيدة للأردن، فلقد فُتح الباب أمام التجارة والاستثمار التي لا يمكن أن توجد من دون علاقات رسمية ، وعمقت العلاقة الأمنية بين البلدين، وسمحت للأردن بالعمل في القدس الشرقية دون إثارة أي تشويش أو تخريب من إسرائيل. لكنه تسبب أيضًا في صداع هائل للأردن، فالقضية الفلسطينية تجعل معاهدة السلام غير محبوبة للغاية بين الأردنيين، ووجود معاهدة السلام يجعل إسرائيل تعتبر /الأردن أمراً مسلما به/، وبالتالي فإن تأثير المعاهدة هو أن الأردن غالباً ما يحصل على الفتات من هذه العلاقة كون الحكومة الإسرائيلية تفترض أنه لن يكون هناك عواقب لمعاملتها السيئة للأردن".

ويستشهد كوبلو على مثل هذه المعاملة السيئة بأنه "عندما هاجم أردني حارس أمن إسرائيلي في السفارة الإسرائيلية في عمان، أطلق الحارس الإسرائيلي النار وقتل المهاجم مع أحد المارة، وبسبب معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، تم حل الوضع بعودة حارس الأمن إلى إسرائيل والترحيب به (الحارس الإسرائيلي) كبطل، بما في ذلك التقاط صور لنتنياهو وهو يعانقه. كان ذلك صفعة متعمدة للأردن، ولم يحدث ذلك إلا لأن رئيس الوزراء الاسرائيلي قدر بأن ذلك لن يعرقل التعاون مع الأردن بموجب المعاهدة. وبنفس الطريقة ، فإن تعهد نتنياهو بضم وادي الأردن يشكل تهديدًا للأردن أكثر من تهديده لأي جهة أخرى باستثناء السلطة الفلسطينية، وذلك بالنظر إلى مقدار ما سيشعله الفلسطينيون داخل الأردن. لكن يبدو أن نتنياهو لم يولي أي اعتبار لمثل هذا الامر، لأنه لم يعد يحاول الحصول على شيء من الأردن. لقد خلقت المعاهدة ترابطًا لا يمكن أن يوجد بدونها، وبالتالي، توجد مفارقة في السياسة الأردنية حيث أصبح التعاون مع إسرائيل أكثر شعبية لأنه أصبح ضروريًا في الوقت ذاته".

وكما هو موضح في المثال الأردني الذي يذكره كوبلو ، فإن التطبيع مع إسرائيل يجلب المشاكل دون الفوائد، خاصة في ضوء القيود التي ستوضع فورا على الزعماء العرب بسبب الرأي العام العربي، بغض النظر عن العامل الإيراني وشعور البعض بأن "الحد من الخطر الإيراني" المبالغ به يحظى بأولوية في البيئة الحالية ، كما أن "التعاون ضد إيران" يتم بغض النظر عما إذا كانت دولة ما تعترف بإسرائيل أم لا.

وقد تكمن الإمكانات في العلاقات الطبيعية في المجال الاقتصادي، وتلك الأنواع من الصفقات والترتيبات هي بالضبط تلك التي نظرًا لطبيعتها العامة، لا يمكن تحقيقها بشكل كامل. وإذا ما كانت معاملة إسرائيل للأردن تمثل مؤشرا بهذا الخصوص، فإن العلاقات الطبيعية تعني أن الإسرائيليين سوف يتصرفون بازدراء تجاه العرب فيما يتعلق بالشؤون الداخلية العربية.

لذلك فإن دعوة ترامب للتطبيع العربي مع إسرائيل لن تتحقق إلا بعد أن ينال الفلسطينيون حقهم في تحقيق المصير وإنهاء الاحتلال.