الأحد... وكل يوم أحد

بقلم: المحامي زياد أبو زياد

على هامش الإنتخابات الإسرائيلية: ما العبرة التي يمكن أن يستنتجها شعب تم أخذه رهينة

المتابع لوسائل التواصل الاجتماعي ولوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة يجد أن موضوع الانتخابات الإسرائيلية يكاد يطغى على اهتمام الجميع ويغطي على الكثير من القضايا الجوهرية والمصيرية التي تهدد وجودنا واستقرارنا ومستقبلنا.

وهذا الاهتمام ينبع إما من الرغبة في إظهار مدى المعرفة والإلمام بالشؤون الإسرائيلية أو من الإعتقاد بأن التغيير على الساحة الإسرائيلية سيعقبه تغيير في التوجه الإسرائيلي نحو مستقبل الصراع والاحتلال وبالتالي يعيد وضع المركبة في الاتجاه الصحيح ، أو من الاعتقاد بأن الالتفاف حول القائمة المشتركة وفوزها بثلاثة عشر مقعدا ً في الكنيست الاسرائيلي سيجعل منها قوة برلمانية ستؤثر في توجهات السياسة الإسرائيلية لصالح الشأن الفلسطيني.

وأضيف سببا ً آخر وهو أن فشلنا الذريع في الحفاظ على تقليد إجراء انتخابات برلمانية بوتيرة ثابتة وتخلينا عن حلم إقامة نظام برلماني مستقر كمنهاج حياة جعلنا نرقص على طبول الجيران ونتباهى بديمقراطيتهم ونعزي أنفسنا بالإعتقاد بأن ديمقراطيتهم ربما ستأتينا بالمسيح المنقذ أو المهدي المنتظر.

صحيح أن تغييرا ً ما قد حدث في إسرائيل لا نستطيع تجاهله ولكن هذا التغيير يجب أن يوضع في الإطار الصحيح والفهم الصحيح لكي نستطيع أن نبني عليه الاستنتاج الصحيح.

فالمعركة في إسرائيل لم تنته بل هي في أوجها ، وستظل تراوح مكانها حتى كانون أول المقبل عندما تنتهي المدد التي يعطيها القانون لأي من نتنياهو أو جانتس لمحاولة تشكيل حكومة. وإذا فشل كلاهما في ذلك فإن الباب سيظل مشرعا ً أمام اللجوء لاجراء انتخابات للمرة الثالثة في موعد لاحق في ربيع عام 2020. وهنا لا بد من التأكيد بأن احتمال اللجوء للانتخابات للمرة الثالثة هو احتمال لا يقل قوة عن احتمال التوصل الى تشكيل حكومة.

فالمشكلة الرئيسية هي في الموقف العدائي من المتدينين سواء من قبل افيجدور ليبرمان زعيم إسرائيل بيتنا والذي وضع شروطا ً قاسية أمام المتدينين للدخول في أي ائتلاف معهم لن يقبلوا بها ، أو من قبل يئير لبيد الشريك الرئيسي في حزب كحول لفان الذي ورث عن والده تومي لبيد عداءه التقليدي للمتدينين الذين وضعوا عليه حجرا هم أيضا.

وبالتالي فإن كحول لفان ستظل تراوح مكانها ولن تستطيع تشكيل حكومة ما لم يتخلى لبيد عن عدائه للمتدينين ويحاول التقرب منهم، وهي تدرك أن الذي يهمهم بالدرجة الأولى هو الميزانيات الخاصة بمؤسساتهم واحترام التقاليد الدينية العامة مثل احترام السبت. وإذا لم تفعل كحول لفان ذلك لسحبهم من معسكر نتنياهو وظل ليبرمان مصرا ً على موقفه بعدم المشاركة في أي حكومة ما لم تكن حكومة وحدة وطنية فلن تستطيع كل من الليكود أو كحول لفان تشكيل الحكومة وستضطران للذهاب للمرة الثالثة للانتخابات.

ويبقى سيناريو واحد قائم وغير مستبعد وهو أن يتم انقلاب داخل الليكود يطيح بزعامة نتنياهو ويقبل الانضمام لحكومة برئاسة جانتس أو أن يستطيع الليكود إحداث انقلاب وانشقاق داخل كحول لفان يؤدي الى انفصال أعضاء عنها والانضمام لحكومة يمين بقيادة الليكود سواء نتنياهو أو من سيخلفه من داحل الليكود مثل جدعون ساعر أو يسرائيل كاتس. ويستطيع المرء أن يتخيل مناورات ومحاولات تجري في الخفاء يحاول كل من الليكود وكحول لفان إحداث فتنة أو انقلاب لدى الطرف الآخر.

وفي جميع السيناريوهات المطروحة فإن أحدا في الخريطة السياسية اليهودية لا يفكر في الدخول بحكومة يشارك فيها العرب. ولا يبقى أمام العرب سوى المطالبة برئاسة احدى لجان الكنيست مثل لجنة المالية كما اقترح الدكتور أحمد الطيبي أو أن يترأسوا كتلة المعارضة في الكنيست وهذا أمر أصعب من إعطائهم رئاسة إحدى اللجان ، لأن لرئيس كتلة المعارضة في الكنيست امتيازات وحق اطلاع على مواضيع أمنية وسياسية في غاية الحساسية لا داعي لتفصيلها هنا لضيق المكان وبالتالي فإن من المستبعد أن تترك للقائمة المشتركة فرصة رئاسة كتلة المعارضة.

وبالنتيجة أقول بأن كل الاحتمالات لا تزال مفتوحة وستبقى مفتوحة حتى نهاية السنة وقد يتم ترحيل المشكلة الى ربيع العام القادم. وستبقى الأشهر القادمة فرصة سانحة لليمين المتطرف يحاول خلالها تمرير أقصى ما يمكن من برامج استيطانية وفرض أمر واقع في القدس وخاصة المسجد الأقصى ، بل وقد يلجأ نتنياهو ومن خلال وجوده على رأس حكومة تسيير الأعمال الى خلق أزمة أمنية أو حرب تطيل بقاءه في الحكم وتعطية مزيدا ً من الوقت للهرب من قضايا الفساد العالقة ضده.

وعلى اية حال فإنه لا بد من الإقرار بأن إنتخابات السابع عشر من أيلول وإن لم تحقق سقوطا ً مدويا لنتنياهو إلا أنها شكلت هزيمة لمنهج نتياهو القائم على ترويج الخوف والذعر لدى الإسرائيليين من "العدو" وهو الفلسطينيون والإيرانيون وكل من يخالف منهج وأفكار اليمين اليهودي المتطرف ، وكذلك هزيمة ترويج العداء والخوف من العرب في إسرائيل.

لم يكن تحقيق القائمة المشتركة لثلاثة عشر مقعدا ً في الكنيست نصرا ً كبيرا للعرب ولكنه يشكل دلالة وإثباتا ً للمتشككين منهم بأن بإمكان العرب في إسرائيل فرض أنفسهم على الخريطة السياسية إذا ما تلاحموا أكثر وأعطوا أصواتهم للقوائم أو القائمة العربية الواحدة وشاركوا بأعلى نسبة ممكنة في الانتخابات. فقد أثار فوز ثلاثة عشر عضوا مشكلة كبيرة أمام اليمين المتطرف فكيف لو كانوا ثمانية عشر عضوا ً مثلا ؟

إن على العرب في إسرائيل أن يعيدوا حساباتهم وأن يدركوا أن السلبية لا تفيد إلا خصومهم وأن التأثير والتغيير لا يمكن أن يتم إلا من داخل القلعة ، من داخل المؤسسة ، وأن الخروج من دائرة صنع القرار يفقد المرء أية قدرة على الإسهام في التأثير أو التغيير.

وأما للقيادة الفلسطينية التي حاولت الإسهام ايجابيا لجعل العرب في إسرائيل يصوتون للقائمة المشتركة فإنني أقول: لا شك في أهمية وحدة شعبنا في الداخل ولكن الأولى والأهم هو أن تحققوا وحدة الشعب الفلسطيني في مناطق السلطة وأن تعملوا على إنهاء الانقسام والعودة لشرعية الشعب من خلال إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية.

وإذ أقول هذا فإنني أدرك في نفس الوقت الصعوبات الجمة التي تقف أمام إنهاء الانقسام وأعرف أيضا ً بأننا أصبحنا شعب قد تم اختطافه واحتجازه رهينة ، وأن الوطن تحول الى مزرعة للبعض لا يهمه الشأن العام والمصاحة الوطنية بقدر ما تهمه الامتيازات والمكاسب الفردية واستمرار نهب ثروات الشعب والإثراء الفاحش غير المشروع على حسابه.

لقد وصل بنا الحال الى أدنى درجات الدرك الأسفل من السوء فماذا تنتظرون بعد !!