أم المفاجآت في تونس

بقلم: صادق ناشر

لم تكن المفاجأة المدوية في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها تونس الأحد الماضي، وأعلنت نتيجتها الثلاثاء، سوى تعبير عن واقع سياسي جديد يتحرك في هذا البلد العربي، الذي بادر إلى تقديم درس جديد في الديمقراطية التي لا تجد أرضية حقيقية لها في وطننا العربي الكبير، ذلك أن صعود شخصيتين لم تكونا في الحسبان، إلى جولة الإعادة المقبلة في شهر تشرين الأول المقبل، أحدث ما يشبه الزلزال في المجتمع التونسي، وهو الوصف الذي أجمع عليه كافة المراقبين للوضع هناك.


تمرد التونسيون على التقاليد السياسية المتعارف عليها في الوطن العربي، والتي تقضي بأن يصعد إلى الحكم من الدائرة المقربة للنظام، باختيارهم شخصيتين بعيدتين تماماً عن هذه الدائرة، فالأول، وهو قيس السّعيد، الأستاذ في القانون، شخصية غير معروفة على نحو يذكر باستثناء الطلاب الذين قام بتدريسهم في الجامعة، والثاني قطب إعلامي مسجون بتهمة تبييض أموال، وهو نبيل القروي، الذي تواجه الدولة التونسية بشأن البت بمصيره الكثير من الحرج السياسي والقانوني، خاصة أن فوزه، إذا ما حصل، سيكون ضربة في صميم النظام التونسي.


لقد تخطى الفائزان 24 مرشحاً آخرين، بعضهم من العيار الثقيل، مثل رئيس الوزراء يوسف الشاهد، ورئيسي وزراء سابقين هما مهدي جمعة وحمدي الجبالي، والرئيس السابق المنصف المرزوقي، الذي كان من بين أكبر الخاسرين، إضافة إلى وزير الدفاع عبدالكريم الزبيدي، الذي كان ينظر إليه كأحد أبرز المرشحين باعتباره امتداداً لعهد الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، وبالتالي المرحلة البورقيبية، فيما كانت المفاجأة بتخطي الفائزين شعبية حركة «النهضة» عبر عبد الفتاح مورو، الذي خاض الانتخابات باسم الحركة، على الرغم من حصوله على المركز الثالث بما يقرب 13%.


ستحصل مراجعات بالتأكيد من قبل المؤسسات السياسية في تونس لما حدث، لكن الأكيد أن تونس بعد رئاسيات 2019 لن تكون كما كانت من قبل، فالنتيجة التي حملتها بما لها وعليها، تمثل صدمة كبيرة، للمؤسسة السياسية التونسية، بكل رموزها وأحزابها، وتؤشر إلى حالة من فقدان الثقة، من قبل الشعب التونسي، بالمؤسسة السياسية التي حكمت البلاد على مدار عقود طويلة.


وأياً كانت النتيجة المقبلة في وصول أحد الفائزين إلى قصر قرطاج، فإن تحولاً هائلاً حدث في تونس، وسيلقي بظلاله على الأوضاع في المنطقة العربية ككل وتونس في مقدمتها، وكما كانت في مقدمة البلدان التي شهدت موجة ما يعرف ب«ثورات الربيع العربي»، فإنها في الانتخابات الأخيرة قدمت نموذجاً في الديمقراطية.


ستكون تونس على موعد مع التغيير خلال الفترة المقبلة، ولا شك في أن هذا التغيير ستكون له آثاره وتداعيات داخلياً وفي المحيط، لكن السؤال الأهم هو: هل ستكون هذه التجربة فرصة لتقديم نموذج مختلف من الحكم، أم أن الحرس القديم والدولة العميقة يمكن أن يقفا في وجه هذا التحول الكبير؟

بالاتفاق مع "الخليج"