دوافع التطرف... من الشرق إلى الغرب

بقلم : الدكتور ماجد الأنصاري

مع تزايد الاعتداءات العنيفة في العالم بين تلك التي تحركها الأيديولوجيا وتنظمها الجماعات المسلحة وتلك التي يرتكبها أشخاص غير أسوياء فكرياً أو عقلياً بلا منطق أو هدف يتبادر السؤال الأهم إلى أذهان الساسة والباحثين، ما هي الدوافع التي تجعل من إيذاء الآخر أمراً مقبولاً بل وخدمة لفكرة أو توجه ما؟


لا شك أن الدوافع تختلف من شخص لآخر ومن قضية لأخرى ومن مكان لآخر ولكن هناك حالة إنسانية عامة تتجه بالإنسان نحو العنف، وهنا لا نتحدث عن ذلك العنف الذي هو نتاج قرار سياسي بخوض حرب أو انتقاماً مباشراً لجريمة ما، بل نتحدث عن العنف الذي يرتكبه شخص ضد أبرياء إما لهدف سياسي أو فكري، دراسة هذا النوع من العنف مهمة لأن التعرف على الأسباب والدوافع هو الخطوة الأولى نحو علاج المشكلة، ولهذا السبب أقمنا من خلال معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية في جامعة قطر مؤتمراً دولياً لدراسة أسباب التطرف شارك فيه أكثر من 100 باحث من أكثر من 20 دولة، وفي جلسات المؤتمر وخلال أحاديث أروقته تبادل الحضور تفسيراتهم ونتائج أبحاثهم وتجاربهم الميدانية.


في الحقيقة ولد المؤتمر تساؤلات أكثر مما أفرز أجوبة، فبينما حاول بعض المشاركين إلصاق التطرف بالمنطقة العربية الإسلامية لم ينجحوا في تبرير وجود التطرف القادم من الغرب سواء كان أبيض نحو غير البيض أو غربيين من بيئات منفتحة ينضمون لجماعات مسلحة في المشرق، وحين حاول آخرون تبرير التطرف باعتباره استجابة للضغوط الاقتصادية وغياب الحكم الرشيد فقط فشلوا في تفسير ظهور التطرف العنيف في مجتمعات ديموقراطية مزدهرة، ومع عرض التجارب المختلفة البحثية منها والسياساتية تبين أن المشكلة أعمق بكثير من تفسير واحد أو نظرة ضيقة نحو دين أو فكر أو عرق، فالتحول نحو العنف لتجسيد الأفكار المتطرفة هو عملية معقدة قد تبدأ بالانغلاق على الذات أو المجموعة ونبذ الآخر أو قد يكون غياب شبكة الأمان الاجتماعية التي تحمي من الانسياق خلف فكرة العنف داعماً للتحول أو ربما وجود نظام مؤسسي يولد الإحساس بالنقص والظلم واليأس.

وفي تلك المستويات المختلفة نجد ظروفاً داعمة للتحول نحو التطرف العنيف، ولكن وكما هو مشاهد لا يتحول ذلك بالضرورة إلى العنف، هناك الكثير من المنغلقين الذين يعيشون بمفردهم في مجتمعات متأزمة ولا يحملون سلاحاً يهاجمون فيه الأبرياء، وهنا تأتي أهمية أن نفهم وبغض النظر عن السياق أو مع اعتباره عاملاً محيداً ما هو الذي يميز تلك الفئة التي تختار العنف.
انطلاقاً من التساؤلات أعلاه أطلق المؤتمر مبادرة مهمة في إطار فهم الظاهرة، وهي المؤشر العالمي لقابلية التطرف العنيف، هذا المؤشر سيقوم بدراسة ميدانية مسحية لأكثر من 10 مجتمعات عبر العالم للتعرف على الأسباب التي تزيد من القابلية للتطرف العنيف.

وفي ختام المؤتمر وقع ممثلون لأكثر من 13 مؤسسة بحثية وسياساتية على الإعلام المشترك الذي يطلق أعمال المؤشر والذي نتمنى أن ترى نتائجه النور في سبتمبر القادم، مثل هذ المبادرات تؤكد الموقف القطري من قضايا التطرف والإرهاب وهو ضرورة التعامل مع جذور المشكلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وليس التعامل الأمني القمعي فقط والذي يفاقم غالباً من المشكلة على المدى الطويل.

التطرف العنيف اليوم لم يعد مشكلتنا أو مشكلتهم بل أصبح مشكلتنا جميعاً وعلينا في هذا العالم مجتمعين أن نسبر أغوار هذه الظاهرة سواءً تجلت على شكل إرهاب أبيض في نيوزيلانده وإلباسو أو من خلال جماعات كداعش أو عصابات الهندوس المتطرفين.

عن "الشرق" القطرية