اتفاق اوسلو في ذكراه السادسة والعشرين

اتفاق اوسلو في ذكراه السادسة والعشرين.. بقلم المحامي راجح ابو عصب

تمر في هذه الايام الذكرى السادسة والعشرون لتوقيع اتفاق اوسلو اذ جرى الاحتفال بتوقيعه في حديقة البيت الابيض 13\9\1993 برعاية الرئيس الاميركي بيل كلينتون وحضور الرئيس ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ورئيس وزراء اسرائيل اسحق رابين .

وكانت اتفاقية اوسلو اول اتفاقية رسمية مباشرة بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل وقد وقعها عن الجانب الفلسطيني امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمود عباس الذي اصبح فيما بعد رئيسا للمنظمة ورئيسا للسلطة الفلسطينية اما عن الجانب الاسرائيلي فقد وقعها شمعون بيرس الذي كان وقتذاك وزير خارجية اسرائيل .

وقد نصت اتفاقية اوسلو على اقامة السلطة الفلسطينية ومجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وذلك لفترة انتقالية لا تتجاوز خمسة اعوام وكان من المفترض وفقا للاتفاقية ان تشهد السنوات الخمس التي اعقبت توقيع الاتفاقية مفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي وذلك من اجل التوصل الى تسوية دائمة على اساس قراري مجلس الامن 242 و 338 .

وقد سميت الاتفاقية اتفاقية اوسلو نسبة الى مدينة اوسلو النرويجية التي جرت فيها المحادثات السرية بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية والتي جرت بعد مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991 وقد استضاف تلك المحادثات معهد فافو وانتهت في 20 اب من عام 1993 .

وقد نصت اتفاقية اوسلو ان مفاوضات الحل النهائي خلال فترة السنوات الخمس على ان تشمل قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الامنية والحدود والعلاقات والتعاون مع جيران اخرين .

وكان المأمول ان تؤدي الاتفاقية الى انهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي المستمر منذ قرن من الزمان وان تؤدي بالتالي الى انهاء الصراع العربي الاسرائيلي وفتح صفحة جديدة من السلام والامان والتعاون في المنطقة وبذل كافة الجهود من اجل العمل على تقدم ورفاهية وازدهار كل شعوب هذه المنطقة حيث في مقدمة اعلان الاتفاقية ما نصه ان حكومة دولة اسرائيل وفريق منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا للشعب الفلسطيني يتفقان على ان الوقت قد حان لانهاء عقود من المواجهة والنزاع والاعتراف بحقوقهما المشروعة والسياسية المتبادلة والسعي للعيش في ظل تعايش سلمي وبكرامة وامن متبادلين ولتحقيق تسوية عادلة ودائمة وشاملة .

وقد كان نجما الاتفاقية ياسر عرفات واسحق رابين وقد وقف عدو الامس عرفات ورابين في حديقة البيت الابيض وامام الرئيس الاميركي بيل كلينتون مد عرفات يده الى رابين الذي تردد للحظة قبل ان يمد يده بدوره لمصافحة عرفات في مصالحة تاريخية وقد حضر مراسم الاحتفال التي استغرقت ساعة واحدة فقط ثلاثة الاف مدعو وجرى الاحتفال في اجواء من التأثر والامل .

وقداطلق الرئيس ياسر عرفات واسحق رابين في شهر ايار من عام 1994 الفتره الانتقالية وفي شهر تموز من نفس العام عاد ياسر عرفات الى الاراضي الفلسطينية وذلك بعد 27 عاما قضاها بالمنفى وبعد عودته مباشرة اعلن قيام السلطة الفلسطينية .

وقد كان من المتوقع ان يستمر عرفات ورابين في مسيرة تحقيق السلام ولكن في الرابع من تشرين الثاني من عام 1995 اغتال المتطرف اليميني يجئال عمير رابين في ختام مهرجان تأييد لعملية السلام وذلك في ميدان بتل ابيب الذي عرف فيما بعد بميدان رابين وكان الهدف من عملية الاغتيال وقف عملية السلام .

وقد حققت عملية اغتيال رابين هدف من اغتاله ومن حرض على اغتياله اذ تعثرت مسيرة عملية السلام وذلك لان نتنياهو الذي شكل حكومته الاولى في عام 1996 رفض الوفاء بما التزمت به اسرائيل في اتفاقية اوسلو واصر على البدء من نقطة الصفر والعودة الى المربع الاول في الوقت الذي وفى الجانب الفلسطيني بكل ما التزم به في الاتفاقية فقد رفض نتنياهو وقف الاستيطان في الاراضي الفلسطينية كما رفض الاعتراف باقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة بعاصمتها القدس الشرقية وذلك ضمن حدودالرابع من حزيران من عام 1967 .

وعندما تولى ايهود اولمرت رئاسة الوزارة الاسرائيلية بعد اصابة رئيس الوزراء ارئيل شارون بجلطة دماغية في عام 2006 واستمر رئيس للوزراء حتى عام 2008 التقى اولمرت بالرئيس محمود عباس الذي تولى رئاسة السلطة الفلسطينية بعد رحيل الرئيس عرفات في 11 تشرين الثاني من عام 2004 36 مرة , وقد رحب اولمرت بمبادرة السلام العربية التي طرحتها قمة بيروت العربية عام 2002 وذلك بعد ان جددت جامعة الدول العربية تأييدها للمبادرة وقد دخل اولمرت محاولة للتفاوض على اتفاق سلام واقامة دولة فلسطينية وقد اقترح اولمرت خروج اسرائيل من معظم مناطق الضفة الغربية مقابل ان تضم ما لا يقل عن 3و6 % من تلك المناطق وذلك مقابل ان تعطي اسرائيل 8و5 % من اراضيها للجانب الفلسطيني وذلك ضمن خطة تبادل اراض بين الجانبين وكانت الاراضي التي ستعطى للجانب الفلسطيني تقع في منطقه النقب المتاخمه لحدود قطاع غزه مع اعطاء حريه المرور للجانب الفلسطيني بين قطاع غزة والضفة الغربية .

وقد اتفق الرئيس عباس واولمرت على اهمية بقاء العلاقات المتبادلة بين فلسطين واسرائيل وكذلك على اهمية التعاون الوثيق في مجالات المياه والامن والسياحة والخدمات المصرفية .

اما فيما يتعلق بالقدس فقد اتفق عباس واولمرت على بقاء الاحياء اليهودية تحت السيطرة الاسرائيلية بينما تعود الاحياء العربية الى السيادة الفلسطينية ولكن وللاسف لم يتم ترجمة ما اتفق عليه عباس واولمرت على ارض الواقع خاصة بعد استقالة اولمرت من رئاسة الحكومة في عام 2009 .

ومع عودة نتنياهو الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية في شهر شباط من عام 2009 توقفت عملية السلام مجددا لان نتياهو عاد الى سياساته القديمة الرافضة لتحقيق السلام العادل والشامل والدائم وذلك رفضه لفكرة الدولة الفلسطينية ولرفضه كذلك وقف الاستيطان في الاراضي الفلسطينيه او حتى مجرد تجميده .

وفي شهر ايلول من عام 2010 حاول الرئيس الاميركي باراك اوباما الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة في كانون الثاني من عام 2009 احياء عملية السلام بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي من خلال دفع الفلسطينيين والاسرائيليين الى استئناف تلك العملية وقد دخل الجانب الفلسطيني مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع الجانب الاسرائيلي بنية صادقة لتحقيق السلام العادل والشامل والدائم وكان يرى ان المفاوضات وسيلة لتحقيق ذلك السلام المنشود ولكن حكومة نتنياهو اعتبرت تلك المفاوضات غاية في حد ذاتها وليست وسيلة وذلك سعيا منها لاتخاذ تلك المفاوضات غطاء للاستمرار في سياسة الاستيطان من خلال توسيع المستوطنات القائمة واقامة مستوطنات جديدة وللاستمرار في سياسة فرض الامر الواقع وذلك بهدف القضاء على فكرة وامكانية قيام تلك الدولة الفلسطينية من خلال تمزيق الاراضي الفلسطينية لجعل اقامة دولة متواصلة جغرافيا وقابله للحياة امرا مستحيلا او شبه مستحيل .

وازاء سياسة نتنياهو هذه اعلن الرئيس عباس انسحابه من تلك المفاوضات التي وصفها وبحق انها مفاوضات عبثية وكانت الرحلة الاخيرة من تلك المفاوضات هي مرحله الاشهر التسعة التي اقترحها الرئيس اوباما ووزير خارجيته جون كيري التي انطلقت في اواخر شهر تموز من عام 2013 والتي انتهت في 30 نيسان من عام 2014 وقد انتهت مفاوضات الاشهر التسعة تلك الى الفشل جراء تعنت حكومة اسرائيل ومنذ ذلك التاريخ فان عملية السلام دخلت في مرحلة جمود تام .

وكانت الاسباب الرئيسية لفشل المفاوضات المباشرة وغير المباشرة خلال الاعوام الطويلة التي استغرقتها هي رفض اسرائيل قيام الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة على حدود الرابع من حزيران من عام 1967 وكذلك رفض اسرائيل الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية وكذلك رفض حل قضية اللاجئين وايضا اشتراط نتنياهو اعتراف القيادة الفلسطينية بيهودية الدولة العبرية وهو ما ترفضه القيادة الفلسطينية بشكل مطلق كما ان اسرائيل ترفض اخلاء منطقة الاغوار التي تشكل ربع مساحة الضفة الغربية وكذلك تصر على السيطرة على مصادر المياه في الضفة وكذلك السيطرة على المعابر .

ومع تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في 20 كانون الثاني من عام 2017 فان عملية السلام واتفاق اوسلو دخلا في حالة موت سريري في غرفة الانعاش وذلك جراء تبني ترامب كل مواقف اليمين الاسرائيلي المتشدد من ذلك اعترافه بالقدس عاصمة لاسرائيل ونقل سفارته من تل ابيب الى القدس واعلانه انه من حق اسرائيل ضم اراض من الضفة الغربية وشطب قضية اللاجئين ودعوته الى الغاء عمل وكالة الغوث الدولية الاونروا وشطب اسم فلسطين من لائحة الخارجية الاميركية ووقف كافة المساعدات المالية للسلطه الفلسطينية وللشعب الفلسطيني واطلاق اسم يهودا والسامرة التوراتي على الضفة الغربية والاخطر من ذلك تخليه عن رؤية حل الدولتين دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل .

ان كل هذه المواقف الاميركية المعادية للشعب الفلسطيني ولعملية السلام شجعت نتنياهو على التصريح مؤخرا انه يعتزم في حال فوزه في الانتخابات التشريعية الكنيست بضم الاغوار لاسرائيل وسيقوم ايضا باعلان السيادة الاسرائيلية على مستوطنات الضفة وبذلك يعلن تماما تخليه عن اتفاق اوسلو وعن ما التزمت به اسرائيل في ذلك الاتفاق .

ورغم كل المواقف والخطوات الاسرائيلية والاميركية المدمرة لعمليةالسلام فان القيادة الفلسطينية ما زالت تعتبر السلام خيارا استراتيجيا وتؤكد انها اوفت بكل ما التزمت به في اتفاق اوسلو وانها لن تتخلى عن جهودها لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بالوسائل السلمية البعيدة عن العنف متسلحة بذلك بقرارات مجلس الامن والامم المتحدة وقوانين شرعة حقوق الانسان وبتأييد معظم دول وقادة العالم وهي ماضية في خططها لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بالوسائل السلمية البعيدة عن العنف متسلحة بذلك بقرارات مجلس الامن والامم المتحدة وقوانين شرعة حقوق الانسان وبتأييد معظم دول وقادة العالم وهي ماضية في خططها لاقامة تلك الدولة على ارض الواقع حيث ترتفع اعلام فلسطين فوق اكثر من 135 سفارة فلسطينية في دول العالم المختلفة وحيث اصبحت فلسطين عضوا في العديد من المؤسسات الدولية، والله الموفق.