بعد 26 عاماً على «أوسلو»

بقلم: علي جرادات

فشلت حكومات الاحتلال ثلاث سنوات، (1991- 1993)، من «مفاوضات مدريد» لتسوية الصراع وفق معادلة «الأرض مقابل السلام»، علماً بأن الأرض المقصودة هنا، هي فقط، الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتهاإسرائيل في عدوانها عام 1967. أما «اتفاق أوسلو» فبعد شهور على توقيعه، قال مهندسه إسحاق رابين، رئيس حكومة الاحتلال آنذاك: «لا وقف لعمليات مصادرة الأرض والاستيطان، ولا وقف لمحاربة «الإرهاب»، ولا مواعيد مقدسة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه». أما نتنياهو رئيس حزب الليكود المعارض، حينها، فرفض «اتفاق أوسلو» جملة وتفصيلاً، فيما كان سلفه، إسحاق شامير، قد أطلق «نبوءة»: «سنفاوض الفلسطينيين عشرين عاماً». ولا غرابة، فبرنامج «حزب العمل» لم يكن يوماً مع إقامة دولة فلسطينية، أما عماد برنامج حزب الليكود ف«سلطة واحدة بين البحر والنهر»، بينما ثمة أحزاب تفوقه يمينية وتطرفاً، وتفوز معه في الانتخابات بناء على هذا البرنامج.

لذلك كان من الطبيعي والمحتوم أن ينتهي العمر الزمني ل«اتفاق أوسلو» في مايو/أيار 1999 إلى صفر نتائج بالنسبة للفلسطينيين وممثلهم؛ منظمة التحرير الفلسطينية، لكن الأخيرة لم تُنهِ هذا الاتفاق، ولم تسحب ما قدمته في إطاره، بصورة متسرعة ومجانية، من أوراق القوة الفلسطينية؛ بل مددت له واقعياً، كتعاقد سياسي، وكالتزامات أمنية واقتصادية. هنا يكمن سر كيف تحوّل «أوسلو» من اتفاق إلى مرحلة بات عمرها، حتى الآن، 26 عاماً؛ أي نصف عمر مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة التي انطلقت عام 1965؛ أي قبيل عدوان 1967، لتحقيق أهداف المشروع الوطني التحرري في «التحرير والعودة». لكن ولأجل الإحاطة بتعقيدات هذه المرحلة، وما ستؤول إليه تناقضاتها، كمرحلة في طريقها إلى الانتهاء، تقدم الأمر أو تأخر، لمصلحة مرحلة جديدة لم تتبلور معالمها كلياً بعد، فلنشِر إلى أمرين أساسيين هما:

الأول: لقد ألقت الإفرازات السلبية لهذه المرحلة بظلالها الثقيلة على الحالة الفلسطينية لناحية حلول «السلطة الفلسطينية»، كسلطة محدودة ومُقيدة على السكان في قطاع غزة وأجزاء من الضفة، محل منظمة التحرير، كحركة تحرر وطني وديمقراطي وممثل وكيان معنوي جامع للشعب الفلسطيني، وقائد لنضالاته في الوطن والشتات.. ولناحية إعلاء القيم الحزبية الفئوية الضيقة على القيم الوطنية الجماعية الجامعة، ولناحية نشوء دينامية تفكيكية طالت خارطة الوطن والحقوق والفصائل والنضالات، والإنجازات الوطنية، ولناحية انتقال النضال الوطني وفصائله من حالة الهجوم وتحقيق الإنجازات إبان انتفاضة 87 الشعبية الكبرى، إلى حالة الدفاع وتبديد ما تحقق من إنجازات بالمعنى الشامل للكلمة، خلال 28 عاماً من مسيرة الثورة المسلحة المعاصرة، ولناحية انتقال النضال الوطني من حالة الوحدة والمقاومة والاتفاق، أو التوافق، على برنامج سياسي وطني واحد، وعلى قيادة وطنية واحدة إلى حالة عمادها الانقسام والتنازع وتعدد المرجعيات، وبعثرة الجهود والإمكانيات والنضالات.

كل ذلك هو ما شجع الولايات المتحدة، برئاسة ترامب، على طرح خطة «صفقة القرن» لتصفية القضية الفلسطينية من جميع جوانبها، وبالمعنى الوجودي للكلمة؛ أي لتحقيق برنامج أشد حكومات الاحتلال تطرفاً وغطرسة وعنجهية، وأكثرها تشبثاً بأحلام مقاربة إقامة إسرائيل اليهودية الكبرى على كامل أرض فلسطين، وعلى ما تبقى في قبضتها من أراضي «دول الطوق»، كمقاربة أصبحت خارج الممكن الواقعي والتاريخي.

أما الأمر الثاني، فهو أن إفرازات هذه المرحلة، بما صاحبها من غطرسة الاحتلال واستباحاته الشاملة لكل ما هو فلسطيني، لم تدفع الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية نحو الاستسلام ورفع الرايات البيضاء؛ بل نحو خوض مواجهة شعبية وسياسية لعل أبرز محطاتها: «هبة النفق» المسلحة عام 1996، و«انتفاضة الأقصى» المسلحة (2000- 2004)، وما تلاها من هبات شعبية متلاحقة أسست لانتفاضة «الطعن والدهس» في العامين 2015 و2016، ناهيك عما شهدته الضفة خلال السنوات الثلاث الأخيرة من هبات جماهيرية وأعمال مقاومة بطولية تصدرها جيل جديد من الشباب والفتية، ذكوراً وإناثاً، وعما شهدته «مناطق 48 ولا تزال، من مواجهات مستمرة ضد سياسة التمييز العنصري و«التهويد» و«الأسرلة» والتطهير العرقي المُخطط. دع عنك مقاومة قطاع غزة المسلحة التي لم تتوقف، وصموده في مواجهة ثلاث حروب للتطهير المخطط والتدمير الشامل، هذا يعني أنه على الرغم من 26 عاماً من إفرازات «أوسلو» الثقيلة على الحالة الفلسطينية الداخلية، فإن الشعب الفلسطيني هو (وليس إدارة ترامب وحكومة نتنياهو) صاحب القول الفصل في تحديد معالم ووسائل وأشكال المواجهة في المرحلة المقبلة، شاء من شاء وأبى من أبى.