صدمة الهجمات على "آرامكو"توحد الفرقاء في آسيا لتأمين حصولهم على الطاقة الرخيصة

بكين- "القدس" دوت كوم- د ب أ- إذا كان ثمة أمر يمكن أن يصرف انتباه الدول الكبرى في القارة الآسيوية عن التنازع حول الأراضي محل الخلاف، وحول الجرائم التي ارتكبت أثناء الحرب العالمية الثانية، فسيكون هو الحاجة إلى البترول الرخيص.

وتبلغ واردات آسيا من النفط الخام السعودي أكثر من 70%، وتأتي في المرتبة الأولى ، من بين الدول الآسيوية المستوردة ، الدول الأربع الأكبر اقتصاديا وهي الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية، وذلك وفقا لشركة "وود ماكينزي" للاستشارات الاقتصادية، وهذا الاتجاه يجعل هذه الدول معرضة بشكل خاص للتأثير السلبي للتوترات الجيوسياسية المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط، والتي تتسبب في الوقت الحالي في ارتفاع أسعار البترول.

وذكرت وكالة "بلومبرج" للأنباء في تقرير لها أنه مع اتهام الولايات المتحدة إيران بالضلوع في الهجمات المدمرة باستخدام الطائرات المسيرة على منشأة بترولية حيوية في السعودية، قد يجد حلفاء واشنطن في المنطقة الآسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية إلى جانب شركائها الناشئين ، مثل الهند، أنفسهم واقعين تحت ضغوط لمسايرة أية خطوة قادمة يقررها الرئيس دونالد ترامب، غير أن هدفهم الرئيسي سيتمثل في كفالة أن يكون أي رد على هذا الهجوم محسوبا.

وفي هذا الصدد يقول ميها هريبرنك رئيس قسم "الأبحاث الآسيوية" بمركز "فيرسيك مابلكروفت" الدولي الذي يقدم استشارات للشركات التي تواجه المخاطر الاقتصادية والسياسية، إن "حكومات الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية يوحدها بالتأكيد اعتمادها على صادرات النفط السعودية، وهي ترغب في تجنب أي تصعيد للأزمة".

ويضيف "إننا نتوقع أن تقوم كل من كوريا الجنوبية واليابان بإحداث توازن بعناية بين مصالحهما الاقتصادية وبين تحالفهما مع الولايات المتحدة خلال الأسابيع المقبلة، وتشعر كل من طوكيو وسول بالقلق إزاء أية محاولات للرد المباشر على إيران".

وبينما سعت جميع الدول الاقتصادية الكبرى في آسيا إلى إحداث توازن في علاقاتها مع كل من السعودية وإيران، فإن الصين وحدها لا تنصاع تماما لتنفيذ العقوبات الأمريكية ضد إيران، وكانت الهند التي تعد سابقا إحدى أكبر مستوردي النفط الإيراني في العالم، قد قلصت على مضض هذه الواردات مما مثل خيارا مؤلما لها نظرا لقربها الجغرافي من إيران.

وظلت الردود الرسمية من جانب هذه الدول الأربع إزاء الأزمة التي تعرضت لها السعودية محدودة، وإن كانت الصين هي الأكثر تعبيرا عن موقفها حيث قالت المتحدثة باسم خارجيتها هوا تشونينج إن "الصين تعارض أي توسيع للصراعات، ونحن ندعو الأطراف المعنية إلى الامتناع عن أية أفعال تؤدي إلى تصعيد التوترات الإقليمية".

وعلى الرغم من أن واضعي الاستراتيجيات في بكين يعتقدون أن الأحداث الأخيرة تبين فشل جهود ترامب في الشرق الأوسط ، فإن الصين لا زالت تريد تجنب تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وستسعى إلى التوسط لتشجيع إجراء مباحثات، وذلك وفقا لما يقوله لي جوفو الدبلوماسي الصيني السابق الذي عمل بواشنطن ويشغل حاليا منصب مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بمعهد الصين للدراسات الدولية التابع لوزارة الخارجية.

ويقول لي إنه "سبق للولايات المتحدة أن ضغطت على حلفائها لاتخاذ نفس مواقفها، وهددت دولا أخرى لإجبارها على قطع علاقاتها التجارية مع إيران، ويجب على واشنطن أن تقوم بدور أساسي لنزع فتيل التوتر الذي هو من صنع يديها".

وفي كوريا الجنوبية قالت وزارة الخارجية إن الهجوم على السعودية قوض الأمن العالمي للطاقة وكذلك الاستقرار في المنطقة، وذكر بيان للحكومة إن الرئيس الكوري مون جاي إن دعا إلى عقد اجتماع طارئ بهدف الحد من التأثير السلبي للهجوم على الإمدادات البترولية وعلى الأسعار المحلية للوقود.

وصار الوضع في اليابان أكثر تعقيدا بدرجة طفيفة، حيث أصدرت وزارة الخارجية في طوكيو بيانا مساء أمس الأول الأحد أدانت فيه بقوة الهجوم، وقالت إنها ستجرى اتصالات مع دول منطقة الشرق الأوسط للحفاظ على السلام والاستقرار.

وتعرض رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لضغوط من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للمشاركة في دوريات بحرية في مضيق هرمز، وهو مطلب يحمل مخاطر تجدد الانتقادات لرغبة آبي في تعديل الدستور الذي يحظر مشاركة القوات اليابانية في عمليات خارجية، كما أن استطلاعا للرأي العام نشرته وكالة "كيودو" اليابانية للأنباء أشار إلى ما نسبته 57% من اليابانيي يعارضون أي نشر لسفن حربية يابانية في مضيق هرمز، مقابل موافقة 28% منهم.

بينما يقول كازو تاكاهاشي الأستاذ بالجامعة المفتوحة باليابان "إنه من المرجح أن تتخذ اليابان موقف المتفرج إلى أن تتضح الأمور، واعتقد أن آبي سيحاول أن يقوم بدور في تهدئة الأمور، وإن كنت لا أعلم مدى قدرته على فعل الكثير".

ومن ناحية أخرى ذكرت وزارة البترول الهندية أن الرياض أكدت لها أنه لن يكون هناك أي نقص في الإمدادات، ويعد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الذي يناضل الآن للتغلب على حالة من الركود الاقتصادي الحاد، واحدا من أكثر المسؤولين المعرضين للمتاعب في آسيا بسبب الارتفاع المفاجئ في أسعار البترول.

وتستورد الهند حوالي 85% من احتياجاتها البترولية، واسهمت الرياض بنحو 18% من حجم الواردات الهندية من البترول خلال العام المالي 2018 2019/، ويذكر أن ارتفاع أسعار الوقود يمكن غالبا أن يسبب صداعا سياسيا للمسؤولين في الهند التي تتأثر بحساسية بارتفاع الأسعار، حيث تراجع معدل النمو إلى أقل درجاته منذ آذار/مارس2013.

وثمة فرصة لأن يؤدي الهجوم على السعودية إلى دفع الدول إلى تنسيق السياسات فيما بينها، وفي هذا الصدد لا يتوقع نيك بيزلي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة "لا تروب" بأستراليا أن تنجح هذه المحاولات التنسيقية.

ويقول بيزلي "كل طرف في الجانب الخطأ من هذه العملية ،مثل مستوردي النفط، قد ينسق سياساته مع الآخرين في محاولة للتأثير على واشنطن، ولكن مع الصعوبة التي يواجهها أقرب المستشارين لترامب في تشكيل تصرفاته فإن هذه المحاولة تصبح أملا يائسا".

وسادت موجة من عدم التيقن أسواق النفط العالمية بسبب نقص الإنتاج السعودي.

وعلى المدى الطويل قد تدفع هذه الأزمة كلا من اليابان والهند وكوريا الجنوبية إلى تبني نفس النموذج الصيني، ببناء بنية تحتية استراتيجية في مواقع في مختلف أنحاء العالم لكفالة استقرار إمدادات الطاقة، وفقا لما يقوله ألكسندر نيل الباحث قي شؤون أمن منطقة آسيا-الهادي بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في سنغافورة.

ويضيف إن "الصين ستدفع بأن الولايات المتحدة شريك متقلب غير موثوق به ، حيث تثير القلاقل في منطقة استراتيجية مهمة، وسيكون القول الذي تروج له الصين إنه إذا حاولت أن تتحالف مع واشنطن فسوف يتم ربطك بهذا الاتجاه السلبي".

ويوضح قائلا "إذا كنت تشغل منصب الوزير في أي من الدول الكائنة في شمال شرقي آسيا، فسوف تفكر في تنويع السياسات، وهذا بالضبط هو نوع الخطط الطارئة التي ستقول الصين أنها تتحوط بها استراتيجيا ، عن طريق إنشاء مثل هذه النوعية من البنية التحتية".