حول المشاركة الفلسطينية في انتخابات الكنيست

بقلم: ناصر السهلي

بعيدًا عن التنميط المبرمج الذي يقوده مثلث معروف على الساحة العربية (خارج فلسطين المحتلة) عن فلسطينيي 48، داخل الخط الأخضر، والذي في مجمله يدفع نحو تجهيل في الجغرافيا والتاريخ، بتمني شيوع الأسرلة والتصهين، فإن هؤلاء الفلسطينييّن كانوا ولا يزالون الشوكة في حلق الحركة الصهيونية، منذ إنشاء عصاباتها المسلحة -الإرهابية (حتى في تسمية المستعمر البريطاني آنذاك) كيانها الاستعماري.

خرافات ومشاريع كثيرة في سياقات التسويق والتلميع الصهيوني عن "إسرائيل العلمانية.. والديمقراطية الوحيدة.."، أفشلها هؤلاء خلال عقود ماضية، ومنها سرقة الأرض والثقافة والتراث والتاريخ الفلسطيني، فكان "يوم الأرض" في مارس 1976 الشاهد الأكبر، إلى جانب هبة تشرين الاول 2000، على ما تعنيه هذه الشوكة في حلق العنصرية الصهيونية، المختبئة خلف صور مخادعة.

في هذا الكيان الاستعماري، التجميعي لخليط مستورد، ومصنف بطبقات ودرجات (ولعلّ ما جرى مع يهود الفلاشا الأثيوبيين، أخيرًا، أوضح مثال)، ولعبًا على خرافة "يهودية الدولة"، لم يستطع الحاخامات التقليديّون، ولا أصحاب ربطات العنق منهم، من ساسة ما تسمى "الليبرالية" وأجنحة "يسار ويمين"، أن يحيدوا، أو يلجموا أنفسهم عن التعبير عن مكنوناتهم التلمودية، التي لا ترى "الآخر"، العربي في هذه الحالة، سوى "مجرد بقايا"، وجب التخلص منها، وإن لم تستطع فلتُحَل حياتهم إلى جحيم لا يطاق.

الناظر للصورة من الخارج، مدفوعًا بنمطية ما ذكرناه آنفا، سيظن أن فلسطينيي 48، الواقعين تحت واقع استحالة، مستسلمون للواقع المفروض عليهم، ولا أحد ينكر مطلقا أنه بينهم، وحتى على المستوى السياسي، من تأقلم، شأنه شأن أي شعب مُستعمر تاريخيا بتماهي قلة مع "السيد"، وتقبل التحول إلى "ملحق".

ودون دخول في تفاصيل كثيرة عن جنون الصهيونية من أصحاب الأرض الأصليين، باشتداد مواجهة التهويد، الذي لم يطاول الجليل والنقب فحسب، ومحاصرة مدن وقرى عربية فلسطينية، بل الإنسان نفسه.

وبرأيي المتواضع، كانعكاس لحالة متراكمة لنضالات استمرت لسنوات، أرى أن تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي ببرنامج واضح وجريء في المواجهة والتحدي، سحب الكثير من ذرائع البعض للتماهي مع أحزاب وساسة المستعمرين. كما كشفت التراكمات النضالية عن الوجه الحقيقي لـزيف "دولة إسرائيل المتحضرة" كل المراوغات التاريخية، بما فيها تلك الوجوه الاستشراقية الاستعلائية، بيسارها الزائف ويمينها الواضح في عنصريته المتأصلة، دافعةً حتى بيهودٍ لاكتشاف تلك الأصالة القائمة على مذبحة تاريخية بحق شعب فلسطين صاحب الأرض الأصلي.

اليوم، شاءوا أو كذبوا على أنفسهم، فهذا الكيان مضطر للهرولة نحو الأبرتهايد، ولأسباب كثيرة، ومن بينها الديمغرافيا واتساع الوعي الوطني، وافتضاح، داخلي وخارجي، لأغلب المستور خلف أشجار الصبار وتسميات تهويدية، لإخفاء حقيقة أن للأرض أصحابها، وبينهم من اضطر تحت وقع المذابح والتهجير لأن يصير لاجئا خارج بلده أو عليها، ويمنع في دولة "القانون والعلمانية" من أن يعود على بعد كيلومترات عن قراه.

فنشوء دولة الأبرتهايد، مع كل الصلف الصهيوني في تهويد وضم بقية الأراضي المحتلة في الضفة، هو التدرج الطبيعي والحتمي لبدايات قامت بالأصل على نفي وجود شعب آخر.

وفي كل مرة تجري فيها انتخابات كنيست يعود السؤال عن المشاركة الفلسطينية.

أولا: الفلسطينيون على أرضهم التاريخية ليسوا جالية، ولا "سكان مناطق". وبالتالي، ما هو متاح أمامهم لا يجب أن يهمل. فأمام نضالات تاريخية تحترم، لشعب ظل معزولا عن أمّته وبقية شعبه حتى استكمال المستعمر احتلال بقية فلسطين في 1967، يبقى التصويت العربي الكثيف لأعضاء عرب أفضل ردٍ على سعار عنصرية أمثال بنيامين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان، وجمهور الاستعلاء التوراتي التلمودي، المبدي ندمه أن عصاباته الأولى لم تستكمل المذبحة.

ثانيا: التصويت والفوز بمقاعد، بعيدًا عن تنميط الصورة التي يقودها متصهينون عرب، ليس ترفا ولا قمة ما يمكن عمله في مسار نضالي طويل لتحطيم أسس دولة الأبرتهايد، فذلك واجب وحق أصيل لكل حركات نضال وقع فيها شعبها الأصلي تحت ذات الظروف؛ فالحاجة اليوم إلى الالتفاف حول مشروع جامع ضرورة وواجب في ظل استعار التطرف الصهيوني.

خلال الفترة الأخيرة، قرأت ما ذهب إليه عوض عبد الفتاح، في 6 أيلول/ سبتمبر الحالي على موقع "عرب 48" عن "القائمة المشتركة وخطابها الاختزالي"، وهو أن اختزال آليات النضال لجلب أكبر عدد ممكن من المقاعد "في كنيست الأبرتهايد الصهيوني، بدل الانغماس المنهجي في عملية منهجية إستراتيجية لابتكار آليات تأثير في الواقع السياسي من ميدان النضال الشعبي، خطاب مسخ، لم تنحدر إليه أي مجموعة أصلانية أو أقلية وطن، على حد علمي".

إذا، عند صاحب تجربة، مثل عوض عبد الفتاح، ورفاقه في التجمع وغيرهم، الأمر أبعد من مجرد تحصيل مقاعد. ولعل أهمّ ما يطرحه عبد الفتاح، بعد تشخيص مهام الحركة الوطنية المتراجعة، وبالأخص في استعادة تنظيم الجماهير الفلسطينية داخل الخط الأخضر، أن الدور المنوط عمليا بمن يُنتخب هو العمل في الحركة الوطنية وفي صفوف شعبه وفي فضح حقيقي لدولة الأبرتهايد حول العالم.

في بداية الألفية الحالية، وتلك شهادة يعرفها أبناء جاليات فلسطينية في شتات أوروبي وغربي عموما، لعبت شخصيات وطنية من "التجمع" دورا رئيسا في رفع منسوب وعي الجاليات الفلسطينية والعربية بنضالات شعبها داخل فلسطين التاريخية، وراحت تنسج علاقات مع برلمانيين وساسة أوروبيين، وحركات ونقابات، أنصتت وبتمعن. فتلك التراكمية، إلى جانب ما وجب أن تلتقي عليه الحركة الوطنية بين جماهير شعبها، أمر ليس ترفا سياسيا أو مكملا نضاليا، بل هو أصيل لكشف وتعرية هذه الدولة الاستعمارية والمتحولة، حتى في خطابات بعض صحافيي وساسة مبدئيين في الغرب إلى ما يذكر بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؛ وهو ما طرحه بامتياز عبد الفتاح عن الدور كرأس حربة في حركية المقاطعة الدولية مع وضوح مسار الأبرتهايد.

في نفس الإطار، فإنه، ورغم كل حواجز الجغرافيا العربية أمام شعب الداخل، بكثير من النفاق والازدواجية التي تستقبل صهاينة تنخر في رؤوسهم أمنيات التخلص من الأغيار جميعا، كـ"ضيوف"، وتغض الطرف عن "سائحي الأفحام" الصهاينة، من أبو ظبي حتى المغرب وتونس، يبقى للفعل النضالي لأعضاء عرب في الكنيست، أو عموم مناضلي الحركة الوطنية في الداخل، دور في نسج علاقات مع مجتمعات عربية ضخمة في الغرب، وبعضها مؤثر، بدل تركه للرواية الصهيونية المحلية، وللوبيات التي وصل بها الحد، وحتى بمشاركة شخصيات من الداخل (بوهم أن السلام تحقق قبل عقد ونصف)، حد إقامة ما يسمى "معسكرات شبابية" للسفر إلى داخل الخط الأخضر.

ختامًا، فالركون إلى الإحباط واليأس، واعتبار التصويت بلا طائل وغير مفيد هو بالضبط ما تبحث عنه مؤسسة حكم دولة الأبرتهايد الصهيوني، أو على الأقل استخدام بدائلها لمحاولة تجميل الصورة، بجذب أصوات عربية، بوعود انتخابية لا علاقة لها بواقع وحقوق القومية الفلسطينية على أرضها التاريخية.

فاللقطة التي تبحث عنها الحركة الصهيونية، في هستيريا الخوف من فعالية ونشاطية مجتمع فلسطينيي الداخل هي لقطة "الخمول والاستسلام" العربيين.

عن "عرب ٤٨"