جريمة قتل إسراء ... قضية رأي عام لم تنتهِ بعد

بقلم: د. دلال عريقات

الجامعة العربية الأمريكية

جريمة قتل، تأكدت أركانها وعناصرها كما جاء على لسان النائب العام، الذي أكد في مؤتمر صحفي عدم صحة إدعاء سقوط إسراء وأن سبب الوفاة هو عنف أسري أدى إلى دخولها المستشفى في المرحلة الأولى ثم تعرضها لعنف جسدي وأعمال شعوذة وأوهام، مما أدى لتدهور وضعها الصحي والنفسي. حيث أكد التقرير الطبي أن سبب الوفاة هو قصور حاد في الجهاز التنفسي نتيجة مضاعفات الإصابات المتعددة التي تعرضت لها المغدورة بما يشكل أركان وعناصر جريمة قتل.

الآن وبعد أن خرجت نتائج التحقيق وتم إحالة المُتهمين الثلاث للقضاء حسب المادة ٣٣٠ رقم ١٦ للعام ١٩٦٠، دعوني أتوقف هنا وأتناول تحليل هذه القضية التي أثارت الرأي العام من عدة جوانب:

أولاً: تعامل النيابة العامة مع القضية كان إيجابياً ومهنياً وأعاد ثقة المواطن بالجهات الرسمية النيابية والقضائية إلى حدٍ ما، حيث حافظت النيابة على سرية الإجراءات وأصدرت عدة بيانات صحفية رسمية متلاحقة للتأكيد للجمهور أن التحقيقات مستمرة وتعاونت مع المؤسسات المدنية والإعلامية.

ثانياً: كان لثورة الرأي العام والمظاهرات والمطالبات دور جوهري ومركزي في الضغط على الجهات الرسمية لأخذ القضية بجدية وعدم التهاون، وهذا يعكس وعي لدى الشعب الفلسطيني بالحقوق وبأهمية استخدام الوسائل المتعددة للتأثير في السياسات العامة وإحداث التغيير الذي يتناسب مع طموحاتنا بدولة مستقلة وسيادة القانون. بهذا الخصوص لا ننكر أن منصات التواصل الاجتماعي عملت على خلق حالة توتر وتشكيك بمصداقية التحقيق ومهنية النيابة. هنا لا بد من الإشادة بمساحة التعبير الحر في الشارع الفلسطيني.

ثالثاً: القضية تُلزم الجهات الرسمية بضرورة فرض سيادة القانون واحترام التزامات فلسطين المتعلقة بحقوق الانسان وخاصة بالمرأة وحماية الأسرة آخذين بعين الاعتبار انضمام فلسطين لاتفاقيات حقوق الانسان الدولية وأهمها سيداو. نحن بحاجة لمراجعة جدية للقوانين المحلية ابتداءً بقانون حماية الأسرة، لقانون العقوبات ولقوانين حقوق الانسان. للأسف في ظل غياب المجلس التشريعي، الوضع القانوني في فلسطين في حالة تردٍ مستمر وقد حان الوقت لأخذ الأمور على محمل الجد.

رابعاً: تفاصيل القضية من شعوذة وجن وأوهام تستدعي أخذ تدابير صارمة ضد كل أشكال الشعوذة والمعالجة النفسية بالطرق الرجعية المتخلفة. كما أن التدابير التي تم اتباعها في المستشفى تستدعي وزارة الصحة لمراجعة كاملة لاجراءات المستشفيات في هكذا حالات وضرورة التأكيد على دور الطبيب والمستشفى في كشف حالات التعنيف المختلفة وتقديمها للشرطة ومنع التستر عليها بغض النظر عن أصحابها او تفاصيلها. كما يلزمنا مراجعة لنظام الطب الشرعي وآليات تشكيل اللجان للتحقيق في مثل هذه الحالات فمن غير المنطقي أن يخرج نتيجة تشريح من قبل طبيب واحد، من البديهي أن تتشكل لجنة ذات صفة قانونية للقيام بهذا الإجراء، كما أنه حان الوقت لفلسطين بأن تمتلك كافة أشكال التحاليل والأجهزة اللازمة للفحوصات بدلاً من الاعتماد على نقل العينات الى الأردن.

خامساً: مطلوب منا جميعاً أن ندرك بعد هذه التجربة أن النيابة العامة هي الضامنة للحق العام وملاحقة الجرائم ومرتكبيها لتقديمهم لمحاكمة عادلة. وهنا لنتذكر ضرورة قيامنا جميعاً بالتوجه للجهات الرسمية والشكوى في حال تعرضنا أو شهدنا أي إعتداء. المجتمع الفلسطيني ما زال يلجأ للقضاء العشائري في مثل هذه الحالات، حان وقت التوجه للمحاكم وتعزيز دور السلطة القضائية.

أردت من مقال الْيَوْم بداية الإشادة بالنيابة العامة ومهنيتها، والتأكيد على ضرورة احترام القانون والقضاء وتعزيز الثقة به ومناشدة المواطنين بالتروي دائماً بدلاً من التسرع والتوجه مباشرة لمنصات التواصل الاجتماعي الذي يؤدي دون قصد للتحريض وإثارة الفتن والتضليل.

أما بما يخص رأي النيابة العامة بعد التحقيق بأن تُحيل المُتهمين للمحاكمة حسب المادة ٣٣٠، أي القتل غير المقصود المادة ٣٣٠، رقم ١٦ للعام ١٩٦٠ المعدل عام ٢٠١١ "من ضرب أو جرح بأداة ليس من شأنها أن تفضي إلى الموت أو إعطاء مواد ضارة ولَم يقصد من ذلك قتلاً قط ولكن المُعتدى عليه توفي متأثراً مما وقع عليه عوقب الفاعل بالأشغال الشاقة مدة لا تنقص عّن ٥ سنوات."

نرى أن العقاب على أساس هذه المادة غير مُرضٍ أبداً، وحتى نفهم المزيد، يتوجب علي هنا التطرق لمواد قانونية أخرى من قانون العقوبات نرى أن لها صلة بالقضية كما يلي:

- القتل القصد

المادة ٣٢٦ رقم ١٦ للعام ١٩٦٠ المُعدل عام ٢٠١١، المتعلقة بالقتل القصد: "من قتل إنساناً قصداً، عوقب بالأشغال الشاقة ١٥ سنة"

- الظروف المستردة للقتل القصد

المادة ٣٢٧ رقم ١٦ لعام ١٩٦٠ المعدل عام ٢٠١١. يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة على القتل قصداً إذا ارتكب:

1- تمهيداً لجنحة أو تسهيلاً أو تنفيذاً لها أو تسهيلاً لفرار المحرضين على تلك الجنحة أو فاعلها أو المتدخلين فيها، أو للحيلولة بينهم وبين العقاب.

2- على موظف في أثناء ممارسته وظيفته أو من أجل ما أجراه بحكم الوظيفة.

3- على أكثر من شخص.

4- مع تعذيب المقتول بشراسة قبل قتله.

- الاعدام

المادة ٣٢٨ رقم ١٦ لعام ١٩٦٠ المعدل عام ٢٠١١ يعاقب بالإعدام على القتل قصداً:

1- إذا ارتكب مع سبق الإصرار، ويقال له (القتل المعمد).

2- إذا ارتكب تمهيداً لجناية أو تسهيلاً أو تنفيذاً لها، أو تسهيلاً لفرار المحرضين على تلك الجناية أو فاعلها أو المتدخلين فيها، أو للحيلولة بينهم وبين العقاب.

3- إذا ارتكبه المجرم على أحد أصوله.

- مع سبق الإصرار

المادة ٣٢٩ رقم ١٦ للعام ١٩٦٠ المعدل عام ٢٠١١، المتعلقة بتعريف الإصرار السابق: "الإصرار السابق هو القصد المصمم عليه قبل الفعل لارتكاب جُنحة أو جناية يكون غرض المصر فيها إيذاء شخص معين أو أي شخص غير معين وجده أو صادفه ولو كان ذلك القصد معلقاً على حدوث أمر أو موقوفاً على شرط"

نهاية، نحترم رأي النيابة العامة ولكن لا نرضى ولا نفهم لماذا استندت لتهمة "القتل غير المقصود" بدلاً من تهمة القتل مع سبق الإصرار مثلاً حيث أن الجميع يعلم أن إسراء تم قتلها على مراحل وهنا نتسائل كيف قررت النيابة العامة الاستناد على هذه المادة؟ هل نية المُجرمين هي التي حددت؟ هل الآلة المستخدمة هي التي حددت؟ هل العرف والتقاليد هي التي حددت؟

أم أن "جنس" الضحية هو الذي حدد؟

ونتمنى من المحكمة أن تنظر بالمواد القانونية حسب الأصول ودون أحكام مخففة.