تسوية الأراضي ...الوقف الصحيح ووقف التخصيصات

الأحد... وكل يوم أحد

تسوية الأراضي ...الوقف الصحيح ووقف التخصيصات

وشبهة الإعتداء على الملكية الخاصة

بقلم:المحامي زياد أبو زياد

الذي دفعني الى كتابة هذا المقال هو مقابلة إذاعية أجرتها إحدى المحطات الإذاعية المحلية مع القاضي موسى شكارنة رئيس هيئة تسجيل الأراضي بالضفة الغربية وبمشاركة عدد من المواطنين في جنوب الضفة من بينهم الأخ خالد العدم عضو مجلس بلدية بيت أولا، ودار النقاش حول موضوع الأملاك الوقفية.

وفي رأيي المتواضع هو أن هذا الموضوع لم يحظ بالبحث والنقاش الكافي على مستوى الخبراء وكذلك على مستوى الرأي العام بالرغم من أهميته وكونه أحد الأمور التي تشغل بال الرأي العام وتتسبب له بالقلق وخاصة في أجواء أعمال تسوية الأراضي.

وبداية أقول بأن القرار بإجراء أعمال التسوية في الضفة الغربية وتشكيل سلطة أو هيئة للقيام بذلك برئاسة قاض معروف وإعطائه درجة وزير لأهمية الموقع والعبء الذي يحمله على كاهله ، هو من أهم القرارات التي اتخذتها السلطة الفلسطينية وشرعت في تنفيذها على أرض الواقع وجندت لها طواقم من الشباب الواعدة سواء المهندسين أو الحقوقيين ذكورا ً وإناثا.

فالأرض هي جوهر الصراع بيننا وبين الإسرائيليين وجميع الأراضي الخاصة التي استولت عليها إسرائيل في الضفة الغربية تم الاستيلاء عليها لعدم تمكن أصحابها من تقديم سندات ملكية "كواشين طابو" تثبت ملكيتهم ، بعد أن قامت السلطات العسكرية الإسرائيلية ومنذ الأيام الأولى للإحتلال بإصدار أوامر عسكرية لها صفة القانون قضت باعتبار أعمال التسوية التي قامت بها الحكومة الأردنية ابتداء من عام 1965 واستمرت حتى احتلال 1967 بأنها لاغية ، وإصدار أمر عسكري آخريعتبر سندات إخراج القيد من الضريبة بأنها لا تشكل دليل ملكية مما مهد الطريق أمام الإحتلال للإستيلاء على الأراضي الخاصة بحجة أنها أراض حكومية.

فالأرض تحتاج الى تسجيل وتثبيت ملكية على أسس قانونية مثبتة بالبينات والوثائق للحد من عمليات التزوير والاعتداء على أملاك الآخرين وتقليص حجم المشاكل والنزاعات التي تقع على خلفية إدعاءات الملكية والاعتداءات عليها. ولا شك بأننا بأمس الحاجة لذلك وعلينا جميعا ًأن ندعم عملية التسوية ونساعد على إنجاحها.

وهناك مشكلة برزت منذ عام 2007 ولكنها ظهرت بقوة على السطح بسبب أعمال التسوية الجارية حاليا ً وهذه المشكلة تتعلق بما يسمى وقف التخصيصات وهذا النوع من الوقف منتشر في مناطق ساشعة من الضفة الغربية وقد أسيء فهمه لأن البعض ، وخاصة في وزارة الأوقاف ، لا يميز بين الوقف الصحيح ووقف التخصيصات مع أنه هو الذي يجب أن يعرف ذلك.

ولإلقاء مزيد من الضوء على هذه المشكلة فإنني أقول بأن معظم الأراضي في الضفة الغربية مصنفة أراضي أميرية (ميري) ، وأراضي خاصة وهي الأراضي التي في المدن وفي جذر القرية بينما باقي الأراضي مصنفة وقف تخصيصات تحت مسميات مثل وقف خليل الرحمن ، وقف خاسكي سلطان ، وقف قبة الصخرة ، وقف النبي موسى وغيرها.

والفرق بين الوقف الصحيح ووقف التخصيصات هو أن ملكية الوقف الصحيح هي ملكية خالصة للأوقاف تتصرف بها تصرف المالك في ملكه. وأما وقف التخصيصات فهي ملك خاص للناس العاديين ولكن رصد ريعها أو الضرائب التي تستحق عليها لصالح الجهات التي خصصت لها. بمعنى أن ما يستحق عن وقف خليل الرحمن يجب أن يتم إنفاقه على الحرم الابراهيمي وكذلك ما هو لقبة الصخرة أو لتكية خاسكي سلطان وهكذا ، احتراما لإاردة الواقف وهو الحاكم حين قرر الحاكم آنذاك توفير نفقة للصرف على الأبواب التي خصصت لها تلك الوقفيات .

وقد حدثت إشكالية بين المجلس الإسلامي وسلطة الانتداب البريطاني حول من يجمع الضرائب عن الأراضي المصنفة وقف تخصيصات وتم الاتفاق عام 1932 بين المجلس الإسلامي الأعلى في القدس وبين سلطات الانتداب بأن تتولى سلطات الانتداب تحصيل ضريبة الملكية من أصحاب هذه الأراضي ودفع جزء منها الى دائرة الأوقاف بينما يذهب الباقي لخزينة الدولة.

وقد استمر هذا الأمر معمولا ً به طيلة أيام الانتداب البريطاني وكذلك أيام العهد الأردني حتى عام 1967 ومن ثم استمر العمل به أيام الحكم العسكري الإسرائيلي والإدارة المدنية الإسرائيلية ، ومن ثم خلال السنوات الخمس عشرة الأولى من عمر السلطة الوطنية الى أن تولى الأخ محمود الهباش وزارة الأوقاف ومنذ ذلك الحين وبعد الحصول على مصادقة الرئيس أبو مازن بدأوا يطالبون أي شخص يريد أن يسجل أرضا ً مصنفه تحت هذه المسميات أن يوقع عقد تحكير مع الأوقاف. أي أن الأوقاف تملك هذه الأرض وأن المالك مستأجر له حكر عليها. وقد واجه هذا الإجراء معارضة شديدة وأثار ضجة كبيرة في منظقة بيت لحم بشكل خاص لأنه يعني مثلا ً أن الكنائس والأديرة هي ملك للأوقاف الاسلامية ومحكرة للكنائس فصدر أمر عن الرئيس بتجميد الوضع في بيت لحم ولكنه استمر في المناطق الأخرى.

وفي رأيي أن استمرار العمل بهذا المنظق هو تغول واعتداء على حقوق الناس لأن المواطن أصبح يدفع ضريبة أملاك لوزارة المالية وحكر لوزارة الأوقاف ويشعر بالظلم والقلق نتيجة أن بيته أو أرضه التي ورثها عن آبائه وأجداده ليست له !.

إن المنطق السليم يقضي بالتمييز بين أملاك الوقف الصحيح التي هي ملك خاص لدائرة الأوقاف ووقف التخصيصات الذي هو ملك خاص للمواطن. وبالتالي فإنه يجب التراجع عن فكرة التحكير واعتبار كل المسميات المتعلقة بوقف التخصيصات هي تصنيف لنوع الأرض فقط وليس تمليك الأملاك الخاصة للأوقاف وتحكيرها للمواطنين أصحابها الشرعيين. والطريق الى ذلك ممكنة وسهلة وهي بالعودة الى تطبيق الاتفاقية التي تمت بين المجلس الإسلامي الأعلى عام 1932 وظلت سارية المفعول طيلة خمسة وسبعين عاما ً وخلال أربعة عهود من الحكم. فالإصرار على اعتبارها ملك للأوقاف محكرة للناس فيه افتراء واعتداء على حقوق الناس وإثارة للفتن والمشاكل التي نحن في غنى عنها.

إنني أتوجه لسيادة الرئيس محمود عباس بالإيعاز بالعودة الى الإتفاقية المذكورة لما فيها من تجنب للمشاكل والفتن وصون لحقوق الأفراد والجماعات على اختلاف المذاهب والأديان.

abuzayyadz@gmail.com