وقف الاتفاقات.. مرحلة اشتباكٍ رسميٍّ وشعبيٍّ لتغيير قواعد اللعبة

عوكل: خطوة الحكومة بوقف التحويلات الطبية نموذج للتحلل البطيء من قيد الاتفاقات

عبد الحميد: يجب الخروج من مسار أُوسلو إلى مسار وطني بديل

سلامة: التحلل من الاتفاقات سيضع السلطة أمام الكثير من المشكلات

حرب: تنفيذ القرارات يتوقف على ما ستفرزه صناديق الاقتراع الإسرائيلية

 


رام الله - "القدس" دوت كوم - خاصّ - بعد نحو شهرين على إعلان الرئيس محمود عباس في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو الماضي قرار وقف العمل بالاتفاقات المبرمة مع إسرائيل كردّ فعل على هدمها مباني فلسطينية في حي وادي الحمص بقرية صور باهر، جنوبيّ القدس، ما لبث الرئيس أن جدد تلويحه بإنهاء جميع الاتفاقات الموقّعة مع إسرائيل في حال أقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على حماقته بضمّ منطقة الأغوار والبحر الميت أو أي جزء من الأراضي الفلسطينية.

وبالرغم من أن الحكومة بدأت بخطواتٍ عمليةٍ على صعيد الانفكاك التدريجي عن الاحتلال لصالح تعزيز الانفتاح على العمق العربي، فإن الكثير من الصعوبات والتحديات تواجه السلطة في محاولتها الرد على الانتهاكات الإسرائيلية بوقف الاتفاقات، بحكم السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المعابر والموانئ، بما يُصعّب على السلطة الإسراع في خطوات الانفكاك قبل إيجاد البدائل للسلع المستوردة من إسرائيل.

في هذا التحقيق، تستمزج "القدس" دوت كوم آراء قيادات ونشطاء وكُتاب ومحللين ومختصين حول هذا القرار وآليات تنفيذه، والتبعات المترتبة على ذلك.

أبو يوسف: إعلان الرئيس أكسب القرار أهمية خاصة

بالرغم من تكرار القرار بوقف العمل بالاتفاقات، لكنّ القرار يكتسب أهميته الاستثنائية هذه المرة من كونه جاء على لسان الرئيس محمود عباس بنفسه، إذ يشدد واصل أبو يوسف، منسق القوى الوطنية والإسلامية، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ، في حديث لـ "القدس" دوت كوم، على أن قرار التخلص من الاتفاقات مع الاحتلال جرى التأكيد عليه عام 2015 في المجلس المركزي، وجرى التأكيد عليه لاحقاً، لكن كان واضحاً تماماً أن الاحتلال لا يلتزم بالاتفاقات إلا بحسب مصالحه.

ويؤكد أن أهمية القرار هذه المرة تكمن بأن الرئيس قد أعلنه بنفسه، فيما جرى تشكيل العديد من اللجان في سياق كيفية التخلص من الاتفاقات، منها اتفاقية باريس والتنسيق الأمني حتى اللقاءات السياسية والعديد من المواقف، حيث اجتمعت اللجنة المكلفة بمتابعة دراسة وبحث وقف العمل بالاتفاقات مع الاحتلال.

ويعتقد بوجود قضايا يمكن العمل بها بشكلٍ فوري، بشأن وقف العمل بالاتفاقات مع الاحتلال، كمقاطعة البضائع الإسرائيلية، فما دام هناك بديل يمكن مقاطعتها، لكن الأمر يحتاج إلى تشريعات حكومية وتدخّلٍ من جهات فصائلية وشعبية لتؤكد عدم دخول هذه البضائع إلى الأسواق ما دام لها بديل.

ويؤكد أبو يوسف أن أهمية وقف العمل بالاتفاقات تكمن بوقف التعامل معها كلها، لأن الاحتلال لا يلتزم بها، مشددًا على أن سرعة إنجاز قرار وقف العمل بالاتفاقات، وبأكمل وجه، أمر مهم، وهو يتطلب وضع سقف زمني لتنفيذه.

رباح: مقترحات للديمقراطية بشأن وقف العمل بالاتفاقات

وتتساءل العديد من الفصائل عن سبب تأخير تنفيذ قرار الرئيس محمود عباس، رغم مرور نحو شهرين على القرار، وتشكيل لجنة لدراسة آليات تنفيذه، بل إن الجبهة الديمقراطية تقدمت باقتراحاتٍ بشأن وقف العمل بالاتفاقات.

ويوضح عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين رمزي رباح، في حديث لـ "القدس" دوت كوم، أن الجبهة شاركت باجتماعات للجنة المكلفة بدراسة قرارات الوقف، وتقدمت بعدة مقترحات لتنفيذ آليات الوقف، لكن لا توجد إجابات لغاية الآن على تلك المقترحات التي تضمّنت أن يتم العمل بالوقف تدريجيًا.

ومن المقترحات التي قدمتها "الديمقراطية": تعليق الاعتراف بإسرائيل، مقاطعة البضائع الإسرئيلية، وقف التنسيق الأمني، علاوة على اتخاذ خطواتٍ لاحقة، منها الولاية القانونية على كل الأراضي الفلسطينية، ومنها الانضمام للمؤسسات الدولية، ومنها الحصول على عضوية اتفاقية حق الملكية الفكرية، والانضمام لمؤسسة الطيران الدولية، وغيرها من الخطوات التي تتعلق بالمجتمع الفلسطيني.

ويُشدّد رباح على أن الوضع ذاهب إلى مزيد من التعقيد في ظل الأطماع الإسرائيلية الاستيطانية والانحياز الأميركي لإسرائيل، ما يؤكد أن الاشتباك الميداني والسياسي الفلسطيني يحتاج إلى سياسة فلسطينية واضحة تقوم على التحلل من اتفاقيات أوسلو والتزاماتها المجحفة.

في حين يرى رباح أنه "لا داعي للقلق من أيّ ردة فعل إسرائيلية حينما ندرك أننا ذاهبون إلى مرحلة اشتباك، ستبني معادلة جديدة على الأرض وعلى المستوى الدولي، ودون ذلك ستبقى إسرائيل احتلالًا مُرتاحًا ينهب ويستثمر ويتحكم بالشعب الفلسطيني ولقمة خبزه دون أن يدفع ثمناً، وهذا لا يجوز أن يستمر".

ويضيف: البعض يراهن على إمكانية استئناف مفاوضات ثنائية، فالبعض يخشى على مصالحه لأن الاشتباك قد يطيح بأصحاب المصالح، لذا لا بد من إيجاد معادلة سياسية جديدة في الصراع مع الاحتلال للتخلص من الواقع الذي نعيشه، يقوم على ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني من خلال تصويب الأوضاع في منظمة التحرير، وإعادة بناء العلاقات داخل مؤسساتها، على أساس الشراكة والائتلاف الوطني وإنهاء التفرد بالقرار والتخلص من الانقسامات السياسية.

شحادة: المطلوب وضع حدّ للمماطلة والتسويف بتطبيق القرار

وبالرغم من أن قرار الرئيس قوبل بترحيب شامل، فإن القيادي في الجبهة الشعبية عمر شحادة يشدد، في حديث لـ "القدس" دوت كوم، على أن "التحدي الآن هو وضع حدٍّ للمماطلة والتسويف بتطبيق قرار وقف العمل بالاتفاقات، وأن استمرار التأجيل ينطوي على خطورة من أن تأتي لحظة يكون القرار فيها قد بات متأخرًا وفاقدًا لجدواه، من جهة، ومن جهةٍ أُخرى تكون فيها هوة الثقة الشعبية في القرارات والهيئات قد اتسعت إلى الحد الذي يصعب فيه تجسيرها، والشرعية قد تضررت وتصدعت إلى الحد الذي يصعب فيه ترميمها، خاصةً أن القرار كان اتُّخذ بالإجماع في المجلس المركزي الذي انعقد عام 2015، فإذا لم تكن كافية أربع سنوات لوضع آليات تطبيقه، فكم من الزمن سيمضي لوضعه موضع التنفيذ؟ وبالتالي ما نحتاجه اليوم هو التطبيق الفعلي والفوري للقرار.

ويرى شحادة أن طريق ومعيار المصداقية والجدية والمسؤولية في تنفيذ هذا القرار التاريخي هو الشروع الفوري في حوار وطني شامل لقادة القوى الوطنية والإسلامية برئاسة الرئيس محمود عباس، في سياق تنفيذ اتفاقات المصالحة، بما فيها اتفاق 2017.

ويتابع: "وفي الجوهر التوافق على حكومة وحدة وطنية انتقالية تشرف على انتخابات عامة حيث يمكن، وصولاً إلى عقد مجلس وطني توحيدي جديد، يُعيد الاعتبار لمنظمة التحرير، مرجعيةً وحيدةً للسلطة ووظائفها في إدارة الشؤون الحياتية، وقائداً وممثلاً شرعياً وحيداً لشعبنا على أنقاض اتفاق أُوسلو، بما يضع شعبنا ونضاله على أعتاب مرحلة جديدة تتسم بالمقاومة والشراكة والوحدة واستعادة التحالفات القومية والأُممية الداعمة لحقوق شعبنا الثابتة ونضاله المشروع، وهذا هو السبيل الوحيد والمضمون لإسقاط صفقة القرن التصفوية وقانون القومية الفاشي الصهيوني، وللظفر بحقوق شعبنا في دحر الاحتلال والاستيطان وتحرير الأسرى ونيل الحرية والاستقلال والعودة".

بكر: الخطوة بحاجة إلى تكامل الجهدَين الشعبي والرسمي

ويؤكد قرار العمل بوقف الاتفاقات مع الاحتلال أهمية تكامل الجهدين الشعبي والرسمي لتنفيذ تطبيق القرار، إذ يرى عضو المكتب السياسي لحزب الشعب عصام بكر أنه "يعكس توجهاً مهماً في تطبيق قرارات المجلسين المركزي والوطني لمنظمة التحرير للتحلل من كل تبعات الاتفاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع دولة الاحتلال على ضوء انسداد الأُفق السياسي".

ويشدد بكر على أن هذا القرار خطوة أساسية بحاجةٍ إلى تكامل الجهد شعبياً ورسمياً لإيصال رسالةٍ بأنّ الشعب الفلسطيني يعيش في دولة تحت الاحتلال، وضرورة عدم الرهان على إمكانية العودة إلى أيّ مفاوضات، والتوجه باستراتيجيةٍ وطنيةٍ جامعةٍ، بمشاركة كافة فصائل العمل الوطني، قوامها الذهاب باتجاه تصعيد أشكال الفعل الشعبي المقاوم لتصبح حالةً يومية، والتخلص من أعباء بروتوكول باريس الاقتصادي، ومخاطبة العالم بروحٍ جديدةٍ مُوحدة، أساسُها الحقوق الوطنية المشروعة، وإنهاء الاحتلال، وليس إنهاء تبعات الاتفاقات مع الاحتلال فقط.

ويرى بكر أن بالإمكان تطبيق قرار وقف الاتفاقات بشكلٍ كامل، ولكن تدريجياً، كسحب الاعتراف بدولة الاحتلال، كما أنه يجب تلقف هذه القرارات بالتفافٍ شعبيٍّ عارمٍ وموائمٍ بين الموقف السياسي والحراك الميداني، والعمل على ضرورة توحيد الجهود على مستوى منظمة التحرير وهيئاتها ومؤسساتها لتطبيق القرار على الأرض، وكذلك العمل على تعزيز صمود الأهالي في القدس، وفي المناطق التي يصنفها الاحتلال "ج"، ونحن ندعم التوجه الحكومي بإلغاء تصنيفات أُوسلو للمناطق.

عوكل: التخلص من جميع الاتفاقات دفعةً واحدةً له أثمان كبيرة

القرار الذي اتخذته القيادة هذه المرة، وبرغم أنه ليس جديدًا، وتم اتخاذه في المجلسين المركزي والوطني، لكن الجديد فيه أن الرئيس محمود عباس هو من أعلنه بنفسه، "والموضوع الآن جدي، كما يرى كتاب ومحللون، لكن يبقى السؤال إلى أي مدى يكون جديًا بعد 25 عامًا على أوسلو؟ خاصة أن الظروف اختلفت مع انحياز ترامب لإسرائيل".

ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل، لـ"القدس"دوت كوم، أن "القرار إن كان بإمكاننا تنفيذه، فهذا يعني أننا مؤهلون لوقف جميع الاتفاقات، وأننا جاهزون للاستقلال، فيما يجب التنبه إلى أن التخلص من جميع الاتفاقات دفعة واحدة سيكون له ثمنٌ كبير، والواضح أن الوضع الفلسطيني لا يقدم مؤشرات على أننا جاهزون للتعامل مع تنفيذ كامل لوقف العمل بالاتفاقات والانتقال إلى مربع تصادمي، وعلى الأرجح أن تكون هناك خطوات بطيئة ومتدرجة، كما فعلت الحكومة الفلسطينية حينما اتخذت خطوات وقف التحويلات إلى إسرائيل".

ويرى أنه "لا توجد اتفاقات يمكن وقفها بالكامل، وهي تتعلق بالمياه والطاقة والاقتصاد والأمن وكل جوانب التجارة، فليس من السهل وقفها بالكامل، فإسرائيل تسيطر على المعابر، وبإمكانها تعطيل التجارة الخارجية، وهناك تجمعات استيطانية والحواجز والاقتحامات لمناطق الضفة، وكل هذا التداخل الشديد يجعل توقيف الاتفاقات بالكامل أمراً صعباً".

ويتابع عوكل: ولا بد من التدرج والفحص الدقيق للأمور حتى لا يكون لأي قرار ارتداد سلبي على الفلسطينيين، وعلينا أن لا نزايد على بعضنا كفلسطينيين، ويكون خطابنا خطاب توريط بالصراع للسلطة واتهامها بالتواطؤ إذا لم توقف كل شيء، ورأينا تصرف إسرائيل في 2002، فعلينا أن نتفهم بعضنا البعض وندرس كيفية التعامل مع قرار وقف العمل بالاتفاقات.

ويؤكد عوكل أن أهم عامل يمكن أن يساعد في تنفيذ وتسريع هذه القرارات هو المصالحة واستعادة الوحدة، حتى لا يدفع الثمن فقط أهل الضفة الغربية، فالكل الفلسطيني مطلوب منه المشاركة.

عبد الحميد: ثلاث عقبات أمام بناء مسار وطني بديل عن أوسلو

ويؤكد الباحث والإعلامي مهند عبد الحميد أن رؤية إدارة ترامب وفريقه الذي صاغ صفقة القرن للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تعود بنا القهقرى إلى وعد بلفور الذي تبنى حقاً تاريخياً لليهود في فلسطين، وتجاهل حقوق وهوية السكان الأصليين (الشعب الفلسطيني)، ذلك الموقف الذي تعزز بقرار صك الانتداب الذي دعم إقامة "وطن قومي لليهود" وتجاهل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

ويشير إلى أنه "عندما فرض الشعب الفلسطيني حضوره بالنضال اضطرت سلطات الانتداب إلى تعديل مواقفها عبر الكتاب الأبيض، وصولاً إلى قرار التقسيم، لكن الحركة الصهيونية استمرت بالتجاهل طوال المراحل اللاحقة، وصولاً إلى صفقة القرن المتناغمة مع ذلك الموقف العدمي، هذا هو جذر الموقف الإسرائيلي الذي لا يزال ساري المفعول".

وبحسب عبد الحميد، فقد تمسكت إسرائيل بجوهر الموقف العدمي حتى وهي تبرم اتفاقاً مع منظمة التحرير بمسمى سلام، فقد طبقت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية رؤيتها لاتفاق أوسلو مع المنظمة، عبر تأهيل منظمة إرهابية مأزومة لحكم كتل بشرية من شعبها بمعزل عن حقوقه الوطنية وتقريرمصيره وتحرره، وقد جرى وضع السلطة داخل قبضةٍ مُحكمة السيطرة.

ويتابع: "عندما رفض الرئيس الراحل ياسر عرفات التلاعب والخداع من قبل الإسرائيليين، وتمسك بحقوق شعبه، أصبح غير ذي صلة، ويتكرر المشهد ذاته مع الرئيس محمود عباس، كما يجري التعامل مع حكم حماس في قطاع غزة عبر اتفاق التهدئة بالأُسلوب نفسه، أي مقايضة اعتراف إسرائيلي بحكم منظمة إرهابية بعد ترويضها، بمعزل عن حقوق الشعب، وجاءت صفقة القرن الأمريكية الإسرائيلية تتويجاً للعبة الإسرائيلية.

ويؤكد أن "الحل يأتي بالخروج من مسار أوسلو، وبناء مسار وطني بديل، لكن هذا الحل يصطدم بثلاث عقبات؛ أُولاها: موقف إدارة ترامب المتطابق مع الموقف الاستعماري الإسرائيلي العدمي، وثانيها: الموقف العربي الرسمي الذي "يتحالف" مع إسرائيل ضد "الخطر الإيراني" وينعكس بمستوى كارثي على القضية الفلسطينية، وثالثها: بنية المنظمة والسلطة والمعارضة الهشة التي لا تستطيع الانتقال إلى مسار بديل، إضافة إلى سعي حماس لتكرار أوسلو.

ويشدد عبد الحميد على الحاجة لإدخال تعديلات على البنية المؤسسية، وإعادة بناء تحالفات فلسطينية عربية ودولية، ولا بديل عن التمرد على اتفاق باريس الاقتصادي والتنسيق الأمني والاعتراف بإسرائيل، والخروج من حالة العجز التي عنوانها عدم تطبيق القرارات، لذا مطلوب وضع حد للإصغاء للنصائح العربية والدولية التي تطالب القيادة الفلسطينية انتظار الشق السياسي من صفقة ترامب وانتظار الانتخابات الإسرائيلية، هذا الانتظار الذي أضعف الموقف الفلسطيني، "ثم إنه ليس المطروح انقلاباً وفوضى، بل بناء مسار وطني تشارك فيه قطاعات واسعة من الشعب، وبناء ديمقراطية حقيقية تتجاوز الأمراض والاختلالات الناجمة عن اتفاقات أوسلو، ومسار يستعيد الثقة بقدرات الشعب القادرة على الصمود وإفشال صفقة ترامب ووعود نتنياهو، ولا شك في أن القوى الحية في إطار الحركة الوطنية وخارجها هي المطالبة بالمبادرة".

سلامة: التحلل من الاتفاقات يضع السلطة بإشكالاتٍ قانونيةٍ دوليةٍ لكيفية التعامل معها

وبعد مضي وقتٍ من الزمن على قرار وقف العمل بالاتفاقات الموقعة وحتى الآن، لم تُصدر إسرائيل ردات فعل قوية، وتسير الأُمور بالوتيرة السابقة نفسها، لكن يبدو أن تنفيذ القرار أمر غير هين، بحسب الكاتب والمحلل السياسي عبد الغني سلامة.

ويشير إلى أن القرار الفلسطيني جاء ردًا على الممارسات التعسفية الإسرائيلية، ومواصلة سياسات الضم والاستيطان، خاصةً بعد جريمة الاحتلال النوعية بهدم المباني في صور باهر، وهي مناطق مصنفة "أ".

ولفهم طبيعة القرار وأبعاده وتداعياته، يؤكد سلامة أنه "لا بد من التذكر بأن السلطة نفسها قامت بموجب اتفاق دولي ينظم علاقاتها مع إسرائيل، والتحلل من هذه الاتفاقيات دفعة واحدة يضعها في إشكالات قانونية دولية في كيفية تعامل الدول معها، فالقرار بحاجة لإعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، ومعالجة الجوانب المتعددة الناشئة عنها".

ويشير إلى أن القرار يمكن أن يُفهم جانبه السياسي بإعادة العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، علاقة قوة احتلال وشعب يناضل من أجل الاستقلال وإنهاء الاحتلال، وهذا طبيعي وضروري، لكن الجوانب الأُخرى معقدة، فمن السهولة القول بوقف بروتوكول باريس، ووقف التنسيق الأمني، وقطع العلاقات مع إسرائيل، لكن ثمة أسئلة صعبة وملحة تتعلق بحياة الفلسطيني وصموده وبقائه فوق أرضه، من سفر الفلسطيني وتوفير المواد الخام للقطاع الصناعي والماء والكهرباء والوقود وعمليات الاستيراد والتصدير، خاصةً أنّ الاحتلال يسيطر على مفاتيح القطاعات الأساسية.

ولتنفيذ هذه القرارات بجدية ومسؤولية، يؤكد سلامة أنه يتوجب البدء بمسارات متوازية بمقاطعة بضائع الاحتلال وخدماته، وتصعيد المقاومة الشعبية، والبدء بحملة دولية لتوفير حماية للشعب الفلسطيني، وإيجاد بدائل عن كل ما سينقص، وما سيتضرر، وهذه مسألة بأيدي الدول العربية والصديقة، لكن تجربتنا في هذا المجال مريرة ومحبطة.

حرب: يبدو أن القيادة في حالة انتظار لما تنجلى عنه الانتخابات الإسرائيلية

وتتطلب إمكانية وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع الاحتلال تغييراً جوهرياً لدى الفلسطينيين، فيؤكد الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن تنفيذ هذا القرار لن يتم دون الذهاب إلى استراتيجية وطنية جديدة تتبنى كفاحاً فلسطينياً وأدوات النضال الشعبي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، "أنا لا أعتقد أن السلطة أو الطبقة السياسية ذاهبتان إلى تنفيذ هذا القرار".

ويشير حرب إلى "أننا أمام موجةٍ جديدةٍ من عدم تنفيذ القرار، وعلى ما يبدو فإن القيادة في حالة انتظار لما تنجلي عنه الانتخابات الإسرائيلية والنظر في كيفية العودة للعلاقة ما بين السلطة والحكومة الإسرائيلية لما كانت عليها إلى سابق عهدها، "أي الأزمة المتعلقة بالاستيلاء على المقاصة في شهر شباط الماضي".

ويوضح وجود خيارات لدى الفلسطينيين فيما يتعلق بوقف الاتفاقات، سواء أكان جزئياً أم كاملاً، وهو أمر مرتبط بعوامل عدة، منها الإرادة الفلسطينية للتضحية بالامتيازات التي يحصل عليها البعض من اتفاق أوسلو والتزاماته، وباعتقادي فإن هناك ردود أفعال إسرائيلية، سواء طبق الوقف جزئياً أو كاملاً، ولكن المهم وجود إرادة لدينا للتضحية بقضايا ثانوية من أجل الأمر الجوهري، وهو إنهاء الاحتلال، وإسرائيل تمارس سلسلة من الممارسات ضد الفلسطينيين دون وجود وقف للاتفاقات، ومارست كل شيء، وربما إن أقدمت على ردود أفعال أُخرى ستكون ردودها متدرجة.

مقاطعة المنتجات الإسرائيلية خطوة أوليّة للرد على الاحتلال

بين الحين والآخر يتجدد الحديث عن ضرورة مقاطعة البضائع الإسرائيلية، وتعزيز المنتج الفلسطيني، ومنذ أعلن الرئيس محمود عباس قرار القيادة وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع الاحتلال، أعاد هذا القرار التأكيد على ضرورة مقاطعة البضائع الإسرائيلية.

صدقة: أكثر من 5 مليارات دولار قيمة المستورد من البضائع الإسرائيلية

ويلاحظ أن استيراد الفلسطينيين البضائع الإسرائيلية، وهو مسجل رسمياً، يبلغ بين 5-5,4 مليار دولار بالسنة تشمل كافة القطاعات، ويصدر الفلسطينيون إلى إسرائيل منتجات تقدر بنحو مليار دولار سنوياً، كما يوضح الإعلامي المختص بالشؤون الاقتصادية جعفر صدقة، في حديث لـ"القدس"دوت كوم.

مقاطعة المنتجات الإسرائيلية تبدو مستحيلة بشكل كلي، وفق صدقة، "بسبب عدم وجود منتجات محلية في السوق توازي تغطية احتياجات الفلسطينيين، والاستغناء عن المنتجات الإسرائيلية بشكلٍ أكبر مرتبط بالقدرة على إحلال ما يصعب إنتاجه بالواردات من دول عربية وغير عربية، ونحن نستطيع أن نقلص بشكلٍ أكبر استيراد المنتجات الإسرائيلية من خلال تعزيز المنتج المحلي، وتعزيز الفعل الشعبي والفصائلي، ويمكننا الاستغناء عن السلع غير الضرورية إلى حين إنتاجها محلياً.

وفي ظل الحديث عن مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، يشير صدقة إلى تجربة رسمية قبل سنوات حول تجريم الاتجار بمنتجات المستوطنات والتعامل فيها ومعاقبة المتجرين بها، وهو ما يعزز أهمية هذه التجربة حالياً، مع أهمية الجهد الموازي لتعزيز المنتجات الفلسطينية بتفعيل جودتها، خاصة "أننا نتحدث عن تفعيل مختبرات للفحص والمعايير والمواصفات، ونستطيع أن نناقش جودة منتجاتنا من أجل أن تحوز على ثقة المستهلك الفلسطيني".

ويشير صدقة إلى أن تطورات حصلت على منتجات فلسطينية، خاصة قطاع الألبان في السنوات الأخيرة، أدت إلى قفزة نوعية، حيث تبلغ حصة السوق المحلية من تلك الألبان نحو 70%.

موسى: ضرورة أن لا تخلق المقاطعة عجزًا في السلعة المستهلكة، وإحلال بديل عنها

وتحتاج عملية مقاطعة بضائع الاحتلال إلى دراسة واعية للسوق الفلسطينية وما تحتاجه، حيث يشدد أستاذ الاقتصاد في جامعة النّجاح نائل موسى على أنه عند القيام بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية يجب معرفة حجم الطلب والتغطية للمستهلك الفلسطيني، وضرورة أن لا تخلق المقاطعة عجزاً في السلعة المستهلكة، وضرورة إحلال منتج بدل للمنتج الإسرائيلي.

ويقول موسى: منذ أكثر من 50 سنة من الاحتلال أُلحقنا بالاقتصاد الإسرائيلي، وأصبحنا سوقاً للمنتجات الإسرائيلية ومزوداً للإسرائيليين بالأيدي العاملة، وأصبحنا غير قادرين على الانسلاخ بسهولة عن الاقتصاد الإسرائيلي، مؤكداً "ضرورة معرفة إن كنا نتحمل الانسلاخ عن هذا الاقتصاد أم لا، برغم أنّ حرمان إسرائيل من السوق الفلسطينية سيكبدها خسارة، أنا مع مقاطعة البضائع الإسرائيلية والانسلاخ عنها، لكن يجب أن يتم ذلك بطرق صحيحة من أجل الوصول إلى نتائج صحيحة".

ووفق موسى، فإن "أكثر من 67% من الناتج المحلي في السوق الفلسطينية هي مستوردات إما إسرائيلية أو عبر إسرائيل، والمطلوب أن لا نكون سوقاً استهلاكية وخادمةً للاقتصاد الإسرائيلي، وكلما تم التخلي عن المنتج الإسرائيلي ضمن حالةٍ مدروسة، وفتح السوق أمام المنتج الفلسطيني، يتم تحقيق أرباح أكثر لدورة الحياة الاقتصادية.

هنية: المستهلك واعٍ ويقيّم المنتجات ولا بد من الحفاظ على جودة المنتج

ويشير رئيس جمعية حماية المستهلك الفلسطيني صلاح هنية إلى أن المواطن الفلسطيني أصبح الآن واعياً بضرورة مقاطعة البضائع الإسرائيلية التي تعمقت في المجتمع الفلسطيني، خاصة بعد الحرب على قطاع غزة عام 2014، لكن المواطن الآن أصبح يقيّم المنتج الفلسطيني ويختار ما يريد، فالمستهلك الفلسطيني هو مستهلك واعٍ.

ويؤكد أن "جمعية حماية المستهلك دائماً تُطالب بالحفاظ على جودة المنتج الفلسطيني، ونحن ندرك أن تكلفة الإنتاج أعلى، والمستهلك أصبح يحترم المنتج الفلسطيني، لكن لا بد من الحفاظ على الجودة وهو ما يتطلب دوراً رقابياً، ولا بد من الدور الحكومي أيضاً في قضية منع استيراد منتجات لها بدائل فلسطينية.

الخواجا: تطوير قانون تجريم بضائع المستوطنات

يقول منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان وعضو سكرتاريا "بي. دي. اس" صلاح الخواجا، في حديث لـ"القدس"دوت كوم: "طالبنا بتطوير القانون الذي يتعلق بتجريم بضائع المستوطنات الصادر قبل نحو عشر سنوات، بحيث يشمل مقاطعة بضائع الاحتلال، وأن نبدأ بالبضائع التي لها بدائل"، مشيراً إلى أن المقاطعة بحاجة إلى خطة وطنية.

ويضيف: "بعد قرار القيادة وقف العمل بالاتفاقات بدأنا حملةً جماهيريةً تستهدف مقاطعة بضائع الاحتلال، ونحن مستمرون بجهودنا، وحالياً بدأنا العمل على إنشاء أنديةٍ في الجامعات والمدارس من أجل تعزيز الوعي بضرورة المقاطعة، يجب أن نراكم على انتصاراتنا في عملية المقاطعة لتصبح القضية يومية وجزءاً من ثقافةٍ وسياسةٍ يتبناها الجميع رسمياً وأهلياً وشعبياً".

ويؤكد الخواجا أن حملات المقاطعة تشتد، ونحن نريد أن ننقل حالة المقاطعة من حالة ردة فعل إلى حالة وعي دائم باعتبارها جزءاً من سلوك يومي، وهو أمر يحتاج إلى جهد جماعي يقع على عاتق ومسؤولية المجتمع المدني والأحزاب، إضافة إلى "أننا طرحنا أن لا تكون العطاءات الحكومية وعطاءات المجتمع المدني المتعلقة بالمواد الزراعية والصناعية من المنتجات الإسرائيلية".