واشنطن لا تستبعد استئناف المفاوضات مع طالبان والحركة تحذرها

كابول-"القدس"دوت كوم- (أ ف ب) -بعد ساعات على المفاجأة التي فجّرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعلانه إلغاء قمة وشيكة كانت مقررة سرّاً مع قادة حركة طالبان الأفغانية في كامب ديفيد ووقف "مفاوضات السلام" مع الحركة، لمحت واشنطن، اليوم الأحد، إلى أنّ باب المفاوضات لم يغلق نهائياً في حين هدّدها المتمرّدون بأنّها ستكون أكثر المتضرّرين من وقف المفاوضات.

وفي تغريدة على تويتر، مساء السبت، كشف ترامب أنّه كان من المفترض أن يلتقي "قادة طالبان الرئيسيين وبشكل منفصل رئيس أفغانستان "أشرف غني" بشكل سرّي الأحد في كامب ديفيد".

وكان هذا اللقاء غير المسبوق سيعقد قبل أيام من الذكرى الثامنة عشرة لاعتداءات 11 أيلول 2001 التي أدت إلى الغزو الأميركي لأفغانستان بهدف إسقاط نظام طالبان الذي كان يؤوي تنظيم القاعدة.

ويُعدّ مجرد طرح إمكان عقد مثل هذا اللقاء وجهاً لوجه تأكيداً لـ"دبلوماسية القمّة" التي ينتهجها ترامب.

وكتب الرئيس الأميركي على تويتر، "كانوا في طريقهم الى الولايات المتحدة هذا المساء" لكن "ألغيتُ الاجتماع على الفور وألغيت مفاوضات السلام".

وأوضح مبرّراً قراره أنّ طالبان، "اعترفوا للأسف باعتداء في كابول أسفر عن مقتل أحد جنودنا العظماء و11 شخصا آخر، سعياً منهم لتكثيف الضغط".

وأضاف "أي نوع من الناس يقتلون هذا العدد من الأشخاص من أجل تعزيز موقعهم التفاوضي؟ لم يحققوا ذلك، بل جعلوا الأمور أسوأ".

وختم "إن لم يكن باستطاعتهم قبول وقف إطلاق نار خلال مفاوضات السلام هذه البالغة الأهمية، وهم في المقابل قادرون على قتل 12 شخصا بريئا، فهم على الأرجح لا يملكون الوسائل للتفاوض على اتفاق مجد" متسائلا "على مدى كم من العقود يريدون الاستمرار في القتال؟"

وكان الاعتداء الذي وقع الخميس ثاني عملية تشهدها كابول في أيام ويتبناها المتمردون رغم "الاتفاق المبدئي" الذي أعلن المفاوض الأميركي زلماي خليل زاد التوصل إليه معهم خلال مفاوضات الدوحة.

وعرض خليل زاد هذا الاتفاق في مطلع الأسبوع على الرئيس غني في كابول.

وكانت المحادثات على وشك التوصل إلى اتفاق يسمح ببدء سحب القوات الأميركية البالغ عديدها 13 إلى 14 ألف عسكري تدريجيا من أفغانستان، لقاء تبرؤ طالبان من تنظيم القاعدة وتعهدهم بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية وعدم تحويل أفغانستان إلى ملاذ آمن للجهاديين، إضافة إلى دخولهم في مفاوضات سلام مباشرة مع سلطات كابول، وهو ما كان المتمردون يرفضونه حتى الآن.

لكنّ الرئيس الأفغاني المعترف به دوليًا انتقد علناً الاتفاق الذي توصل إليه الجانب الأميركي مع طالبان التي رفضت التفاوض مع حكومته.

وسارعت طالبان إلى التنديد بقرار ترامب، مراهنة على أنه سيعود عنه. وقالت في بيان على تويتر "ما زلنا نعتقد أن الجانب الأميركي سيتراجع عن هذا الموقف".

وأضافت محذّرة واشنطن أنّها في حال لم تتراجع عن قرارها وقف المفاوضات فإن "أميركا ستعاني أكثر من أي طرف آخر، وستتضرر مصداقيتها وستزيد خسائرها البشرية والمالية".

وبالفعل فقد أكّد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أنّ بلاده لا تستبعد استئناف المفاوضات مع حركة طالبان بشرط أن "تغيّر طالبان سلوكها" وتحترم تعهداتها.

كما أكّد ان الرئيس الاميركي "لم يقرّر بعد" ما اذا كان سيمضي قدما في قراره سحب آلاف من الجنود الاميركيين من أفغانستان كما نص عليه مشروع اتفاق تم التفاوض بشانه مع طالبان.

وردا على سؤال لشبكة "ايه بي سي" الأحد عن مصير المفاوضات بعد اعلان ترامب، قال بومبيو إنّ خليل زاد "سيعود إلى دياره حاليا".

واضاف "آمل أن تغير طالبان سلوكها وتلتزم من جديد الأمور التي تحدثنا عنها"، مشيرا إلى أنه "في نهاية المطاف هذا سيحل عبر سلسلة من المحادثات"، داعيا بالحاح الى تنظيم اجتماع مباشر بين الحكومة الافغانية وطالبان الامر الذي ترفضه الحركة حتى الآن.

وتابع "نحتاج الى التزام جدي" من طالبان لاستئناف المباحثات.

وقال من جهة أخرى لشبكة سي ان ان، "اذا لم يتصرف (متمردو) طالبان بشكل أفضل ولم يحترموا التعهدات التي قطعوها معنا لعدة أسابيع، بل أشهر، فان الرئيس الاميركي لن يخفض الضغط. لن نقلص دعمنا لقوات الامن الافغانية".

وفي كابول رحبت الحكومة الأفغانية بقرار ترامب.

وقال الرئيس الأفغاني في بيان، إنّ "الحكومة الأفغانية، في ما يتعلق بالسلام، تقدّر جهود حلفائها الصادقة وهي ملتزمة العمل مع الولايات المتحدة وغيرها من الحلفاء لتحقيق سلام دائم".

وأضاف "لطالما شدّدنا على أن السلام الحقيقي لا يمكن تحقيقه إلا إذا توقفت طالبان عن قتل الأفغان ووافقت على وقف إطلاق النار وعقد محادثات مباشرة مع الحكومة الأفغانية".

وكان ترامب الذي وعد بـ"وضع حد للحروب التي لا تنتهي"، أعطى الضوء الأخضر قبل عام لعقد هذه المفاوضات المباشرة غير المسبوقة مع طالبان.

وكان بومبيو أعرب عن أمله في التوصل إلى تفاهم قبل الأول من أيلول حتى تبدأ المحادثات بين الأطراف الأفغانية قبل موعد الانتخابات الرئاسية في أفغانستان في 28 أيلول.

وأعلن ترامب بشكل واضح أنه يريد سحب الجنود قبل خوضه انتخابات 2020، معتبرا أن هذا النزاع كبد الولايات المتحدة كلفة طائلة بالأرواح والأموال.

وهذا ما أثار مخاوف لدى قسم من المراقبين ومن الطبقة السياسية الأميركية من أن يوقع الرئيس "اتفاقًا سيئا" سعيا منه لتسريع الأمور قبل خوض حملته الانتخابية، وذلك رغم الإجماع العام على ضرورة وضع حد للنزاع.

وفي شوارع كابول، عبر عدد من السكان عن ارتياحهم لهذا النبأ.

وقال مير ديل 52 عاما لوكالة فرانس برس، إن "إلغاء المحادثات نبأ جيد. يجب أن يجري حوار بين الأفغان يشارك فيه الناس ويطلعون عليه".

وأضاف "لو قبلت طالبان السلام لأعلنت وقفا لإطلاق النار ولكانت المباحثات حقّقت تقدما".

وعبّرت شابة عن أسفها لأن ترامب ركز على مقتل أميركي لوقف المفاوضات.

وقالت ياما سفداري 24 عاما، "لا يفكرون في ذلك عندما يقتل أفغان مدنيون وعسكريون كل يوم".

وعلى موقع فيسبوك، عبّر العديد من الأفغان عن ارتياحهم للقرار الأميركي. وكتب أحدهم ويدعى إقبال احمد نور "لمرة واحدة على الأقل ستندم طالبان ربما على هجماتها وعلى قتل أبرياء".

وكانت الحكومة الأفغانية عبرت مؤخرا عن "قلقها" من التوصل إلى اتفاق لا تكون طرفا فيه. وكان العديد من المسؤولين يخشون أن تتراجع حركة طالبان بعد إبرام اتفاق، في مسألة الحريات العامة وترفض أي تقاسم للسلطة.

وفي كابول، حمل مدير المعهد الأفغاني للدراسات الاستراتيجية داود مراديان المفاوض الأميركي زلماي خليل زاد مسؤول فشل العملية.

وقال لوكالة فرانس برس إن خليل زاد "لم يستبعد الحكومة الأفغانية فقط من المفاوضات بل أطرافا فاعلين مهمين أيضا لواشنطن وحلفاء مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والهند".

كما انتقده "لإعطائه الانطباع بأن الولايات المتحدة تريد الرحيل بسرعة سواء طبق الاتفاق أو لم يطبق".