ترامب ومصالح إسرائيل

بقلم:علي قباجه

لم يتورع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الاعتراف صراحة ودون مواربة دبلوماسية، بدعمه المطلق واللامحدود لإسرائيل، وتأكيده أنه فعل لها ما لم يفعله أي رئيس سابق، وذلك بعد ارتفاع بعض الأصوات التي وصمته ب«معاداة السامية»، نظراً لتهجمه على اليهود الذين يصوتون للحزب الديمقراطي ووصفه إياهم بعديمي الوفاء، ما يؤشر على أن دعم ترامب للاحتلال لا ينبع من إيديولوجية راسخة لديه، بل لعلمه ما لدى إسرائيل من تأثير في سير الانتخابات الرئاسية في بلاده، إذ إن كل ما قام به لا يعدو كونه لعبة مصالح، وبورصة يقامر فيها، في محاولة لاستمالة اليهود ورفع حظوظه، وحتى لو كان الرهان ضد شعب كامل يرزح تحت احتلال غاشم.

الرئيس الأمريكي تمسك بعقلية التاجر حتى بعد تسلمه رأس هرم أقوى دولة على الأرض، فهو يتعامل مع العالم وفق مصالحه الشخصية ومنظوره الخاص بالدرجة الأولى، غير آبه بمصالح الولايات المتحدة، التي أضر بها بفداحة على الصعد كافة، وجلب لأمريكا أعداء كثراً، واستعدى الأصدقاء، وخرج من العديد من الاتفاقيات الدولية، منها معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى مع روسيا، ليضع العالم على شفير توتر قد لا يمكن احتواؤه، واستحضر سباقاً في التسلح كان العالم المملوء بالاحتقان في غنى عنه. بينما تعامل مع كوريا الشمالية بشيء من الاتزان، وحاول مسايستها على خلاف ما ترغب به مؤسسات الحكم الأمريكية، ليخرج ببعض نتائج تمنحه قوة على خصومه في الداخل الأمريكي، الذين يرون أنه لم يحقق أي شيء إلا ضياع هيبة أمريكا.

ويتجلى ضياع الهيبة، عندما يصبح زعيم البيت الأبيض داعماً مطلقاً لإسرائيل، طالباً رضاها، وهو متوجس في نفسه خيفة من تخلي اللوبي اليهودي عن دعم ترشحه في الانتخابات المقبلة. وعلى الرغم من ارتهان الإدارات الأمريكية السابقة لسياسات الاحتلال، إلا أنها كانت تحافظ على هامش ضئيل تناور فيه لحل القضية الفلسطينية، ليأتي ترامب وينسف هذا الهامش لصالح نتنياهو، في حين أن إسرائيل لا تراه في الأخير إلا مجرد وسيلة لتحقيق مآربها، وفي حال خالف مخططاتها فإنها تقف له بالمرصاد، وهو ما يؤكده مسؤول إسرائيلي عندما يقول: إن نتنياهو مستعد للوقوف في وجه الرئيس الأمريكي، إذا كانت «صفقة القرن» تتضمن مطالب ترفضها الحكومة الإسرائيلية. والنتيجة أن المصلحة هي الجامع الوحيد بينهما، ولكن الفارق أن ترامب يعمل لنفسه فقط وليس لشعبه على عكس الاحتلال، الأمر الذي استجلب حنق أعضاء من الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، رافضين سياساته التي يرون أنها غير متزنة ولا تخدم مصالح الولايات المتحدة، وتزيد من حالة الانقسام في البلاد.

ولكن مهما فعل ترامب لصالح إسرائيل، فإنه لا يستطيع أن يلتف على الشرائع الدولية المجرّمة للاحتلال بكل أشكاله ووجوهه، والمطالبة بعودة الحقوق المشروعة إلى أصحابها. وقراراته المتماهية مع إسرائيل لا تشكل بأي حال من الأحوال غطاء، ولا تمنح شرعية لتهويد المقدسات والأرض، فهو لا يملك ليمنح، ولا يستطيع إجبار أصغر فلسطيني على القبول بصفقاته المنحازة. ولكن لا بد أن تقابل صراحته وجرأته بصراحة عربية مماثلة، ترفض ما يأتي منه جملة وتفصيلاً، وتوقفه عند حده، كي لا يواصل نهجه المتآمر على فلسطين، قضية العرب الأولى.

بالاتفاق مع "الخليج"