لعنة الحل الصهيوني

بقلم: محمد خالد الأزعر

بالتوازي مع صعود نجم القوى القومية اليمينية المتطرفة في الرحاب الأوروبية، تتوسع باضطراد مساحة المداخلات الصهيونية التي توحي بأن يهود العالم، الأوروبيين منهم بخاصة، يعانون تهديدات على خلفيتهم الدينية أو أصولهم العرقية.. ويتحمس مسؤولون إسرائيليون للإضاءة بقوة على هذه الظاهرة وتضخيمها، بهدف شحذ الإيحاء بتجدد ما يعرف لديهم بـ «اللاسامية».

تتصل هذه الهوجة خطياً بالرغبة الصهيونية المحمومة في تنشيط مفهوم هجرة اليهود إلى إسرائيل بحسبها «الملاذ الآمن من غوائل موجات الاضطهاد المحلقة فوق رؤوسهم باستمرار». هذا التفسير يبدو معقولاً أكثر عند ملاحظة أن الدوائر الصهيونية والإسرائيلية لا تكتفي بتعليق مشكلات اليهود بذمة وضعهم الديني العرقي، المتفرد بزعمها، وإنما تمضي في اللحظة ذاتها إلى اقتراح الحل الذي تفضل وتريد، وهو الهروب إلى «جنة الدولة اليهودية»!

عرض مشكلة اليهود في عوالم الآخرين وحلها على هذا النحو، يؤدي وظيفة تعبوية مزدوجة: فهو يستحث القطاعات اليهودية العالمية على التضامن مع إسرائيل ثم الهجرة إليها، ويشد القوى الدولية، ولاسيما الغربية منها، إلى فكرة اليهودي الضحية شاغلاً إياه عن فكرة إسرائيل الجلاد.

لا يمارس القوم هذا السيناريو بشكل حماسي أو انفعالي، وإنما يتحركون عن مخططات محكمة. وفي إطار هذا الفهم، لا ينبغي استبعاد دورهم في افتعال المشكلات من حول التجمعات اليهودية التي يراد بها المغادرة إلى إسرائيل. هناك سوابق تشهد بهذا الأسلوب عرفها يهود العالمين العربي والإسلامي من قبل.

بهذه المقاربة، تكاد الصهيونية أن تنفرد بطرح حلول انكماشية أو انعزالية للأزمات التي تتعرض لها المجتمعات التعددية. وهي بذلك تميز الجماعات الوطنية التي تدين بدين معين (اليهودية هنا)، وتعمل على سلخها من مواطنها الأصلية. المجتمع الأرجنتيني على سبيل المثال، يضم في تضاعيفه جماعات مختلفة الأصول والأعراق والديانات والأوعية الثقافية. وحين تعرض هذا المجتمع لبعض العوارض والأزمات قبل بضعة أعوام، انبرى الصهاينة لدعوة الأرجنتينيين اليهود إلى «العودة لأرض الميعاد». الصهاينة وحدهم فعلوا ذلك، رغم أن دولتهم ما زالت مشروعاً استعمارياً استيطانياً تدور الشكوك حول مصيره من الأصل.

بإلحاحهم على قضية هجرة اليهود إلى مستودعهم الاستيطاني، يتصور المسؤولون الصهاينة والإسرائيليون أنهم يقدمون حلاً مريحاً لإشكالية أوضاع اليهود العالمية القلقة. غير أنهم في حقيقة الأمر يسهرون على تعزيز مظاهر العنصرية في الأوطان والدول التي تضم يهوداً. اليهود في هذه الدول مواطنون بالأصالة ينالهم ما ينال مواطنيهم الآخرين من قضايا وهموم، ومن شأن التمييز الذي يعنيه موقف هؤلاء المسؤولين، تنمية الهواجس والشكوك تجاه ولاء القطاعات اليهودية. وكان بعض عقلاء اليهود قد انحازوا إلى هذا التقدير منذ أطلت الصهيونية السياسية في أواخر القرن التاسع عشر. ومنهم من نبذ هذه الإطلالة واستسخفها، وطرح استمرار عملية اندماج اليهود في أوطانهم.

الشاهد أن المحرضين على هذا الحل، لا يعبأون بالتداعيات الكارثية المتأتية عنه، سواء بالنسبة للمجتمعات التي تضم يهوداً بإثارة النزعات العنصرية داخلها، أو بالنسبة لليهود الذين يتعاطفون مع دعوة الهجرة عندما يتحولون إلى وقود لحروب إسرائيل التوسعية.

من المفهوم أن للعرب مصلحة يقينية في الإضاءة حول هذه التداعيات. غير أن ما تنبغي العناية به أيضاً، الأبعاد والمضامين الخطيرة التي تنطوي عليها قضية هجرة اليهود إلى المستوطن الصهيوني بالنسبة للأمن والاستقرار خارج دائرة الشرق الأوسط. لقد اعترفت الأوساط الاستخبارية الإسرائيلية أخيراً بأن المواجهة القائمة على أرض فلسطين، قد انتقلت بأصدائها إلى المجالين الأوروبي والأمريكي. ومما ذكر في ذلك أن «هذين المجالين يشهدان تصاعد البغضاء ضد العرب والمسلمين، بل وضد اليهود. علاوة على الكراهية والاحتكاكات المتبادلة بين هذه الشرائح الأخيرة».

تقديرنا أن هذه الأصداء السلبية مرشحة للتفاقم، وإذا ما تمكن الفلسطينيون وظهيرهم العربي من التعريف بها، فسوف يجدون أنصاراً لهم في الرحاب الغربية عموماً، يشاطرونهم في مقاومة الدعوة المسمومة التي تروجها الدوائر الصهيونية الإسرائيلية سراً وعلانية.

عن "البيان" الإماراتية