رؤية في الخلاص الوطني!!

الهزيع الأخير..

رؤية في الخلاص الوطني!!

بقلم:د. أحمد يوسف

بالرغم من قناعتنا بأن فشل المصالحة وغياب القدرة على إنهاء الانقسام يقف وراءه أشخاص، بل ربما قلة من المتنفذين وأصحاب المصالح هنا أو هناك، إلا أن ذلك لا يمنعنا من الاستمرار في طرح الأفكار وتقديم المبادرات، لعل وعسى!!

على مدار السنوات الاثنتي عشر الماضية، أتذكر أنني شاركت في الكثير من الجهود والمبادرات لوضع تصورات حلول لإنجاز المصالحة، وتقديم خارطة طريق لإنهاء الانقسام، وتمَّ بعد لقاءات واجتماعات في غزة والقاهرة وإسطنبول والرباط وأنقرة تقديم جملة من الأفكار التوافقية، والتي كانت كافية لو أُخذ بها لخرجنا من نفق الأزمة ومستنقع الانقسام، لكن مع الأسف كانت كل تلك اللقاءات تصطدم بحائط الصد الذي تمثله الجهات المتنفذة!! لقد أشرف على بعض تلك اللقاءات مركز مسارات، وشاركت فيها واجهات تنتسب إلى "الكل الفلسطيني"، بل توسد الكثير منهم اليوم مناصب قيادية متفرقة في السلطة الفلسطينية وفي حركة حماس، كما أن أحدهم أصبح رئيساً للحكومة، ومع ذلك لم تتقدم المصالحة خطوة إلى الأمام، بل ظل مشهد المراوحة في المكان هو ما عليه واقع الحال!!

ربما اكتشف البعض مبكراً أنه لا فائدة من كل هذه اللقاءات والاجتماعات؛ لأنه "لا رأي لمن لا يُطاع"، إلا أن الموقف والتوجه الذي كان عليه كل من شارك في مثل هذه الحوارات المكوكية أنه إذا توفرت الإرادة السياسية فإن سفينة المصالحة سوف تقلع، وأنه "إذا صدق العزم وضح السبيل"، حيث كانت القناعة لدى معظم المشاركين في جلسات الحوار أن الإرادة متوفرة لدى الطرفين، بدليل حرص الجميع على المشاركة في صياغة الأفكار وتصورات الحل.

عشرات من اللقاءات التي عقدتها الفصائل ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز الدراسات الفلسطينية، وأخرى مثلها جاءت بدعوات رسمية من دول عربية وأوروبية، ولكن – مع الأسف - كانت تنتهي جميعها بالإخفاق، وادعاءات كل طرف بأن الطرف الآخر هو وراء إفشال اللقاء والتهرب من الالتزامات!! وفي سياق المناكفات السياسية، التي دارت على الفضائيات معظم سجالاتها، كنا نعود إلى نقطة الصفر، ونبكي فقدان بوصلة الأمل!!

لا يمكنني الدفاع عن مواقف هذا الطرف أو ذاك، ولكن كل واحد لديه ما يدلل به على أن الآخر هو المعطل والغلطان، وأنه غير حريص على المصالحة، ويأتيك بالأدلة والوقائع والحجج والبراهين على صحة موقفه واتهاماته للآخر!!

رؤية في الخلاص الوطني: الواقعية والواقع

جرت العادة أن الطرفين (فتح وحماس) غالباً ما يتوافقان على رؤية وطنية بدعم وموافقة أطراف عربية ودولية، ولكن عند التطبيق تبدأ الخطوات في التعثر، فبدل أن نتقدم خطوة للأمام نتراجع خطوتين للوراء!! ونظراً لتكرار هذا المشهد المأساوي، وحماية لأي اتفاق تمَّ التوصل إليه في القاهرة، فإني أقترح أن تكون هناك نخبة وطنية يتم التوافق عليها بين فتح وحماس مع الكلِّ الفلسطيني لتكون هي من يقف شاهداً على تطبيق الاتفاق.

فلو أخذنا اتفاق القاهرة في أكتوبر 2017، والذي تمثل بنوده خطوطاً عريضة، مرجعيتها اتفاق القاهرة 2011، وقمنا بتفويض هذه النخبة من فصائل "الكل الفلسطيني"، بما في ذلك فتح وحماس، للأشراف على تنفيذ الاتفاق، بحيث تكون هذه اللجنة الوطنية مخولة بالقول الفصل في تفسيرات بنود الاتفاق، إذ جرت العادة - للأسف - أن الإشكالية كانت دائماً تبرز عند البدء بتطبيق الاتفاق على الأرض، إذ يشرع كل طرف في الالتزام بالتعهدات كما فهمها هو وليس ما عليه فَهمُ الطرفين!! وهذا يحتاج إلى جهد وساطة مطلعة ببواطن الأمور والخلافات القائمة، وقادرة على اقناع الطرفين بما يتوجب أن يكون عليه الأمر. لذلك، فإن لجنة وطنية تمثل الكل الفلسطيني - وخاصة من الفصائل الوازنة نضالياً - يمكنها أن تلعب هذا الدور التفسيري لنقاط الاشتباك والخلاف بين الطرفين؛ فتح وحماس.

إن الاتفاق على تحييد الرئيس وتحريره من وضعية "الخصم والحكم" يمكن ان تسهم في التوصل إلى حلٍّ توافقي، والتقليل من حجم التشكيك والاتهام، وجعله في مقام الأب الكبير للجميع، الذي يبارك كل ما يتفقون عليه من حلول.

صحيحٌ، أن الرئيس محمود عباس هو الذي بيده اليوم كل السلطات والصلاحيات، ولذلك فعندما تتعثر الأمور - بعد الرجوع إليه - تبدأ إثارة الشكوك والأقاويل.

إن جوهر الرؤية التي نطرحها هي في تحييد مكانة الرئيس، بحيث لا يبدو طرفاً في إشكالية الخلاف بين فتح وحماس، وأن يقتصر دوره على مباركة ما يتوصل إليه الطرفان عبر الجهود المصرية من حل، حيث تبدأ اللجنة الوطنية بالإشراف المباشر على متابعة تطبيقات الاتفاق.

قد تبدو مثل هذه الأفكار حالمة، ولكن ليس بأيدينا في ظل تعقيدات الأحوال وعثراتها إلا الأحلام، باعتبار أن الحلم هو جنين الواقع الذي نصبو إليه.

لا يختلف اثنان على أن الحالة الفلسطينية هي في أسوأ أوضاعها، ومع ذلك فإن الحالة الوطنية - برغم كل ذلك - هي في أحسن مواقفها من جهة الإجماع على رفض صفقة القرن، وتوافق "الكل الفلسطيني" على أنها لا تلبي الحد الأدنى من حقوقنا وثوابتنا الوطنية.

إن هذا الاجماع بين "الكل الفلسطيني" على رفض الصفقة والتصدي لها، هو ما يشكل دافعاً قوياً لوحدتنا، وامكانيات النجاح في ذلك، أما إذا استمر كل طرف فلسطيني في الاصطفاف بعيداً عن الآخر، فإن الصفقة ستمضي شئنا أم أبينا؛ لأن هناك حالة من الصمت الدولي ومن التواطؤ العربي تقف خلفها!!

إن المطلوب اليوم هو توحيد الجهود وتهدئة الساحات والتفرغ للعمل المشترك لإحباط الصفقة، واقناع العرب أنها ليست ما ينتظره الفلسطينيون في السياق الوطني العام.

إن على حركة حماس أن توفر الأجواء السياسية التي تُعجِّل بإنهاء الانقسام، وكذلك الإخوة في حركة فتح، فليس أي طرف معافى من تحمل أخطاء وتبعات كل ما يجري داخل البيت الفلسطيني.