الطفل جود يصل الى الأرض قريباً...!!

الخلق والابداع داخل سجون الاحتلال

الطفل جود يصل الى الأرض قريباً...!!

بقلم: عيسى قراقع

عضو المجلس التشريعي، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين سابقا

الحرب على الوعي

وثق الكثير من الباحثين ومن الأسرى المحررين الذين سجلوا تجاربهم خلال الأسر مراحل البدايات القاسية والصعبة التي تعرضوا لها على يد إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي خاصة سياسة القمع والتفريغ الثقافي والفكري وفرض حصار ثقافي على كل أدوات الثقافة من القلم والكتاب والصحف والتعليم وغيرها وما صاحب ذلك من قمع ومطاردة وملاحقة وعقوبات فردية وجماعية، وكل هذا جاء بهدف تدمير الإنسان الأسير وتفريغه ثقافيا وتدمير قناعاته وضرب البنى التنظيمية والاعتقالية وتحويل السجن إلى وسيلة للسيطرة والقتل الروحي والثقافي والنفسي وأداة لتدمير الهوية النضالية والثقافية والإنسانية للأسرى والمعتقلين، فكان السجن بالمفهوم الإسرائيلي بديلا لحبل المشنقة يستهدف رموز حركة التحرر الوطني المناضلين والفدائيين الذين قاتلوا دفاعا عن كرامة وحرية واستقلال فلسطين.

السجن بالمفهوم الاسرائيلي ليس فقط مصادرة حرية الانسان، ان فقدان الحرية ليس سوى الاحساس السطحي الاول، الانسان يظل يفقد اشياء كثيرة في السجن سرعان ما يستعيدها، ولكن تاثير السجن اكثر على روح الانسان وخلق حياة مختلفة عن حياة الناس، حياة لا اساس لها ولا غد ولا ذكريات، لهذا السجن ليس احتجازا فقط او تقليص العلاقة بالزمن وانما هو الاداة لهدم الانسان داخليا.

يصف الشاعر الاسير المحرر المتوكل طه السجن بقوله:

واخطر ما في السجون

انتقال ظلام الزمان الممل لعقل السجين..

ومع السجين انتظار ثقيل لاي انبلاج..

وكل سجين يقولب ساعاته لانتظار الخلاص..

ويرغب ان يلوك الجرائد بحثا عن الضوء.

أمام هذا الواقع القاسي واستهداف إنسانية الإنسان الأسير وشطبه والتعامل معه كأنه لا شيء أو رقم وشن حرب مبرمجة على الوعي الانساني والوطني للاسرى، دافع الأسرى عن أنفسهم وكرامتهم وحقوقهم وسطروا عبر سنوات الاعتقال معارك واشتباكات كثيرة مع إدارة السجون، وخاضوا إضرابات مفتوحة عن الطعام وعمليات احتجاج واسعة واستطاعوا بإراداتهم وصلابتهم ووحدتهم الجماعية الانتصار على سياسات القمع والبطش والعزل واجتراح انتصارات عديدة أبرزها بناء المؤسسة الاعتقالية وتشكيل الأطر التنظيمية واللجان الوطنية وإدخال الكتب والأدوات الثقافية لتتحول السجون إلى مدارس واكادميات تعليمية متنوعة وتنضح إبداعات وطاقات ومواهب أدبية وفكرية في صفوف المعتقلين الذي فرضوا إرادتهم على السجان وافشلوا مخططاته الوحشية وانتزعوا حقوقهم، لتشهد ساحات السجون نشاطات ثقافية واسعة بعد ان تحول زمن السجن الجامد والصامت والبارد إلى زمن متحرك متأجج تدب فيه الحياة الثقافية والإنسانية المشحونة بالأمل وبالإيمان بالحرية والمستقل، فقد اسقط الأسرى بتضحياتهم مفهوم السجن الإسرائيلي الذي أرادوه مقبرة للأحياء لتتاجج ثورة متجددة متنامية تعانق الحياة.

يقول الشاعر عبد الناصر صالح:

المجد للاسرى الذين قاوموا سجانهم

واعلنوا عصيانهم..

وحطموا السلاسل.

الإبداع والتميز الحقيقي للأسرى بدا ببناء الإنسان وصقل شخصيته ووعيه وتنمية مداركه الثقافية والفكرية، ليس غريبا ان يتخرج من السجون مفكرين وقادة سياسيين واكادميين وصحفيين وأدباء ومترجمين وفنانين، وان يأخذوا مكانا ودورا في قيادة مؤسسات المجتمع الفلسطيني سواء الرسمية أو الأهلية، فمدرسة السجن اعمق واكبر مدرسة رفدت المجتمع الفلسطيني بكوادر وكادرات وعقول مثقفة وواعية لعبت دورا طليعيا في قيادة المجتمع سياسيا وفكريا ونضاليا واجتماعيا.

شهدت السنوات الأخيرة ثورة ثقافية حقيقية في السجون وإبداعات خلاقة بدأت ترى النور من روايات وقصائد ودراسات فكرية ومسرحيات ورسائل أدبية وأعمال فنية وسير تجارب ذاتية وتوثيقيه لعبت دورا أساسيا في تسليط الضوء على واقع الأسرى وفي التأثير على الرأي العام الدولي وفضحت ما يحدث بالسجون من فظائع وانتهاكات لمبادئ حقوق الإنسان ولكل القوانين الدولية والإنسانية.

إبداعات الأسرى وانتصارهم على وسائل القمع وسياسة التجهيل الثقافي كسرت الحصار على الأسرى وكشفت ما يجري خلف القضبان وأسقطت كل الادعاءات والروايات الإسرائيلية التي حاولت ان تظهر الأسرى كأنهم ليسوا من البشر وبأنهم قتلة ومجرمين وإرهابيين وعدائيين وغيرها من الصفات العنصرية لتبرر سياسة القمع والانتهاكات والإجراءات الصارمة التعسفية التي تطبق بحقهم.

ان أهم إبداعات الأسرى التي هي وليدة إرادة وصمود وتعطش للحياة والحرية وتعبير عن قوة الانتماء والإيمان بالنصر تمثلت بما يلي:

1-النتاجات الأدبية والفكرية والثقافية والسياسية والفنية الصادرة عن المعتقلين.

2-التجارب والسير الذاتية التي وثقت مراحل الاعتقال وتطورها والواقع المعاش داخل السجون.

3-الحياة التعليمية والأكاديمية بالانتظام في الدراسة الجامعية والثانوية وتحدي قرارات الحكومة الإسرائيلية بمنع التعليم.

4-الأنشطة الثقافية داخل السجون من تعليم اللغات ومحو الأمية والندوات الثقافية والسياسية وإصدار المجلات.

5-الأعمال اليدوية والفنية والرسومات واللوحات المعبرة عن واقع السجن وآمال الأسرى ومشاعرهم ونظرتهم للحياة والمستقبل.

6-تهريب النطف النووية وإنجاب الأطفال وهو إبداع خلاق تفرد به الأسرى الفلسطينيون ويعتبر اكبر تحدي إنساني في العصر الحديث.

ثقافة مقاومة وهوية تحرر

إبداعات الأسرى المتنوعة تعتبر ثقافة مقاومة وهوية تحرر وطني وجزء مكون وأساسي من الهوية الثقافية النضالية للشعب الفلسطيني، فهي تعبر عن الاشتباك بين المقهورين والمعذبين مع المحتلين والسجانين، فكفاح التحرر هو ظاهرة ثقافية أما التهديد والإقصاء والإلغاء للموجود الفلسطيني وحقوقه المشروعة واستلاب إنسانيته، ان رفض المعاناة والظلم والقيود تجلت بشكل واضح هذه الإبداعات التي هي إبداعات التمرد وصوت الحرية.

إبداعات الأسرى أعلن عن وعي تاريخي يؤكد ان الانعتاق الفلسطيني من براثين الاحتلال هو نقلة تاريخية، وفي هذه الإبداعات مواجهة هوية تحررية مع هوية مغتصبة فرضت نفسها بالقوة المسلحة والاحتلال، فهوية الإبداعات الأسيرة هي هوية ثقافية سياسية ترتبط بالمشروع الوطني المنفتح على المستقبل.

ان إبداعات الأسرى دلت على وعي قومي وإنساني وهو انضج وأعلى أشكال الثقافة لأنه انطلق من واقع كفاحي يسعى للعدالة وحق تقرير المصير ومحاربة الظلم والاستعمار.

الاكتمال الإنساني

إبداعات الأسرى تدل ان السجان لم يستطع ان يتغلغل إلى داخل أرواح الأسرى ويعيش فيهم، لفظوا السجن من داخلهم واثبتوا ان قدرتهم ليست مشلولة عن الحق والتحليق في رحاب الحياة رغم الحشر والقيود والعزلة، قدرتهم ليست عاجزة عن تغيير الواقع، فالتحرر مثل عملية الولادة وان كانت ولادة مؤلمة ولكن الذي تمخض منها هو صوت إنسان في رواية وقصيدة وأغنية ولوحة تطل على الحياة.

إبداعات الأسرى حملت رسالة إلى العالم تقول نحن بشر ونستحق الحياة، لسنا إرهابيين ولا مجرمين، نحن رموز الحرية وحاملين مشاعلها والأكثر احتمالا إنسانيا من هؤلاء الذين يضطهدون شعبا آخر ويزجون الناس في معسكرات وزنازين تشبه القبور، لسنا أشباحا ولا أرقاما ولا أهدافا وأشياء يجب السيطرة عليها.

إبداعات الأسرى دلت أنهم ماضون في استعادة إنسانيتهم وان جوهر وعيهم ونضالهم هو الوجود مع العالم، خرجوا بوعيهم وفكرهم وأمالهم خارج السجون المغلقة المخنوقة إلى خارجه، وتنفسوا، أصبح لنضالاتهم وآلامهم معنى، وأصبح لذاكرتهم حياة حافلة وليس ذاكرة موت كذاكرة الإسرائيليين.

إبداعات الأسرى تغلبت على زمن السجن عندما حاول الإسرائيليون عزل الأسرى عن محيطهم الخارجي ليصبح ظلال بعيدة، فقد تغلب الأسرى على الفراغ الروحي وصدى الجدران، منها هم يرون السحاب والسماء والمطر والأولاد والأشجار، حنين إنساني أقوى من القيد.

إبداعات الأسرى أكدت ان الأسير يستطيع ان يحتفظ ببقية من الحرية الروحية ومن استقلال العقل حتى في تلك الظروف المريعة من الضغط النفسي والمادي، هي عظمة إنسانية عندما تصبح الحرية والحياة هي الهدف الأسمى، السجانون سيطروا على جسد ولكنهم لم يستطيعوا السيطرة على الحرية الداخلية في نفوس الأسرى.

الوحش الإسرائيلي

إبداعات الأسرى كشفت عن تلك الوحوش البرية التي وصفت بها إحدى المذيعات الإسرائيليات جنود الاحتلال عندما قاموا بتعذيب وحشي بحق معتقلين فلسطينيين، فإبداعات الأسرى وما يحمل من دلالات ورموز وروايات إنسانية تحولت الى مرآة وقف أمامها المجتمع الإسرائيلي ليرى نفسه غارقا في وحشيته وعنصريته وساديته.

إبداعات الأسرى سالت المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان ماذا يسمى العبث والتشويه بالجسد الإنساني الحي؟، وحين يكون الجسد اعزل ومسالم ومقيد وذلك الجلاد ينهال عليه ضربا وتجريحا وإذلالا داخل زنزانته، انه هذا الجلاد ليس إنسانا وال شبيه بالإنسان، انه وحض وهذا الوحش يعبر عن سياسة الحكومة والمجتمع الإسرائيلي الغارق في العنصرية والفاشية والعنف المنظم، فالحيوانية لدى الجلاد تتحول إلى سلوك يومي وظاهرة يدفع شعبنا الفلسطيني ثمنها الكثير الكثير.

إبداعات الأسرى أشارت إلى مجرمي حرب يمارسون الجريمة المنظمة وسياسة تجريد الإنسان من إنسانيته، ان هذه الإبداعات شهادات دامغة تلاحق المجرمين في كل زمان ومكان.

ثورة ثقافية وتعليمية

وانبعاث من الرماد

إبداعات الأسرى اعتبرت ثورة ثقافية تحدت واقع السجن وقوانينه وتحرر من الأغلال والملاحقة، فالاحتفال بنتاج أدبي أو فكري لأسير ونشره يشبه الاحتفال بالأسير نفسه وكأنه تحرر وخرج من السجن، وقد دلت كل إبداعات الأسرى أنهم رفضوا سياسة العيش الميكانيكي والآلي داخل السجون وحولوه إلى حياة، اخرجوا السجن من ذاتهم وكما قال الشاعر الكبير ناظم حكمت "فان عيش السجن غير ان يعيش السجن فيك" وهذا ما عبر عنه عميد الأسرى وأقدمهم كريم يونس عندما قال عن نجاح الأسرى في تهريب النطف: "الأسرى تفوقوا وأبدعوا في صناعة وخلق وبعث الحياة من جديد وأنهم لا ينكسرون ولا ييأسون بل قادرون على ان يصنعوا من اليأس ظلا يستظلون به ويحمونه ويحمل أسمائهم ويمنعونه من السقوط في سهام اليأس والإحباط.

والمتابع للعملية التعليمية بالسجون وانتساب الأسرى للجامعات يجد انه تجري ثورة تعليمية بكل معنى الكلمة وان السجون تحولت إلى جامعات وان أرقام الأسرى الجامدة تحولت إلى أرقام على مقاعد الدراسة وشهادات يقول الأسير مروان البرغوثي الذي يقود العملية التعليمية في سجن هداريم( ان التعليم الجامعي بشكل أفضل أداة لإعادة بناء الحركة الأسيرة وتعزيز وحدتها وتمكين الأسرى من مواصلة حياتهم بعد الإفراج ليكونوا قادرين على الإسهام والعمل في المجتمع الفلسطيني، فالتعليم يخلق هوية جديدة جامعة للأسرى على حساب الهويات الأولية والولاءات الجغرافية والفئوية والشللية ويرتقي بهم إلى مكانة جديدة، حيث استبدل رقم الأسير برقم جامعي مما عزز الثقة بالنفس وحقق مشاعر الاعتزاز بالذات.

الشاعر متوكل طه قال:

ولكننا قد جعلنا السجون قلاعا..

تضج شموسا..

وسرجا نطرزه للعراء.

الطفل جود

لم يعد الطفل جود خيالا مفترضا ليكون ابنا حيا وواقعا بشريا ملموسا للاسير المناضل وليد دقة الذي يقضي 34 عاما داخل السجون، جود هو حلم وليد ان يكون له طفلا يحمل هذا الاسم بعد ان رفضت سلطات الاحتلال طلبه الشرعي والانساني بالخلوة مع زوجته المناضلة والصابرة سناء، وعندما علمت حكومة الاحتلال ان وليد دقة يعمل على خلق ابنه جود تارةً في حكايته سر الزيت وتارةً في مسرحية الزمن الموازي وانه يمتلك القدرة والنبوءة على خلق جود وبعثه للحياة، شددت اجراءاتها القمعية بحقه، وفرضت عليه العقوبات والعزل وملاحقة كل ما يكتبه داخل السجن، اغلقت سلطات الاحتلال دور العرض والقاعات ومنع مناقشة واشهار كتب وليد دقة لانه اصبح يهدد دولة الاحتلال باعلان يوم البعث والنشور والانتصار وتحويل العدم الى حياة.

الطفل القادم جود يكبر الان في احشاء امه بعد ان نجح وليد بتهريب النطف، سيصل الارض بعد عدة شهور، ستكتمل الرواية وتعم الفرحة والزفاف، سنسمع صوت جود وصوت وليد وصوت سناء في هذه الحرية الاعجازية الخارجة عن نطاق سيطرة منظومة القمع والابادة الاسرائيلية، انه جود، انها الحرية، انها احلام الاسرى واصواتهم وخلجات دمائهم الساخنة.

الطفل جود هو خروج الماء من الصخر، انبلاج النور من الظلام، ارادة الحرية العطشى للحياة الكريمة، هو الجيل القادم الذي نهض من الرماد ومن اللحم والعظم والدم ليصير خلقا جديدا، جيل جبلته التضحيات والمعاناة من نطفة الى سجن الى موت الى علقة الى انسان ثائر يعود ليرفع عاليا شعلة المقاومة ومواجهة الظلم والاستعمار وسياسة الحشر والقتل اليومي لاحلام وطموحات وحقوق شعبنا الفلسطيني، جود هو تحرير المستقبل كما يقول وليد دقة.