... حتى لا يهاجر شباب غزة!

بقلم: علاء الدين أبو زينة

رغبة الناس في الهجرة من العالم العربي نتيجة لليأس وانسداد الآفاق سيئة بما يكفي. لكن وصول الفلسطينيين في الأرض المحتلة إلى درجة من اليأس تدفعهم إلى الرغبة في مغادرة الوطن هو شأن بالغ الخطورة.

وقد لفت إلى ما يحدث في غزة بالتحديد تقرير نشرته مجلة “الإيكونوميست” مؤخراً، بعنوان: “هجرة في الاتجاه المعاكس: شباب غزة يغادرون بأعداد كبيرة”.

وذكر التقرير أن فتح معبر رفح بين غزة ومصر لمدة 198 يوما في العام الماضي أدى إلى “نزوح جماعي من غزة”. 
وقال التقرير إن 60.900 شخص غادروا القطاع إلى مصر في العام الماضي، و”يبدو أن 24.000 من المغادرين لم يعودوا”. ويسرد التقرير قصة ستة شبان جامعيين عاطلين عن العمل، غادروا القطاع إلى الإمارات عن طريق مصر بتأشيرة سياحية بأمل العثور على عمل - في إشارة إلى أن واقع البطالة والعوز الذي صنعه الحصار -وربما طبيعة الحكم المحلي- يدفعان الناس هناك إلى الخروج.


يلاحظ التقرير: “لطالما حملت الهجرة في طياتها وصمة عار لدى بعض الفلسطينيين، وهم شعب ناضل على مدى أجيال من أجل البقاء على أرضه”. لكنّ هذا التعميم ربما لا يميز بين فلسطينيين يغادرون بلا نية للعودة، وآخرين لطالما اغتربوا بقصد العمل، ودعموا بتحويلاتهم صمود عائلاتهم في الوطن. ولذلك تبقى فكرة مغادرة بعض الفلسطينيين، من حيث النية والمقاصد- قضية معقدة يصعب أن تخضع لأحكام عامة.
يذكر التقرير أن البطالة في قطاع غزة تطال نصف السكان، بل “ويُعتقد أن معدل البطالة بين الشباب في القطاع يبلغ 70 %”، حسب التقرير.

وحتى في حال العمل، لا تكفي الأجور الشحيحة لعيش حياة معقولة. وينقل التقرير عن شاب جامعي في إدارة الأعمال قوله: “ما أزال أعمل في نفس الشركة منذ ثماني سنوات وأتقاضى راتباً قدره 250 دولارا فقط شهرياً”، (حوالي 175 دينارا).


من الملفت أيضاً ما نقله التقرير عن استطلاع للرأي أجري في كانون الأول، والذي وجد أن 48 % من سكان غزة يرغبون في الهجرة، مقارنة بـ22 % في الضفة الغربية”. وتدلل هذه الأرقام على مدى صعوبة الأوضاع في غزة بشكل خاص. ومع أن الواقع الاقتصادي والسياسي في الضفة شاق في حد ذاته، فإن المشقة تبدو مضاعفة في غزة بسبب شدة الحصار وحروب الكيان.

بطبيعة الحال، تشكل هجرة الغزيين أو رغبتهم في المغادرة أخبارا رائعة للاحتلال. ويفضل الكيان نوع الهجرة النهائية وليس الخروج المؤقت لأجل العمل. وكشفت الأخبار مؤخراً عن جهود واعية مكثفة يبذلها الاحتلال لدفع الغزيين إلى المغادرة. وصرح مسؤولون في الكيان بأن “تهجير سكان غزة يُعد مصلحة إسرائيلية”.

ونقلت صحيفة “اسرائيل اليوم” عن مصدر في الكيان قوله أن “هيئة الأمن القومي” في الكيان “عملت في السنة الأخيرة على السماح لغزيين بالهجرة دون عودة من قطاع غزة”. وذكرت الصحيفة أن “سلطات الاحتلال أبدت استعداداً لتمويل عملية الهجرة (من غزة) إلى دولة ثالثة في حال العثور على دولة توافق على استيعابهم”.


من الواضح أن كيان الاحتلال يشن حربه على الفلسطينيين في غزة على جبهتين: العمليات العسكرية المركزة، والحصار بقصد التجويع. ويبدو أن حرب الإفقار الاقتصادي تُحدِث أثراً أسوأ من القصف.

ففي كل الأحوال، ينطوي الاشتباك العسكري على احتمالات استنفار المقاومة والعناد، في حين تدفع حالة التبطُّل والانتظار والركود إلى السأم واليأس. ولذلك، لا بد أن يؤدي تراجع المقاومة المباشرة ضد الاحتلال، مع فشل الحلول السياسية، إلى تعميق أزمة الفلسطينيين في الوطن المحتل ودفعهم إلى اتخاذ قرارات يائسة إشكالية.


من المهم جداً أن تنتبه السلطة الفلسطينية وحماس إلى أدوارهما في صناعة هذه الاتجاهات، والبحث عن سُبل لرفع معنويات الفلسطينيين وتخفيف يأسهم.

وأول ذلك هو الكف عن الخصام المخجل، والتشارك في مشروع وطني آمِل يحيي روح المقاومة التي تسببت في تآكلها في نفوس الفلسطينيين.

عن "الغد" الأردنية