إقتصاد خارج صندوق الجغرافيا

بقلم : م. خالــد يحيــى

مدير تطويرالأعمال – مجموعة أسترا الصناعية

إستشاري التخطيط الإستراتيجي

المتابع لأخبار الإقتصاد الفلسطيني ونشرات وزارة الإقتصاد الوطني في فلسطين حول تسجيل الشركات يلاحظ الإزدياد المضطرد والمتعاظم في الأعداد، حيث تُسجَّل عشرات الشركات الجديدة شهريا، وتكاد للحظة تشك أننا نمتلك واحدا من أعظم الإقتصادات المزدهرة حول العالم، بل وحدثني غير واحد أنهم واجهوا صعوبة بالغة في إختيار أسماء لشركاتهم الجديدة، فما أن يتقدموا بطلب إعتماد اسم حتى يكتشفوا أنه مسجل مسبقا وهكذا استعصى الأمر لتزاحم الأسماء المسجلة في اقتصاد الحصار ونصف الراتب.

ومما لاشك فيه أن في الأمر ومضة ايجابية لا بد من ذكرها، بالإشارة الى سهولة الإجراءات المتعلقة بتسجيل الشركات وتقنينها، وهذا جهد يُحسب، ويذكر فيشكر لوزارة الإقتصاد والجهات ذات العلاقة المعنية بهذه الإجراءات، فسهولة هذه الإجراءات وغيرها من المعاملات الحكومية و انكافها عن البيروقراطية والدواوينية هو عنصر ركيز في نمو اي اقتصاد او ازدهاره، وقد خطت فلسطين فعلا خطوات جادة في سبيل مأسسة اجراءات تسجيل الشركات وتبسيطها وفتح المجال للراغبين بممارسة الأعمال لبدء أعمالهم بيسر وسهولة.

غير أنه لا بد من الوقوف عند تجارب هذه الشركات والكيانات التجارية المتزايدة وقفة تمحيصية لفهم غاياتها وتتبع الياتها وما تؤول اليه نتائجها بعد خوض غمار تجاربها التجارية، فمن المحزن مثلا أن نرى شطب تسجيل حوالي ثلاثة الاف وخمسمائة شركة من سجلات وزارة الإقتصاد الوطني الفلسطيني خلال شهر تموز الماضي (7/2019)، مما يعني أن ثلاثة الاف وخمسمائة حلم قد انطفأ وتبدد، ولربما أن مصدر دخل هذا العدد من الأسر بات مهددا، بل وبالضرورة فقد فقدنا نفس العدد من قصص النجاح التي كان يمكن أن نكتبها ونرويها لتستلهمها الأجيال القادمة. فلماذا تنتهي الكثير من الشركات التجارية في فلسطين هذه النهاية البائسة ولماذا يخسر العشرات من التجار الفلسطينيين سنويا رؤوس اموالهم وزهرات أحلامهم وينتهي الأمر ببعضهم في أروقة المحاكم أو في متاهات البحث عمن يُحَصل لهم أموالهم وشيكاتهم.

المشكلة الكبرى لدينا في الإقتصاد الفلسطيني هي محدودية وسطحية الفهم لآليات السوق، وانحسار عمل التجار وتركيزه في الغالب الأعم على الإستيراد من الخارج، ويمكن ملاحظة هذا بوضوح من خلال مسح اسماء وغايات الشركات القائمة والجديدة، بل ويمكن ملاحظته بشكل أوضح في أسواقنا ومتاجرنا وبسطاتنا المنتشرة المتخمة بالبضائع العالمية بغثها وسمينها، بل وتكاد تشك أن لبن العصفور متوفر لدينا وبعدة أسماء تجارية مستوردة، وأنا هنا لا أنكر أن الإستيراد المقنن والمتقن اساسي ومطلوب لتوفير حاجيات الناس وتلبية رغباتهم الإستهلاكية، ولكن هل يمكن أن نصبح كلنا مستوردون! وهل هناك حاجة فعلا أن نوفر نفس السلعة من الف مصدر ومصدر! لماذا نقلد بعضنا البعض حتى ولو على سبيل الخسارة! ولماذا نتبرع بأموالنا الى المنتجين في الخارج تحت مسمى الإستيراد! لماذا نصر على خوض المعركة فرادى ونحن نعلم أن السلامة عادة ما تكون بالعمل بروح الجماعة!

وهنا قد يسأل سائل ما الحل اذن! خصوصا في ظل الظروف الإقتصادية الصعبة التي تعاني منها الأراضي الفلسطينية وصعوبة التحول الى الإنتاج والتصدير بوصفه الحل الأمثل والآلية الأشمل لنهوض السوق وتنمية الإقتصاد، ولا شك أن ثمة جهود حثيثة مشكورة تبذلها جهات عدة لتنمية الصادرات الفلسطينية ودعمها وهي تؤتي أكلها شيئا فشيئا، ولكن هل من حلول أخرى لإتباعها بغية الوصول الى نتائج أفضل خصوصا لأصحاب الإمكانيات الأقل الذين لا طاقة لهم على انشاء المصانع او ادارة الإنتاج.

من الحلول النموذجية لوضعنا الإقتصادي اخذين بعين الإعتبار محدودية سوقنا الإستهلاكية الداخلية، وتعقيدات الإحتلال للعمليات التجارية من و الى فلسطين، هي توسيع دائرة أعمالنا التجارية حول العالم، مستفيدين بذلك من انتشارنا الجغرافي الكبير حول العالم باعتبار أن أكثر من نصف الفلسطينيين خارج الوطن ومتوزعين حول جهات العالم الاربع، وعليه فانه باستطاعتنا تسويق منتجات العالم للعالم دون الحاجة بمرورها في فلسطين، لنجعل من فلسطين محورا عالميا للتسويق والترويج وتربيط الصفقات العالمية دون حتى أن نكلف أنفسنا عناء تحمل المخاطرة المالية والإلتزامية عليها.

بإمكاننا العمل من خلال شركات جماعية وليكن مقرها فلسطين وأذرعها ممتدة حول العالم، فعلى سبيل المثال لا الحصر يستطيع المقيمون في افريقيا أن يدخلوا في هذه الشراكات لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد البناء والإلكترونيات وغيرها من المنتجات المطلوبة في بلدان اقامتهم وفي نفس الوقت تصدير الفواكه والخضروات والحبوب والمكسرات لشركائهم في أوروبا والشرق الأوسط لتسويقها هناك، وهكذا يمكننا بالفعل بناء شبكات تسويقية فاعلة وعميقة وعابرة للحدود.

ولا بد من الإشارة أن التحول الى هذا النوع من الإقتصاد الشبكي يجب أن يُدعم بل ويُتبنى وبشكل مباشر من الجهات الرسمية الفلسطينية، مستغلين التواجد الكبير لسفاراتنا وممثلياتنا حول العالم والتي يمكنها أن تلعب دورا محوريا في التربيط بين الشركاء الفلسطينيين حول العالم وتسهيل التواصل فيما بينهم خصوصا خلال فترة الإعداد والتأسيس.

لقد أقام الفلسطينيون في دول عديدة ولعقود طويلة أستطاعوا خلالها التأثير في مجتمعات مختلفة حول العالم، كما استطاعوا المساهمة في نمو وازدهار الكثير من الإقتصادات، وبالتالي لا بد من الإستفادة من كل تلك النجاحات والبناء على تلك الخبرات التراكمية واستثمارها بما يخدم مصالح الإقتصاد الفلسطيني ويعزز صمود الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه.