إلى متى تبقى جثامين الشهداء الفلسطينيين محتجزة؟!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

ما زال أكثر من خمسين جثمانا من جثامين الشهداء الفلسطينيين من مختلف المناطق الفلسطينية وأصقاعها، محتجزا في صقيع ثلاجات قوات الإحتلال الإسرائيلي وأجهزته الأمنية بغير وجه حق. وما زالت عائلات الشهداء تعيش معاناة شديدة، حيث تذرف الدمع وتعد الدقائق والثواني انتظارا لدفن أحبتها وفلذات أكبادها، بما يليق بهم من كبرياء وشرف. وما زال نفر قليل معطاء متفان من هذا الشعب يلاحق هذه القضية، ولا يتخلى عنها، بعد أن نسيها الكثيرون وطواها النسيان في أجنداتهم.

قضية الجثامين واحتجازهم من قبل السلطات الإسرائيلية على اختلافها، أمر يثير كل المشاعر الإنسانية منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا. فرغم أن الحق في دفن الجثمان مهما كان دينه أو عرقه أو لغته أو لونه أو جنسه هو حق طبيعي وديني وإنساني، مستمد من الذات الإلهية ولا يشكك به أحد وتجمع عليه الشرئع، وموجود منذ القدم، إلا أن الحكومة الإسرائيلية اللاإنسانية المتعصبة تتنكر لهذا الحق الآدمي الأصيل المتجذر عميق في الإنسانية. حتى المجرمون وقطاع الطرق ومن انقطعت بهم السبل وليس لهم أقرباء، حينما يتوفاهم الله ولأي سبب، توجب قوانين الدول وقوانين السجون تحديدا دفن هؤلاء الرجال وفقا لمراسم تتبع دينهم وعاداتهم الاجتماعية، وبحضور أصدقائهم وأقربائهم . وعلى هذا نص قانون السجون البريطاني الذي كان معمولا به في فلسطين الإنتدابية.

أما ما يسمى بمحكمة العدل العليا الإسرائيلية وقضاتها الذين رضعوا حليب الصهيونية، فهي تقف متذبذبة، تحاول تبرير تصرفات أجهزة الأمن الإسرائيلية في هذا الموضوع الإنساني. تماما كما وقفت في كثير من المواضيع التي تمس الشعب الفلسطيني، كالأرض الفلسطينية، والمستوطنات جميعا بغض النظر عن تصنيفها الإسرائيلي، والماء الفلسطينية، ناهيك عن الإعتقال الإداري وما يسمى بالأمن الإسرائيلي في طبعته الواسعة الفضفاضة المنقحة التي شملت الفيس الإنترنت.

ويخرج عليك نفر من الأقزام الذي يرددون اسطوانة مشروخة تزعم أن إسرائيل دولة قانون وديموقراطية. أي قانون ولو كان قراقوشيا أو سكسونيا يجيز احتجاز جثمان شهيد فلسطيني؟ اي قانون في هذا الكون يجيز معاقبة جثمان بعد أن أن اسلم الروح؟ لم نقرأ في كتب القانون وصفا مثل هذا التصرف اللاإنساني ولو في غياهب العصور وحتى في زمن القهر والطغيان. بل نقرا في كتب القانون المختلفة أن جميع العقوبات الجسدية تتوقف بموت المتهم، وتعامل الجثة باحترام وبشكل لائق وفق معتقدات الميت وأهله. ولكن إسرائيل تصر على ان تشكل سابقة في التاريخ القانوني بأفعال نكراء. والمشكلة الأكبر أن ما يسمى بمحكمة العدل العليا الإسرائيلية التي يفترض أن تكون ملاذا للعدالة والحرية والأمن الشخصي للفرد، تشكل غطاء واسعا لقرارات أجهزة الأمن الإسرائيلية مهما كانت غير إنسانية.

المشكلة أن هذه القضية رغم عمق إنسانيتها لا تجد حشدا دوليا أو محليا أو قانونيا أو سياسيا لدعم الاحتجاج بوجهها ووقفها. فمثلا المنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية اكتفت بإصدار بيان طواه النسيان إن صدر. فمثلا جميع المنظمات غير الحكومية الفلسطينية لا نجد لها بصمة في هذا الموضوع الإنساني وقد أكون مخطئا. وكذلك لا نجد أثرا للمنظمات غير الحكومية الإسرائيلية مثل بيتسيلم وموكيد ويش دين في هذا الموضوع القانوني الإنساني. ويبدو أن الصليب الأحمر الدولي قرر أن يلتزم سياسة الصمت التي يلوذ بها دائما وأبدا في القضايا الحساسة الإنسانية التي تخص الفلسطينيين وأنصارهم.

أما الحديث عن العالم العربي والإسلامي والأوروبي وعدم الإنحياز، فأمر قد انتهى الحديث به والتوقع منه باي تصرف مفيد أو على الأقل أي تحرك إيجابي. فالفلسطيني دمه وحريته وماله قضايا تثقل كاهل هذه العوالم وتضيق ذرعا بها، ولم تعد هذه العوالم تهتم بهذه القضايا لا من قريب ولا من بعيد. بل تفضل نسيانها وعدم تذكرها لأنها تنغص عليها علاقاتها المحرمة مع العاشق الإسرائيلي.

لا يمكن قبول أية تفسيرات إسرائيلية لاحتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، سوى أنه ضرب من ضروب العقوبات الجماعية المحظورة. فهل هو وسيلة وقائية لمنع هجمات أخرى، لقد ثبت فساد هذا الراي، تماما كقصية هدم المنازل. هل أعاد للإسرائيليين أسراهم في قطاع غزة، هذا أمر غير معقول البتة والإسرائيليون يعلمون ذلك على وجه الجزم. هل شكل الاحتجاز وسيلة ردع أم لم يغير من الأمر شيئا. هل طبقت هذا الأمر على عتاة الإجرام الإسرائيليين أم تسلمهم لذويهم ليقوموا بدفنهم وفق طقوسهم ودينهم وتقاليهم؟!

لذا يجب ان يقوم الباحثون القانييون الفلسطينيون ببحث إمكانية مقاضاة إسرائيل عن خروقاتها القانونية خارج النطاق المكاني الإسرائيلي، لأن القضاة الإسرائيليون لا يحترمون القانون الدولي ولا مواثيقه، بل ينزلونه منزلة دنيا. ويجب أن لا تتم هذه الأفعال اللاإنسانية بمعزل عن اي عقاب.

جميع الأديان حتى الأدبيات اليونانية والرومانية قررت بشكل إجماع على أن كرامة الميت دفنه. وقصص إلكترا في دفن اخيها أوديب في وجه الحاكم كريون، تشكل حجر الزاوية في البعد الفلسفي الأخلاقي والفلسفي والديني لوجوب دفن الجثمان وأن لا يكون محلا لمساومة أو جدال.

أغلب الظن أن العقلية الإسرائيلية القائمة على التمييز العنصري استمرأت سياسة احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، فهي قبل ذلك استمرأت مقابر الأرقام بل هي جعلتها نهبا لطير السماء ووحش الفلاة. فما بالك الآن ونحن على أعتاب انتخابات إسرائيلية القائمة والموجهة على كم الكره والحقد نحو الفلسطيني. ففي زمن ضاعت فيه الحكمة وسادت الرذيلة نقول أن لكل سحابة بطانة من فضة!