الكاتب والكتابة

بقلم: أنطوان شلحت

ترتبط مناسبة الكلام عن الكاتب والكتابة الآن بمُستجدّ وظاهرة. المُستجدّ هو الملف الخاص الذي أنجزه منبر ضفة ثالثة الثقافيّ أخيرا حول ما أسمي "أدب الفيسبوك"، تحت العنوان المتسائل "إبداعٌ أم تكريسٌ لوهم؟"، واستمزج فيه على مدار أربع حلقات آراء أدباء ونقاد عرب من مرتادي شبكات التواصل الاجتماعي حيال انتشار الكتابة الأدبية في هذه الشبكات، ضمن فضاء ليس من المبالغة توصيفه بأنه منطوٍ على حرية شبه مُطلقة، تتجاوز كثيرا ما كان يطوّق هذه الكتابة في مساحاتٍ محدودة، وفي نطاق جماعاتٍ وشلل، ناهيك عن قيود النشر وطباعة الكتاب ومقصّ رقابة الاستبداد، وما إلى ذلك.

وفي التحصيل الأخير، انقسم المساهمون في الملف إلى فريقين: فريق يحذِّر من نصّ سمته الرداءة والاستسهال والاستهلاك السريع، ومليء بالأخطاء، ومعظمه لا علاقة له بالإبداع والمعرفة، وآخر لا ينكر أن الرداءة والشللية موجودتان في شبكات التواصل وكذلك خارجها، بل وبين المبدعين أنفسهم، ولكنه في الوقت عينه يزعم أن هذه الشبكات هي بمثابة ملاذ أخير للإنسان العربي، كي يعبّر عن أفكاره، أو حتى عن جزءٍ يسيرٍ منها.

وسبق أن أشرنا إلى أن هذه الشبكات أغرت كُتاباً مُحترفين برؤية ضرورة عدم تجنّبها، فمثلاً الكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو (نوبل 1998)، خاض هذه التجربة وأنشأ مُدوّنة. وفي أحد آخر الحوارات التي أدلى بها قال إنه بدأ بمقاومة الفكرة، لكن إلحاح زوجته عليه "انتهى إلى إقناعي. وأنشأنا مؤسسة برئاستها، وبما أن هذا بدا أساسيا مع مرور الوقت، فقد افتتحنا موقعا على الإنترنت. وطوال سنة، كتبت فيه بشكل شبه يومي من دون انضباط، ولا أظن أنني سأعود إلى ذلك. ولكن لا أحد يعلم، فمن الحذر الرهان على المستقبل".

أمّا الظاهرة فهي حالة السيولة المتواترة في كتابة الرواية عربيّاً، وإذا ما أخذت الواقع الأدبي عندنا في داخل فلسطين مثالاً عليها، يمكنني الادعاء بأن قيود النشر لا تنطبق عليها بتاتا؛ فضلا عن حقيقة أن تلك القيود لا تشمل، بل لم تشمل أصلا، قيدا أساسيا يبدو لي مُوجّها أو ترشيديا، هو الوسيط المتمثّل بإدارة التحرير، والذي يؤدي دورا مهمّا للغاية بين الكاتب والكتابة.

كما أن ما يستدعي التطرّق للموضوع هو أن أي كلام عن الكاتب والكتابة على مرّ الأزمان لم يقفز عن طرف ثالث، هو المتلقي أو القارئ. وإذا ما انطلقنا من نقطة أن الكتابة بما في ذلك الأدبية هي فنّ موجّه إلى تحسين العالم، فالاستنتاج المطلوب هو أن القارئ يشكّل سبيلها إلى هذا التحسين.

هنا لا بُدّ من تأكيد أن الجدل بخصوص العلاقة بين الكاتب والقارئ هو جدل متضمّن لجدل موازٍ ومكمّلٍ بشأن إمكانات الكتابة الأدبيّة في تمثيل العالم الخارجي، من وجهة نظر تؤمن بأهمية حضور الواقع الاجتماعي الخارجي داخل هذه الكتابة، إنمّا ليس على أساس النظرية الانعكاسية الاختزالية.

بناء عليه يُطرح السؤال: إلى أي حدّ يأخذ الكاتب المُعاصر القارئ في الاعتبار؟ وهل ثمة قارئ مُجرّد كهذا أم أنه مُحدّد؟ لا يعني طرح مثل هذا الأسئلة امتلاك الإجابات عليها؛ بل إن إحدى الأزعومات المتداولة أن القارئ أيضا يخضع لـ"منطق الشللية".

في أحد مقالاته روى غابرييل غارسيا ماركيز (كتاب "كيف تُكتب الرواية؟ ومقالات أخرى"، ترجمة صالح علماني، 1988) أنه ذات مرة جاءه إلى بيته في مكسيكو شاب في الثالثة والعشرين عاما، كان نشر روايته الأولى قبل شهور، وشعر بالنصر في تلك الليلة، لأنه سلّم لتوّه مخطوط روايته الثانية إلى ناشر. وكتب ماركيز: أبديت له حيرتي لتسرّعه وهو ما يزال في بداية الطريق، فردّ عليّ باستهتار "أنت عليك أن تفكّر كثيراً قبل أن تكتب، لأن العالم بأسره ينتظر ما ستكتبه، أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة، لأن قلة من الناس تقرأني". عندئذٍ فهمت أن ذلك الشاب قرّر سلفاً أن يكون كاتباً رديئاً، كما كان في الواقع.

عن "عرب ٤٨"