قضاة مُحالون للتقاعد: ما حصل عزلٌ جماعيّ ومُخالف للقانون

رام الله- "القدس" دوت كوم- يأمل قضاة محالون للتقاعد بعد قرارين بقانون أصدرهما الرئيس محمود عباس بشأن إحالة القضاة ممن تجاوزوا 60 عاماً إلى التقاعد، وكذلك حل مجلس القضاء الأعلى وتشكيل مجلس انتقالي جديد، أن يعيد الرئيس النظر في القرارين.

وكان الرئيس أصدر قرارين بقانون 16 و17 في شهر تموز الماضي، بشأن إحالة القضاة ممن تزيد أعمارهم عن 60 عاماً إلى التقاعد، وكذلك حل مجلس القضاء الأعلى، وتشكيل مجلس قضاء انتقالي جديد يمارس مهامه لمدة عام قابلة للتجديد لمدة ستة أشهر.

غزلان: ما جرى عزلٌ جماعيٌّ وليس إحالةً للتقاعد

ويرى قاضي المحكمة العليا المُحال للتقاعد عبد الله غزلان في حديث لـ"القدس" أن القرارين بقانون بخصوص القضاء، بعد التدقيق فيهما، لا يعدوان سوى كونهما عزلاً جماعياً من الوظيفة القضائية لكل من بلغ 60 عاماً، وراح ضحيته 52 قاضياً، "وفي حقيقة الأمر يشكل ذلك توجيه اتهام وإدانة وفرض عقوبة على القاضي، وهذا مُخالفٌ للقانون الأساسي"، مشدداً على أنه في حال وجود مخالفة لقواعد عمل القاضي يمكن إحالته إلى المحكمة أو إلى هيئة مكافحة الفساد.

ويتابع: "ربع الجهاز القضائي تم عزله، هذه ليست إحالة إلى التقاعد، فما جرى مخالف للقانون الأساسي وللقوانين الدولية التي تمنع عزل القضاة، كما أن تشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي جاء مخالفاً للقانون الأساسي وقانون السلطة القضائية من حيث نعته وشخوصه وصلاحياته، ناهيك عن أنه فُصِّل بالمقاس لأشخاصٍ بعينهم، وهذا مخالفٌ لما يجب أن تُبنَى عليه القاعدة القانونية من أنها مجردة وعامة".

وقال غزلان: "القراران بقانون وفق ما تضمناه يمكن الطعن فيهما، لدى جهة القرار الإداري، ونحن ندرس إمكانية الطعن بذلك أمام المحكمة العليا التي خصها القانون بنظر طعون القضاة، ولا نرى أن للقرارين بقانون نصيباً مما حُملا عليه، بل إن ما حُملا عليه يشهد عليهما ولا يشهد لهما، والحديث في هذا الجانب يطول".

الكخن: ليس إصلاحاً للقضاء

ويعتقد قاضي المحكمة العليا المُحال للتقاعد حلمي الكخن، في حديث لـ"القدس"، أنّ ما حدث ليس إصلاحاً للقضاء، وسيؤثر على نظام الدولة وسلطاتها الثلاث، "الإصلاح لا يكون بإقالة 52 قاضياً، ويطيح بربع القضاة ، ويطال جميع قضاة المحكمة العليا بما يتمتعون به من خبرات، وقضاة حملوا القضاء الفلسطيني منذ ثمانينيات القرن الماضي".

ويشدد على أنه لا يجوز وفق القوانين الدولية أن يُعزَل القاضي، أو يتم التأثير عليه أو الإضرار به على هذا النحو، ولا أن يتم التأثير على كرامة القاضي ومبدأ استقلال القضاء، فما حدث في 15-7-2019 أطاح بالقضاة بين عشية وضحاها، والقضاة لم يعلموا بإحالتهم للتقاعد إلا عبر وسائل الإعلام، "ما حدث هو استقواء من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، وهو أمرٌ ليس في صالح النظام السياسي الفلسطيني ولا السلطات الثلاث، خاصة أنه يُنظر إلينا أننا دولة قانون في العالم".

ويوضح الكخن: "نحن نعلم بوجود خلل في عمل الجهاز القضائي، ومن الخطأ تحميل القضاة الخلل، هناك خلل لوجستي، وفيما يتعلق بالمباني وعدم وجود رواتب تضمن حياة كريمة للقضاة، وهناك مجموعة كبيرة من القضاة سعت وطالبت بإصلاح القضاة، ولم يجدوا آذاناً صاغية من السلطة التنفيذية، من يتحمل الخلل هو الإدارات القضائية المتعاقبة التي فتحت الأبواب أمام السلطة التنفيذية، وأصبح القضاء مستهدفاً، وعلى مقاس جهات معينة في الإدارة القضائية السابقة".

وناشد الكخن الرئيس محمود عباس (أبو مازن) أن يسحب القرارين، وأن يُسطّر سابقةً ديمقراطيةً وسابقةً في صالح الدولة الفلسطينية والقضاء الفلسطيني، وقال: "فلسطين تسعى أن يكون القانون فيها أساس الحكم، وأساساً لدولة فلسطينية مرتقبة تكون هويتها القانون، لقد لحق ضرر كبير بالقضاة ومساس بمراكزهم القانونية وبخبراتهم وعلمهم، وإذا تم التراجع عن هذه القرارات فإن ذلك يصب كله في خانة الشعب الفلسطيني".

الشعيبي: تضليل كامل لمتخذي القرار

ويقول عدنان الشعيبي، القاضي في المحكمة العليا المُحال للتقاعد، في حديث لـ"القدس"دوت كوم: "ما حصل تضليل كامل من بعض الجهات، لها مصالح معينة، قدمت معلومات مضللة لمتخذي القرار في فلسطين، لقد جلسنا مراتٍ عدة مع الرئيس، وكنا نتابع تصريحاته التي تدلل على احترام القضاء، فمن قدم المعلومات المضللة أطاح بكل المعايير واعتدى على القانون الأساسي".

ويضيف الشعيبي: "أنا أعتز بالقضاء، لكنني مستاء أن أخرج أنا وزملائي من بوابة إصلاح القضاء ويقال لنا أنتم في الشارع، إن كان هناك بعض القضاة لديهم شبهة ما فلا يجوز تفريغ المحكمة العليا بكاملها تماماً، هذا لم يحصل بالتاريخ، أنا أدعو الرئيس إلى أن يعيد النظر بما جرى، وأنا أربأ بالرئيس أن يحصل ذلك في عهده، وأعتقد أنّ ما جرى مخالف لكل الاتفاقات الدولية حول القضاء، أنا أهيب بالرئيس أن ينصف القضاء والقضاة، لا أطمع بمنصب، لكن ما حدث كارثة".

ويشير الشعيبي إلى أن "عدد القضاة في الضفة الغربية نحو 200 قاضٍ بعكس الأردن، حيث يوجد 1200 قاضٍ، وكثرة الدعاوى شوّشت وقلّلت من هيبة القضاء، ونحن بحاجة إلى مراجعة ومساءلة، وأتوجه إلى أذرع السلطة التنفيذية للتوقف عن التدخل في القضاء، وأقول لأصحاب المآرب والمصالح الشخصية ارفعوا أيديكم عن القضاء".

عابدين: القضاء بحاجة لإصلاح لكن ليس على حساب مَركزة السلطات

ويرى رئيس دائرة المناصرة المحلية والإقليمية في مؤسسة الحق والمستشار القانوني للمؤسسة عصام عابدين، في حديث لـ"القدس"، أن القضاء بحاجة إلى إصلاح، ولكن يجب أن لا يكون على حساب مركزة السلطات.

ويشير عابدين إلى أن القرارين صدرا أيضاً بعد 7 أشهر من حل المجلس التشريعي الفلسطيني (حل السلطة التشريعية)، ثم بعد ذلك جاء دور لحل السلطة القضائية، وأصبحت لدينا سلطة واحدة تنفيذية.

ويقول: إن القرارين بقانون بشأن القضاء مباغتان، وأطاحا بربع أعضاء السلطة القضائية، حيث تمت إحالة 52 قاضياً عَرَفوا ما جرى معهم من وسائل الإعلام، وما جرى يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الأساسي الفلسطيني ولمبادئ سيادة القانون والفصل بين السلطات ولمتطلبات الحكم الصالح، ولم تتم استشارة المجتمع المدني الفلسطيني فيهما، ولو استشير المجتمع المدني لكانت لديه ملاحظات.

ويشير عابدين إلى أن هذين القرارين استندا إلى تقرير اللجنة الرئاسية التي شكلها الرئيس محمود عباس عام 2017 واستمر عملها مدة عام، "وكانت لنا ملاحظات على تلك اللجنة والتقرير الصادر عنها، وهو تقرير يُعدّ انتهاكاً للقانون الأساسي، إذ إن التقرير استثنى التعديلات في المحكمة الدستورية وكذلك في قطاع غزة، برغم أن الاصلاح القضائي لا يتجزأ في القطاع والضفة، فيما تم استثناء المحكمة الدستورية من التعديل، وهي التي حلت البرلمان بقرار تفسيري، وهو ما يعني مزيداً من المَركزة للصلاحيات، وما يجري يجعل مركزة السلطات بيد السلطة التنفيذية".

ويضيف: إن التقرير الصادر عن اللجنة الرئاسية فيه مخالفات مؤكَّدة للقانون الأساسي الفلسطيني، ومخالف للأحكام القضائية والقانون الأساسي، ولم تتم استشارة مجلس القضاء الأعلى، برغم أن المحكمة العليا بصفتها الدستورية المنعقدة في غزة عام 2005 ألغت قانون السلطة القضائية حينما لم يأخذ برأي مجلس القضاء الأعلى.

ويتابع: "القراران بقانون مخالفان للعهد الدولي وللحقوق المدنية والسياسية التي تتحدث عن استقلال السلطة القضائية، إضافةً إلى مخالفة المبادئ الأساسية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1985 بشأن استقلال القضاء".

وتطرق عابدين إلى قضية تخفيض سن تقاعد القضاة، حيث يُشير إلى أن رئيس مجلس القضاء الانتقالي عمره الآن 83 عاماً، وإن كان الحديث عن دماء جديدة وإحالة مَن تجاوز الستين من القضاة فإن ما يجري هو تمييز بشكلٍ واضح، لأن رئيس المجلس الانتقالي وأعضاء المجلس تجاوزت أعمارهم ستين عاماً.

وختم عابدين حديثه لـ"القدس" بالقول: "نحن ننظر بقلقٍ بالغٍ لتصريحات مجلس القضاء الأعلى الانتقالي بشأن حرية الرأي والتعبير، لأن حرية القضاة بالتعبير عن رأيهم مكفولة بالقانون الأساسي ومكفولة في الاتفاقات الدولية".