طفلان في مواجهة جنود، لماذا؟

بقلم: عوض عبد الفتاح

إنه لأمر مُرعب أن تشاهد (في فيديو) طفلين يواجهان فوّهات جنود الاحتلال، الذين أفرغوا رصاصات بنادقهم بكثافة، وبشراهة بهيمية، في جسديهما الغضيّن، وواصلوا عملية إطلاق الرصاص حتى بعد أن سقطا على الأرض. الأول استشهد والآخر مصابٌ بجروح خطيرة.

إنها الصورة الدموية التي باتت مألوفة منذ ما عرف بانتفاضة السكاكين، وانخرط فيها شباب وفتية وأطفال (ذكورًا وإناثًا) عام 2015، والتي أربكت المستعمر، وفي الوقت ذاته أثارت نقاشا فلسطينيا جديًا، بين مؤيد ومعارض، حول فكرة انخراط أطفال فيها.

لا أحد يعرف ما الذي دار في خلد هذين الطفلين المقدسيين البريئين، محمد أبو رومي ومحمد خضر، ابنيّ الـ14 عامًا، قبل تنفيذ عمليتهما ضد جنود الاحتلال؛ ما الذي فكّرا فيه بالضبط؟ ما الذي مرّ عليهما أثناءَ تجوالهما في أحياء المدينة العربية المذبوحة في السنوات الماضية، وفِي ساحة الأقصى المعتدى عليه يوميا؟ وكم من مشاهد الإذلال شهدا بحق أهل المدينة وأحيائها وبحق من يؤمّها من الفلسطينيّين القادمين من أماكن أخرى، وإلى أي مدى ألمّا بتفاصيل مخطط العدوان المستمر على حياة وكرامة الإنسان الفلسطيني، في هذه المدينة خاصّةً؟ وربّما تأثرا، وهزّت مشاعرهما، مشاهد غزو المستوطنين الصهاينة لساحة الأقصى قبل أيام فقط، في اليوم الأوّل لعيد الأضحى.

لا شكّ عندي، ولا عند غيري، أنّه لو عاش هذان الطفلان في ظروف طبيعية، في بلدٍ حرٍ، لا يخضع للاستعمار والتهويد والإذلال اليومي، لما فكّرا بتنفيذ هذه العملية ضد جنود الاحتلال ولما لقيا هذا المصير. هما بالتأكيد أحبا الحياة مثل كل أطفال البشرية على هذه الأرض، وأرادا أن يصبحا، ربما مهندسين، أو طبيبين أو أديبين وشاعرين ورياضيين أو أيّة مهنة أخرى. هذا الطموح يمكن أن يتحقق لكل الناس في حالة طبيعية، وفِي بلد حرّ، وفي مدينة حرةّ، مشرّعة الأبواب نحو الحياة الإنسانية الحرة المتطورة دومًا والمنفتحة على الإنسان وعلى المستقبل. هما ليسا أوّل ضحيّتين في مسار هذا الصراع الطويل والدموي الذي فرضته الغزوة الصهيونية المتوحشة على فلسطين ومدينة القدس، بل سبقتهم أعدادٌ غفيرة من الشهداء والجرحى والمعتقلين، في مشوار الدفاع عن الأرض والإنسان.

تواجه الحركة الصهيونية منذ غزوها لفلسطين مقاومةً مستمرة، تتقدم تارةً وتخبو تارةً أخرى. وكلما ظن المستعمر أنه أخمد المقاومة وأخضع أصحاب الوطن لسلطته الغاشمة، يعود صاحب الوطن إلى التمرد، ما يزيد من إحباطه، فيزداد توحشًا وهمجيةً، أو يقوم، أحيانًا، بتراجعات تكتيكية. ورغم كل ما فعله من تغيير في معالم الوطن ومعالم مدينة القدس العربية، ومن قمع وحشي، وتطهير عرقي بدأ بتنفيذه بعد خمسة أيام من احتلاله المدينة في حزيران/ يونيو عام ١٩٦٧، والترويج لأساطير وخرافات توراتية واعتماد ممارسات قمعية وملاحقة أمنية وسياسية أشدّ مما هو متبع في أماكن أخرى، فضلًا عن مخططات التخريب الاجتماعي، لا يزال المقدسي رافضًا للوقائع التي راكمها المستعمر في المدينة ويُظهر صمودًا أسطوريا.

ولكن السؤال الفلسطيني الداخلي الذي يعود إلى الواجهة، هو هل يعقل أن نعّول على الأطفال في مواجهة مستعمر متوحش، يزداد توحشًا كل يوم؟ هل ما يدفع هؤلاء الأطفال إلى القيام بدور ليس من المفروض أن يقوموا به، هو الوجود الاستعماري المكثف والمتواصل في المدينة، وما يرافقه من إذلال يومي للإنسان الفلسطيني فقط؟ أم أن هروب الكبار من المواجهة والتخطيط والقيادة (وأقصد هنا القيادات الرسمية وسلطتهم الأوسلوية المتعاقدة مع المستعمر على حماية مستعمراته وجنوده)؟

ليس لأحد الحق في إنكار حق الشعب الواقع تحت الاحتلال والاستعمار، المعترف به دوليا، في اللجوء إلى جميع أشكال النضال، ولكن الشعوب أو حركات المقاومة والتحرر، أيضًا، تغيّر تكتيكاتها وإستراتيجياتها، وفقا لظروف الصراع، ومتطلبات النضال. وهذا بات معروفا للحركة الوطنية الفلسطينية، إذ أنّ الشعب الفلسطيني لجأ، بدايةً، إلى الاحتجاج الناعم، مثل العرائض والاتصالات والتظاهرات والاعتصامات وغيرها، ثم إلى المقاومة الشعبية، ثم إلى المقاومة المسلحة ضد التحالف الصهيوني البريطاني.

وفِي عام 1987، اختار الشعب الفلسطيني، عبر منظماته الشعبية، انتفاضة شعبية عارمة غير مسلحة، حقّقت إنجازات هائلة، إعلامية وسياسية ومعنوية واجتماعية، قبل أن تُجهضها القيادة الرسمية وتأتي باتفاق أوسلو الكارثي.

وجدد أهل القدس، ومعهم إخوة من الداخل الفلسطيني عام 1948، مقاومتهم الشعبية، خاصّة في السنوات العشر الأخيرة. وظهرت انتفاضة البوابات الإلكترونيّة، في صيف عام ٢٠١٧، كفصل متطور ومُبهرٍ، في مسيرة النضال الشعبي غير المسلح، قادت إلى تراجع المستعمر.

كان من المفترض أن تبنى على هذه التجربة إستراتيجية تخطيطٍ وتوجيهٍ ودعمٍ سياسيٍ وماديٍ ومعنويٍ، من القيادة الرسمية، حتى يتواصل الانخراط الشعبي الواسع، ويشعر كل مواطن بأنّه شريك في المعركة، وحتى لا يندفع أطفالٌ لم يتذوقوا طعم الحياة بعد، في مواجهة جنود مدججين بالسلاح، بسكاكين.

هذه هي المهمة الوطنية، والأخلاقية، الملقاة على القيادات التي استمرأت الانقسام، والرافضة حتى لخوض مقاومة شعبية سلمية، منظمة ومدعومة. وهذه هي المهمة التي تحمي أطفالنا، وتضمن كفاحا تحرريًا، بتكاليف بشرية أقل، ونتائج أفضل.

المجد للشهداء.

عن "عرب ٤٨"