على القيادات ان تصحو .. ودماء ابنائنا .. ليست رخيصة

بقلم : ابراهيم دعيبس

ارجو الا يفهمني احد خطأ او يستنتج غير الذي احاول ان اقوله، وقد اتعبتنا الشعارات والبيانات والمواقف اللفظية، بدون اية قاعدة ميدانية حقيقية، وبدون اية نتائج فعلية.

الاحتلال بالتأكيد مرفوض، وواجبنا ومسؤوليتنا العمل بكل الوسائل للتخلص منه لان فيه تهديدا للارض والمستقبل والحياة، ونحن اكثر الشعوب وربما آخرها، التي تعاني من هذا الاحتلال الاسرائيلي البغيض الذي لا يراعي اية قوانين ولا يعترف باي حقوق ولا يفهم سوى لغة القوة العسكرية والسياسية والنفوذ المؤثر على القرارات الدولية كما هي الحال مع الولايات المتحدة بصورة خاصة في هذه المرحلة.

السؤال كيف نقاوم الاحتلال وكيف نعمل للتخلص منه .. ولكن الواقع مؤلم فعلا. ان معظم المنتجات في اسواقنا هي اسرائيلية. وكل العمال الذين يبنون المستوطنات هم فلسطينيون والاحتلال يسيطر على كل المعابر والدخول والخروج من مناطق السلطة، ويستطيع اذا اراد منع الرئيس ابو مازن نفسه من السفر، وهو لا يتوقف عن اقتحام كل المدن والمخيمات على مرأى ومسمع من قوى الامن الفلسطينية.

والاحتلال يصادر الارض التي يريد ويهدم المنازل التي يراها لا تنسجم مع اطماعه، وقادة الاحتلال، ابتداء من نتانياهو حتى اصغر مسؤول، يتحدثون بغطرسة وعنجهية لا مثيل لها وفي هذه المرحلة وهم مقبلون على انتخابات تزداد اقوالهم تطرفا ويتسابقون في الحديث عن الدولة الموسعة من النهر الى البحر، ولديهم مشكلة واحدة بهذا المجال وهي الوجود البشري الفلسطيني وهم الذين يتمنون حتى التخلص مما لديهم بالداخل من فلسطينيين .. اصلا.

نحن على المستوى الفلسطيني لا يخنقنا الاحتلال وحده وانما الانقسام الذي صار كما يبدو نهائيا، وفي هذا خدمة هائلة للاحتلال، وهو ما سعى اليه شارون حين قرر الانسحاب من غزة، وقد تحقق حلمه وتوقعاته.

العالم العربي من حولنا مشغول بكل شيء إلا بما يهم قضيتنا. الخلاف مع ايران وبين السنة والشيعة، ادى الى تقارب خليجي بصورة خاصة مع اسرائيل باعتبارهما حلفاء ضد ايران وقد زادت الحروب الداخلية الامور تعقيدا، وصعوبة، ابتداء من اليمن مرورا بليبيا والسودان والعراق وسوريا الى حد كبير والتوترات الداخلية في دول كالجزائر ومصر، واصبحنا نحن لسنا القضية الاولى للعرب ولا حتى القضية الثانية، وصار الاحتلال «صديقا» وازداد التطبيع وزاد الانقسام الداخلي شماته بعض العرب فينا.

نحن في وضع صعب اسرائيليا وعربيا ودوليا والاهم داخليا، وهنا يبرز السؤال الاهم كيف نواجه ما نحن فيه وكيف نتعامل مع هذه المعطيات السلبية عموما؟ الشعب غاضب ولكنه مشغول بالمشاكل المعيشية والمالية والاقتصادية وبالانقسام.

وسط هذه الدوامة من الواقع، يعبر افراد من ابناء شعبنا عن رفضهم وغضبهم وسعيهم للتخلص من الاحتلال. نجد طفلا اقل من ١٨ عاما يحمل سكينا صغيرا ويحاول طعن جندي يحمل رشاشا، ويدفع الثمن غاليا ويفقد حياته ويتسبب بالالم لاهله واصدقائه وعائلته.

ونجد عشرات الاصابات او الضحايا في مسيرات العودة التي تتكرر منذ عشرات الاسابيع، ومن ناحية عملية لا تؤثر فعليا بالاحتلال وانما تزيده غطرسة وسعيا لعزل غزة كما تم اعلانه عن خطط لاقامة جدار جديد بين القطاع واسرائيل.

ان مقاومة الاحتلال حق وواجب ومسؤولية وطنية، ولكن السؤال كيف نفعل ذلك، وكيف نتعامل مع الظروف والمعطيات التي تحيط بنا؟ والجواب ليس سهلا ولكن هناك قواعد لا بد من الالتزام بها: ان دماء ابنائنا ليست رخيصة وخاصة الاطفال/ ان المسؤولية الاساسية تقع على القيادات ودورها المطلوب لمواجهة ما نحن فيه. لقد جربنا على مر عشرات السنين كل انواع التضحيات ودماء الشهداء ولكن ذلك لم يحقق شيئا واقعيا وبقينا نتراجع حتى وصلنا الى ما نحن عليه اليوم.

على القيادة ان تخرج من «عباءة» المصالح الضيقة، والخلافات الحزبية، والمقصود هنا القيادة في الضفة وغزة، وان تتعامل مع الواقع بطريقة واقعية وعملية والتوقف عن الركض وراء الشعارات والمطالب غير الممكن تحقيقها في هذه المرحلة يا قيادات فتح ويا قيادات حماس اتقوا الله في مواقفكم واعملوا لخدمة القضية فعليا وتخلصوا من الكلام الاجوف الذي لا يحقق شيئا، وقد سئم المواطن من سماعه وتكراره.

ان بقية ما بقي من الوطن بدأت تضيع والقيادات تتحمل المسؤولية المطلقة وعليها الواجب الاول والاخير، ولا سيما ان الشعب قدم ويقدم ومستعد لتقديم كل ما هو مطلوب فعليا .. ولكن دماء ابنائنا ليست رخيصة ويجب ان تكون في الوقت المناسب والمعطيات المناسبة ودون ذلك ستظل دماء مهدورة بلا ثمن، سوى الرغبة النظرية بالتضحية، والاعلان عن رفض الاحتلال والسعي لتحقيق الاستقلال والتحرر.