تحقيق خاص بـ "القدس"| "التقاعد القسري".. تهديدٌ للأمان الوظيفي وغيابٌ لآليات التظلُّم

168 موظفاً مدنياً و204 عسكريين استهدفهم القرار

أُحيل للتقاعد قسراً فأصبح مُحكّماً في "تحدي القراءة العربي"

تسلَّمَ قرار تقاعده بـ"الإيميل".. والإعاقة لم تشفع لبعض الموظفين

حقوقيون: إجحاف وتعارض مع قانون الخدمة المدنية

رام الله- تحقيق خاص بـ"القدس"دوت كوم- برغم مرور أكثر من عام على إحالتهم إلى التقاعد القسري المبكر، بناء على قرار بقانون مؤقت بهذا الشأن، فإن مئات الموظفين العموميين ما زال القهر والظلم يلاحقانهم، ويحلمون بالعودة إلى وظائفهم.

"القدس"دوت كوم، وعلى مدار أكثر من ثلاثة أشهر، التقت أولئك الموظفين، ووثقت حكاياتهم ومعاناتهم ومطالباتهم بإنصافهم بعد لحاق الأذى المعنوي والاقتصادي بهم، فيما يؤكد حقوقيون أن الإحالات القسرية للتقاعد مُجحفة وكيديةٌ ومخالِفةٌ لقانون الخدمة المدنية.

168 موظفاً مدنياً أُحيلوا للتقاعد القسري

168 موظفاً مدنياً أُحيلوا للتقاعد القسري ضمن قرار بقانون مؤقت لمدة 6 أشهر صدر في 2017 وينتهي في شهر نيسان 2018، ومن بين المحالين للتقاعد القسري 117 موظفاً من وزارة التربية بينهم 100 معلم و17 إدارياً، والبقية من مختلف الوزارات.

ويوضح الناطق باسم المتقاعدين المدنيين قسراً سلطان الريماوي، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، أن الموظفين حاولوا حل قضيتهم والبحث عمن ينصفهم، لكن دون جدوى، وذلك من خلال التوجه للعديد من الشخصيات الوطنية والفصائلية والمؤسسات الحقوقية، وبعث رسائل إلى رئيس الحكومة السابقة والرئيس محمود عباس، وإلى محكمة العدل العليا، وتخلل ذلك اعتصامات أمام مجلس الوزراء وصلت إلى نحو 13 اعتصاماً، وكذلك نحو 10 وقفات تزامنت مع انعقاد جلسات المحاكم.

ويشير الريماي إلى أن المحكمة أعادت 15 متقاعداً ممن أمضوا أقل من 15 عاماً في الوظيفة العمومية من أصل 100 تقدموا للمحكمة، وسحبت قضايا 16 موظفاً، وأُعيدوا لوظائفهم لحالات إنسانية، فيما يؤكد الريماوي أن المتقاعدين قسراً توجهوا إلى حكومة د. محمد اشتية، وهم يثقون أن تنصفهم، لأن الإحالة للتقاعد بهذه الطريقة عملية طرد من الوظيفة وليست تقاعداً".

ويشدد الريماوي على أن للمحالين إلى التقاعد التزامات شهرية بناء على رواتبهم، وكان يجب أن يطبق عليهم قانون الخدمة المدنية في قضية الإحالة للتقاعد، لا أن يقاعَدوا بهذه الطريقة، "فالمحال للتقاعد يخسر نصف راتبه وتزول عنه العلاوات والامتيازات، وبعضهم اضطر للعمل في ممناطق الـ48 لتوفير دخل يسد التزاماتهم".

الريماوي خدم في الوظيفة العمومية أكثر من 29 عاماً، وكان قائماً بأعمال مدير الشؤون الإدارية في وزارة الصحة، جرى نقله مرات عدة بمواقع مختلفة، وجرى تنقيله بمواقع مختلفة بعدما طالب بإنصافه برفع علاوة طبيعة العمل للموظفين الإداريين، وكذلك بعد توجهه للقضاء بهذا الشأن بداية عام 2017، إلى أن أُحيل للتقاعد القسري في شباط 2018، حسب قوله.

204 عسكريين استهدفهم القرار

وعلى مدار 15 شهراً، خاض الموظفون العسكريون المحالون قسراً للتقاعد المبكر محاولات عدة من أجل عودتهم إلى وظائفهم، اجتمعوا مع شخصيات عدة في السلطة والأجهزة الأمنية وقيادات في الفصائل وأعضاء من اللجنة المركزية لحركة فتح، واعتصموا أمام مجلس الوزراء وفي الميادين العامة وداخل مقر التعبئة والتنظيم، وتوجهوا للقضاء، عاد القليل منهم فقط.

ويوضح ناصر شلون، منسق لجنة الضباط العسكريين المتقاعدين قسراً، لـ"القدس"دوت كوم، أن المحالين العسكريين للتقاعد القسري عددهم 204، يحملون رُتباً مختلفة، وهم من مختلف الأجهزة الأمنية باستثناء حرس الرئيس، ومن بينهم 13 امرأة، عاد غالبيتهن مؤخراً.

كان 80 عسكرياً محالاً للتقاعد تقدموا لمحكمة العدل العليا لإلغاء القرار، فحكمت بإلغاء القرار عن 10 منهم وعودتهم إلى وظائفهم بأثر رجعي، لكنهم، وفق شلون، لم يعودوا، ومؤخراً اعتصم المتقاعدون قسراً من العسكريين والمدنيين أمام مجلس الوزراء بعد تسلم حكومة الدكتور محمد اشتية الذي وعدهم بالتدخل لحل قضيتهم، وهم يأملون أن تُحل قضيتهم قريباً.

يُذكر أنّ ناصر شلون أسير محرر أمضى نحو 10 سنوات، وعضو مجلس إدارة في جمعية نادي الأسير تم انتخابه قبل عدة أشهر، وأُحيل للتقاعد القسري في نيسان 2018 دون ذكر السبب في إحالته، بعد خدمته في ملاك التوجيه السياسي، بعدما تم تفريغه على الأجهزة الأمنية عقب الإفراج عنه وفق اتفاقية أوسلو، وبعدها تم تفريغه على المؤسسات من الرئيس الشهيد ياسر عرفات.

صامد صنوبر.. من محال للتقاعد إلى مُحكّم في "تحدي القراءة العربي"

بعد أشهر من إحالته للتقاعد القسري المبكر، قرر صامد صنوبر السفر إلى دولة الإمارات ليعمل مدرساً في إحدى المدارس الخاصة في دبي، ليصبح بعد ذلك عضو لجنة تحكيم في مسابقة تحدي القراءة العربي للعام 2019، وهي المسابقة الأشهر على مستوى المسابقات الثقافية في الوطن العربي، وشارك صامد بتحكيم المسابقة على مستوى مدارس الإمارات بتزكيةٍ من مدرسته التي يعمل بها في دبي.

استلم صامد كتاب تقاعده ووقع عليه، واضطر للسفر إلى الإمارات بعدما زادت مسؤوليته في إعالة أُسرته التي انضم إليها طفله الثاني قبل ثلاثة أسابيع فقط من إحالته إلى التقاعد، حينها عمل في متجر لبيع الشوكولاته والمكسرات.

ويقول صامد لـ"القدس"دوت كوم إنه يشعر بالظلم، خاصة عندما يكون الظلم من ذوي القربى، ولكن "إن خسرتُ مادياً، فقد كسبتُ اجتماعياً احترام وتعاطف زملائي ومختلف النخب الاجتماعية والوطنية الفلسطينية".

ويتحدى صامد صنوبر، وهو معلم في مديرية التربية والتعليم جنوب نابلس، أن يكون سبب قرار إحالته المباغت للتقاعد القسري في آذار 2018، بعد سبع سنوات من التحاقه بوظيفته، سوى نشاطه النقابي ودوره في قيادة إضراب المعلمين عام 2016، برغم عدم إبلاغه بسبب إحالته للتقاعد، لكنه يشعر بالفخر كون القرار نتيجة موقفه بالدفاع عن حقوق زملائه المعلمين والعاملين في وزارة التربية والتعليم ورفض المساومة على ذلك.

ويصر صامد على أن توجهه إلى القضاء يجب أن يكون من أجل محاكمة من أساء استخدام السلطة، وتعسَّف بالقرار بحقه، مع مطالبتهم بالتعويض المادي والمعنوي اللائق، مؤكداً أن قانون التقاعد القسري ساهم بإعدام الأمان الوظيفي، وربما وُضع للتضييق على الحريات النقابية، لكن لا بد للموطفين أن يستمروا بالمطالبة بحقوقهم النقابية والجهر بالمواقف الوطنية المحقة، وإفشال هذه السياسة وإسقاطها حتى لا يكون لها ضحايا جدد، وأن لا تكون سيفاً مسلطاً على رقاب الموظفين.

موظف: تقاعد تعسفي وليس قسرياً

"مؤسف إحالتك للتقاعد دون إذنك وطلبك.. إنه استهتار بالموظف، هو تقاعد قسري، بل فصل من الخدمة"، يقول الموظف المحال للتقاعد القسري المبكر جمال وهدان (53 عاماً) من مدينة رام الله، الذي خدم بمديرية التربية والتعليم في محافظة رام الله والبيرة لمدة 23 عاماً، منها 8 سنوات معلماً للغة العربية بإحدى مدارس البيرة، ثم عمل أميناً لمكتبتي مدرستين أُخريين في المدينة إثر مرض أصاب أوتاره الصوتية.

في شهر آذار 2018 أُحيل وهدان إلى التقاعد مجبراً، برغم أنه موظف متميز وباحث مجتهد، ويقول لـ"القدس"دوت كوم: "تفاجأت بقرار إحالتي للتقاعد شفوياً من دون مقدمات، صُدمت مما جرى، ثم تسلمت كتاب إحالتي للتقاعد دون وجود سبب لذلك، بعدها قدمت كتاب تظلم لوزير التربية ولم يستجب لي، وأنا أُريد معرفة معيار تقاعدي، ولكن دون جدوى"، معتقداً أن إحالته للتقاعد لتبليغه عن فساد في عمله، ولنشاطه بحراك المعلمين عام 2016.

وهدان توجه للمؤسسات الحقوقية ومحكمة العدل العليا التي أجلت المحاكمة أكثر من مرة، ويأمل أن يتم إنصافه، فلديه التزامات مالية صعبة، خاصة بعد خصم أكثر من نصف راتبه، عدا الضرر النفسي بسبب تقاعده.

ويعتقد أن القرار بقانون الخاص بالتقاعد القسري يهدد الأمان الوظيفي، وكأن القرار اتُّخذ لغايات التأديب لمن يرفع صوته بوجه المسؤول، ويقول وهدان: "لم أتوقع عدم وجود أمان وظيفي، الأصل وجود معايير محددة قبل الإحالة للتقاعد".

رجاء تأمل إنصافها وعودتها لوظيفتها "مرفوعة الرأس"

تأمل رجاء لحلوح من بلدة عرابة، جنوبيّ جنين، العودة إلى وظيفتها مُدرسةً للغة الإنجليزية وهي مرفوعة الرأس، وإعادة الاعتبار لها وإنصافها من قرار إحالتها للتقاعد القسري المبكر في شهر آذار 2018 بشكل مفاجئ قبل يومين من سريان القرار الذي لم يذكر سبب إحالتها للآن، وتأمل كذلك من حكومة د.محمد اشتية حل قضية المتقاعدين قسراً.

وتقول لـ"القدس"دوت كوم: "حينما يُحال الموظف للتقاعد وفجأة يتحطم الأمان الوظيفي، فإن ذلك سيؤثر اجتماعياً وأُسرياً، ستة أشهر بعد القرار وأنا لا أعرف ماذا أفعل، إلى أن انتقلتُ للعمل والعيش في رام الله".

رجاء أُحيلت للتقاعد بعد 14 عاماً من الخدمة، وتحمل درجة الماجستير في الترجمة واللغويات التطبيقية، وتعتقد أن تقاعدها سبهه نشاطها النقابي في حراك المعلمين عام 2016، ولقد عانت رجاء من قرار إحالتها للتقاعد المبكر، وخسرت ما يزيد عن نصف راتبها، وتركت منزلها في عرابة لتستأجر منزلاً في رام الله وتعمل هناك لتوفير دخل يكفيها التزاماتها، وتوجهت كذلك لمؤسسات حقوقية عدة لمتابعة قضية تقاعدها.

وتؤكد رجاء أن تضررها من إحالتها للتقاعد امتد لابنها عرسان الذي حصل العام الماضي على معدل 98.3% وأحب دراسة العلوم الشرطية وتقدم لمنحة من خلال الإدارة العامة للشرطة، وأتمّ فحوصاته بنجاح، لكنه رُفض بسبب "البحث الأمني"، معتقدة أن رفض ابنها كان بسبب نشاطها النقابي في حراك المعلمين، وبعدها تقدم للدراسة في جامعة الاستقلال في أريحا، وبعد قبوله ودوامه مدة أُسبوعين حُرم مرةً أُخرى بسبب "البحث الأمني"، بعدها أُعيد بعد تدخلٍ من رئيس مجلس أمناء جامعة الاستقلال اللواء توفيق الطيراوي، وحينما عاد لم يُعامَل كطالب، بحجة عدم وصول كتاب من الجامعة ورئيسها لعودته، بعدها ترك عرسان الجامعة، والتحق بجامعة بيرزيت، حيث يدرس حالياً تخصص اللغة الإنجليزية.

موظفون من ذوي الإعاقة لم يسلموا من القرار

وشمل قرار بقانون الإحالة للتقاعد القسري كذلك موظفين من ذوي الإعاقة، اعتبروا تقاعدهم مخالفة للقوانين التي وقعتها السلطة بشأن الأشخاص ذوي الإعاقة. وتقول ابتسام محمود خالد، وهي تعاني عجزاً بصرياً بنسبة 30%، وتعمل معلمة للغة العربية في مديرية التربية والتعليم في محافظة قلقيلية منذ 15 عاماً، إن قرار إحالتها للتقاعد في شهر آذار 2018 كان مفاجئاً وصادماً، برغم تقديراتها الممتازة، وحصولها على الماجستير في الإدارة التربوية.

وتؤكد أن قرار إحالتها للتقاعد كان من دون سبب ورفضت التوقيع عليه، بعدها وجهت كتاب تظلم لوزارة التربية، وتابعت قضيتها عبر مؤسسات حقوقية ونقابة المحامين واتحاد لجان المرأة والقضاء، لكن لم تتم إعادتها إلى عملها من قبل المحكمة العليا، التي قضت بعودة بعض الموظفين ممن خدم في الوظيفة دون 15 عاماً، وتقول: "أصبحنا لا نشعر بالأمن والأمان الوظيفي، لدي أسرة وأنا بحاجة للوظيفة، ما يجري مسَّنا بشكلٍ شخصيّ، ومخالف للاتفاقيات الدولية بشأن الأشخاص ذوي الإعاقة، أنا أناشد رئيس الوزراء د.محمد اشتية رفع الظلم عنا".

أما سناء حميدي، من بلدة عتيل شمال طولكرم، وتعمل مدرسة تربية إسلامية منذ 23 عاماً، فأُحيلت للتقاعد القسري في شهر آذار 2018، وأُبلغت بالقرار قبل سريانه بيوم، برغم معاناتها ضعفاً في بصرها منذ كانت في السابعة عشرة من عمرها، وكانت من الأوائل في الثانوية العامة، ثم التحقت بجامعة القدس في أبو ديس وحصلت على درجة البكالوريوس من كلية الدعوة وأصول الدين عن طريق السماع، وتفوقت في دراستها.

تقول سناء لـ"القدس"دوت كوم: "خلال 23 عاماً كانت تقييماتي ممتازة، ولم أتعرض لشكاوى، أُحلت للتقاعد بدلاً من تكريمي، ما جرى سبب لي ضغطاً نفسياً، حينما تكون بقمة عطائك يتخلون عنك، تقلص راتبي إلى النصف حالياً، ولا يمكنني الذهاب إلى عمل آخر".

توجهت سناء إلى مؤسسات حقوق الإنسان، ثم محكمة العدل العليا التي رفضت إعادتها لخدمتها، وتقول: "لقد كنت أتوقع عودتي كوني حالة خاصة، سيما أن ما جرى معي مخالف لاتفاقية سيداو بشأن المرأة وذوي الاحتياجات الخاصة، لكن ذلك لم يحدث".

أيمن: طالبتُ بحقي في الترقية الوظيفية فأُحلت للتقاعد

منذ العام 1997 يعمل أيمن مشاقي محاسباً في وزارة الصحة بنابلس وتنقل في عدة مواقع إدارية فيها، وهو يحمل درجة الماجستير منذ 16 عاما وشارك بعشرات الدورات التأهيلية الإدارية، فوجئ بقرار إحالته للتقاعد القسري المبكر في شهر آذار 2018، بعد بعد شهر واحد من إرساله كتاب تظلم إلى رئيس الوزراء السابق وديوان الرقابة المالية والإدارية، حينما لم يتم اختياره للوظيفة الإشرافية التي تقدم لها، بعد أن عمل فيها مدة 10 سنوات قائما بأعمال مدير، وتم استبدال أعضاء اللجنة الآخرين عند البدء في المقابلة.

ويوضح أيمن لـ"القدس"دوت كوم أن تقييماته في وظيفته كانت ممتازة ولا يوجد في ملفه الوظيفي أيّ مخالفات أو شكاوى، كما يوضح، فيما يؤكد أن من حقه التظلم على عدم منحه ترقية ضمن القانون، ويقول: في حال عدم منحي ذلك، عليهم أن يردوا عليّ بكتاب إداري، وليس إحالتي للتقاعد.

معلم: اضطررت للعمل عاملاً لتعليم أبنائي

اضطر معلم التربية الابتدائية في مديرية التربية بشمال الخليل عبد الناصر حميدان (48 عاماً) وهو من بلدة حلحول للعمل عاملاً في مناطق الـ48، بعد إحالته للتقاعد القسري المبكر في شهر آذار 2018، بعد 21 عاماً من الخدمة في الوظيفة، وخصم راتبه، بعدما أرهقته التزاماته الأسرية، وتدريسه ابنه الطيران في ألمانيا، وابنته الطب البشري في جامعة الخليل، ويقول لـ"القدس"دوت كوم: "كاد ابني يعود من سفره ويترك تعليمه نتيجة لما جرى، لكنني صممتُ على إكمال تعليمه، من حق أبنائي أن أُعلمهم، لا بد لي أن أتحمل، ولا أقول سوى حسبي الله ونعم الوكيل".

حميدان يؤكد عدم تقديمه طلب تقاعد مبكر، نظراً لحجم التزاماته، لكنه أحيل للتقاعد دون إبداء أي سبب، وبعد ذلك تقدم باعتراضات لوزير التربية ورئيس الوزراء السابقين ولم يتجاوبا معه، معتبراً ما جرى معه بأنه "فصل تعسفي وليس تقاعداً".

ويقول حميدان: "أنا مبدع في مهنتي وتقديراتي منذ 15 سنة جيد جدا، ملفي نظيف ولا يوجد به إنذارات أو تنبيهات، كنت نشيطا في حراك المعلمين، وانتهى الإضراب، والرئيس قال عفا الله عما مضى".

أُحيل للتقاعد عبر الإيميل!

قبل انتهاء دوامه بساعتين، في الرابع من آذار 2018، فوجئ مدير دائرة المصادر التعليمية والتقنيات التربوية في وزارة التربية والتعليم العالي د. زاهر عطوة بوصول رسالة له عبر بريده الإلكتروني، تفيد بإحالته إلى التقاعد القسري المبكر دون إبداء الأسباب، على أن يبدأ سريان القرار في السادس من الشهر ذاته، تاركاً وراءه عملاً استمر به 26 عاماً من الخدمة في الوظيفة العمومية، فهو لم يتوقع يوماً ما أن يُحال للتقاعد بهذه الطريقة، بالرغم من تميزه وتفوقه، وكان من أوائل من أسس وأدار أول دائرة تدريب في وزارة التربية والتعليم.

ويعتبر عطوة في حديث لـ"القدس"دوت كوم أن ما جرى معه إهانة شخصية، خاصة أنه حصل على شهادة الدكتوراه في المصادر وتكنولوجيا المعلومات قبل خمسة أشهر من قرار إحالته للتقاعد.

ويشير عطوة إلى أنه تمت مخاطبة رئيس الحكومة الحالية د.محمد اشتية وكانت توجهاته إيجابية، وتم تشكيل لجنة لبحث القضية، فيما يأمل عطوة الاستعجال بأن تتخذ اللجنة قرارها واتخاذ قرار بشأن المحالين قسرا للتقاعد.

وائل أبو سنينة.. حكاية الطبيب العائد لوظيفته من التقاعد القسري

بعد نحو عام من إحالته للتقاعد القسري قضت محكمة العدل العليا بإعادة د. وائل أبو سنينة إلى وظيفته، وهو طبيب مختص في علاج المسالك البولية، كان يعمل في مستشفى أبو الحسن القاسم في يطا، جنوب الخليل، حين إحالته للتقاعد، وعمل مديراً لمستشفى عالية الحكومي بمدينة الخليل عدة سنوات، وانتُخب قبل أكثر من أربعة أشهر رئيساً للجنة الفرعية لنقابة الأطباء في الخليل.

ويدعو أبو سنينة إلى تشكيل لجنة لدراسة قرارات أي وزير بعد انتهاء مهمامه، معتبراً أن "عدم وجود محاسبة يشجع الوزراء على الفساد، "ما المانع أن تكون لدينا لجنة بهذا الشأن تحدد إخفاق ونجاح أي وزير، حينها سيفكر الوزير كثيراً حين اتخاذه أيّ قرار"، متمنياً على الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء محمد اشتية "أن يشكلا لجاناً لدراسة ملفات المتقاعدين قسراً وإعادتهم بأقرب فرصة إلى أعمالهم، ومحاسبة من تسبّب في ظلمهم، فمن أجل تصحيح الوضع يجب أن يُحاسَب من يخطئ".

حكمت المحكمة بعودته.. ولكن دون جدوى!

يأمل الضابط المتقاعد قسراً لؤي أحمد علي بدوان (54 عاماً)، مدير دائرة الشؤون العسكرية والبروتوكول في الدفاع المدني سابقاً، من بلدة عزون شرق قلقيلية، أن يعود إلى عمله كونه قادراً على العمل، معتبراً ما جرى معه إهانة له.

ويقول بدوان لـ"القدس"دوت كوم: "لقد عملت في التدريب العسكري في جهاز الشرطة، وكنت مدرباً في مختلف الأجهزة الأمنية، ومن أوائل العاملين في جهاز الأمن الوطني في غزة وأريحا عقب عودتي من الأردن مع السلطة، بعدما تخرجت من الكلية العسكرية بجامعة مؤتة، كنت لا أمل ولا أتعب من التدريب لدرجة أن أُطلق عليّ لقب البدوزر أو الجنزير".

عام 2007 انتقل بدوان من جهاز الشرطة إلى قسم التدريب في حرس الرئيس، ثم نقل عام 2011 بطلب منه إلى جهاز الدفاع المدني إلى حين إحالته للتقاعد القسري المبكر في نيسان 2018، ورفع قضية أمام محكمة العدل العليا للمطالبة بإلغاء تقاعده، فصدر قرار بعودته، ولكن دون جدوى لم يطبق القرار.

ويعتبر بدوان التقاعد القسري بمثابة طرد قسري وإعدام للموظف نظراً لوجود التزامات مالية، خاصة أن ابنه نمر يدرس الدكتوراه في روسيا في تخصص إدارة أموال الدولة، لذا يأمل أن يتم إنصافه وإعادته لوظيفته.

80 % من العسكريين المُحالين للتقاعد أسرى محررون

كان الضابط في جهاز الأمن الوقائي في قلقيلية نضال خروب (48 عاماً) من قلقيلية ينتظر الحصول على رتبة عقيد، وبدلاً من ذلك أُحيل في شهر آذار 2018 إلى التقاعد القسري المبكر، لكنه رفض بدايةً إلى أن أُحيل بكتابٍ خطي للتقاعد بعد أيام من إبلاغه شفوياً، "لقد أدخلني تقاعدي القسري بأزمة كبيرة، لديّ التزامات شهرية وقروض وتعليم ابنتي في الجامعة، وتقلص راتبي نحو النصف"، يوضح نضال وهو الآن ناطق باسم المتقاعدين العسكريين قسراً، لـ"القدس"دوت كوم.

نضال الأسير المحرر من سجون الاحتلال أمضى 7 سنوات في السجن، وكان من أوائل من أسسوا جهاز الأمن الوقائي كما يقول، بحكم وضعه التنظيمي، وهو شقيق شهيد، وابن عمه الشهيد عمر القاسم عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية، وتعرضت أُسرته لانتهاكات متكررة من الاحتلال، مشيراً إلى أن 80% من العسكريين المُحالين للتقاعد أسرى محررون.

أُحيل للتقاعد القسري بعد شهرين من ترقيته إلى عقيد!

بعد شهرين من حصوله على رتبة عقيد في جهاز الاستخبارات في رام الله، أُحيل الضابط سلامة زايد (46 عاماً) في 24 من نيسان 2018 إلى التقاعد القسري المبكر وهو على رأس عمله، دون طلب منه وبلا علمه.

يقول زايد، وهو أسير محرر أمضى نحو 4 سنوات في الأَسر، لـ"القدس"دوت كوم: "لقد أضر بي التقاعد وخسرتُ نصف راتبي، ولديّ التزامات لتدريس أبنائي في الجامعة، والتزامات أُخرى حياتية، لافتاً إلى أن التقاعد كان يجب أن يكون ضمن قانون ونظام، وليس من دون علم الموظف ومن دون إرادته، عدا أن هذا القانون يعزز المشاكل الشخصية.

ويختم زايد حديثه بالقول: "ما جرى ظلم بحقنا، أنا أُطالب بعودتي إلى عملي لأخدم وطني ومجتمعي، بدلاً من إقصائي وأنا في قمة العطاء".

عاروري: قانون التقاعد القسري يتعارض مع قانون الخدمة المدنية

بدأت قضية المتقاعدين قسراً بصدور قانون مؤقت يسمح بالإحالة للتقاعد القسري المبكر عام 2017، وكان للمدنيين لمدة ستة أشهر وللعسكريين مدة سنة، ووُضعت ضوابط بأن يجري تنسيب لهذا الأمر من الدوائر المختلفة إلى مجلس الوزراء عبر وزارات الاختصاص.

ويوضح مدير عام مركز القدس للمساعدة القانونيّة عصام عاروري، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، أنه "وفي وقت لاحق جرى تمديد العمل بهذا القانون، وتبين أن العديد من القضايا للمتقاعدين تشوبها حالات غير مبررة وشبهة التعسف باستخدام الصلاحيات؛ منها خلافات مهنية، وهو ما دفعنا في مركز القدس لتبني 60 قضية، وتقديم اعتراض بالنيابة عنهم إلى محكمة العدل العليا، وتم البت في 18 منها، وصدر قرار في ثلاثٍ منها".

ويشير إلى أن "المحكمة وضعت معايير لا نتفق معها، وبتت بالأمر بإحالة من أمضى 15 سنة فأكثر في الخدمة للتقاعد، وألغت إحالة من هم دون ذلك للتقاعد، وهذا المعيار غير دقيق، ولا يراعي الحالات الفردية وخصوصية كل حالة، وما زالت بعض القضايا مرفوعة للآن".

ويؤكد عاروري أنه في عديد الحالات تسببت الإحالة للتقاعد بحرَجٍ اجتماعيٍّ للموظف، علاوةً على التزاماتهم الأُسرية والاقتصادية، لأنهم بنوا التزاماتهم العائلية على رواتب معينة، وحين خُسف الراتب إلى أكثر من النصف فإن ذلك تسبب لهم بوضعٍ اقتصاديٍّ صعب.

وفيما يتعلق بقانون التقاعد القسري، يؤكد عاروري أنه يتعارض مع قانون الخدمة المدنية الساري المعمول به، والأصل أن يكون القانون عاماً، وليس مؤقتاً، لتنفيذ أجندات معينة، "وفي حال وُجدت ملاحظات على الموظف، فالأصل أن تتم عبر إجراءات ولجان تدرس حالته، وأن تكون هناك لجنة تظلُّمات".

ويعتبر عاروري أن قانون التقاعد القسري قانون تعسفي، ويقول: "نحن مع أن يشكل مجلس الوزراء لجنة مهنية يشارك فيها ديوان الموظفين والوزارات ومستشار قانوني والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وأن يتم فحص الحالات الفردية، والاستماع إلى شكاوى المحالين للتقاعد أملاً بإنصافهم".

الدويك: إجحاف وتعسّف بحق الغالبية

ويؤكد المدير العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" عمار الدويك، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، أن ما جرى فيه حالات مبررة، لكنّ هناك تعسفاً، وهو إجحاف بحق غالبية المحالين للتقاعد القسري المبكر، وإدارة التقاعد لم تكن فيها مهنية عالية.

ويشير إلى "وجود حالات تعسفية وكيدية على خلفية النشاط النقابي للمحالين للتقاعد، أو لعلاقتهم السيئة بالوزير أو لخلفياتهم السياسية"، موضحاً أنه تمت مخاطبة الحكومة الجديدة ومطالبتها بتشكيل لجنة لإعادة النظر في قرارات التقاعد، ونأمل أن نرى نتائج إيجابية، لافتاً إلى أن "محكمة العدل العليا وضعت معيار المدة الزمنية لعودة المحالين للتقاعد إلى وظائفهم، لكن كان لا بد أن تعطي المحكمة معايير إضافية أفضل من المدة الزمنية لضمان عدم التعسف"، فيما يؤكد أن القرار بقانون الخاص بالتقاعد القسري لم يضع معايير واضحة للإحالة، ولم يضع آلية للتظلم في حال وجود إجحاف".

"أمان": وثّقنا حالات تقاعد بعد الإبلاغ عن فساد

ووثق الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" حالتين لمتقاعدين قسراً، من أصل 22 حالة تابعها "أمان" بعد أن أبلغت عن تجاوزات وفساد، ويقول المشتشار القانوني لـ"أمان" بلال البرغوثي في حديث لـ"القدس"دوت كوم إن "متابعتنا لبعض القضايا كانت من باب الحماية لأشخاص أبلغوا عن فساد، حيث يعتبر الفصل من الوظيفة بسبب ذلك مخالفة لقانون مكافحة الفساد".

ويوضح البرغوثي أنه تم التواصل مع هيئة مكافحة الفساد بناء على ذلك، ويُفترض من الهيئة أن تقوم بحماية المبلغين، لكنه تم الرد علينا بأن قرارات الإحالة للتقاعد ضمن نص قانوني بقانون التقاعد، مشدداً على ضرورة أن لا تكون الحماية مقتصرة على من تقدَّم للهيئة فقط بشأن تضرره لإبلاغه عن فساد، "هؤلاء الأشخاص لأنهم رفعوا أصواتهم أُحيلوا للتقاعد وهي عقوبات انتقامية، الأصل أن تقدم الهيئة الحماية لهم، حتى لا يكون هذا القانون وبهذه الطريقة سيفاً مسلطاً على المبلغين عن الفساد، أو أن يتم تعزيز الفساد".

المحامي غاندي أمين: لا يوجد معيار مهنيّ أو قانونيّ للإحالة القسرية

المحامي غاندي أمين ترافع عن 75 قضية لمحالين للتقاعد القسري المبكر، ويؤكد أنه لم تُوجَّه لهم أسباب في الإحالة للتقاعد، من بينهم 60 قضية للعسكريين و15 قضية للمدنيين، وأن القرار بقانون توجد فيه انتقائية عالية، ولم تكن فيه معايير للتقاعد، سواء المهنية أو القانونية.

ويوضح المحامي غاندي، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، أنه توجه بالقضايا التي تم توكيله بها إلى محكمة العدل العليا من أجل الطعن بالإحالة للتقاعد، وقُبلت 7 قضايا للمدنيين لأنهم أمضوا في الخدمة أقل من 15 عاماً، باستثناء الطبيب سفيان بسيط من القدس، وهو أخصائي للغدد، الذي أُحيل للتقاعد بعد ثماني سنوات ونصف السنة من خدمته في الوظيفة العمومية، ويعمل حالياً في مستشفى إسرائيلي.

وفيما يتعلق بقضايا العسكريين، يوضح المحامي أمين أن معظمهم أُحيلوا للتقاعد بعد انتهاء فترة القانون، ويقول: "كنت أتوقع أن تُقبَل الطعون من المحكمة، لكنني تفاجأت بأن جميع دعاواهم رُدت بحجة أننا لم نخاصم الرئيس، مع العلم أن الرئيس ليس خصماً في الدعوى الإدارية، بل من أصدر القرارات الإدارية هو من تُوجَّه إليه الخصومات"، فيما يشير إلى وجود قضايا أُخرى لدى المحكمة لم يتم البت بها، في وقتٍ حذر فيه من اللجوء في هذه الفترة إلى إحالة بعض الموظفين إلى المعاش كعقوبة.

وتابعت "القدس" دوت كوم وجود قضية إحالة موظف للتقاعد القسري المبكر قبل نحو أربعة أشهر، فضل عدم ذكر اسمه، لكنه أُعيد إلى وظيفته بعدما أوقفت الحكومة الحالية القرار، كون الإحالة تمت بناء على قانون التقاعد القسري المنتهية صلاحيته.

يشار إلى أن "القدس" حاولت الاتصال بأكثر من مسؤول في الحكومة وفي هيئة التقاعد الفلسطينية للتعقيب على قضية المحالين للتقاعد القسري، لكنها لم تتمكن من ذلك.