الخديعة الكبرى في «العدل التاريخي»!!

بقلم: الدكتور محمد السعيد إدريس

في تشرين الثاني المقبل ستكون قد مرت 96 سنة على مقال «حول الحائط الحديدي.. نحن والعرب» لكاتبه زئيف جابوتنسكي اليهودي الروسي صاحب التأصيل للفكر الإرهابي في الحركة الصهيونية العالمية، والزعيم الفعلي لمناحيم بيجن أحد أبرز قادة المنظمات الإرهابية في فلسطين قبل نكبة 1948، وهما معاً يعتبران القادة المؤسسين للتيار اليميني المحافظ في «إسرائيل».

استقى بيجن ثقافته الصهيونية من كتابات وتعاليم جابوتنسكي، واستطاع أن يؤسس ويدعم تكتل الليكود اليميني المتطرف الذي أزاح حزب العمال المؤسس لإسرائيل عام 1975 وتولى السلطة وكان له الفضل في أحداث أول وأخطر اختراق في جدار الصمود العربي بتوقيع معاهدة «السلام» مع مصر عام 1979، وظل يحكم إسرائيل فعلياً منذ ذلك الوقت، ويحلم زعيمه الحالي بنيامين نتنياهو أن يحقق انتصاراً انتخابياً جديداً في أيلول المقبل ويشكل حكومته الخامسة، التي يخطط لأن تكون حكومة الانطلاق نحو تأسيس دولة «إسرائيل التوراتية» بعد استكمال ضم معظم أراضي الضفة الغربية بزعم أنها أرض يجري تحريرها من العرب المحتلين.


هذا المقال الذي كتبه جابوتنسكي عام 1923 قال عنه الكاتب الإسرائيلي ديمتري شومسكي، إنه، أي المقال المذكور «يعد شهادة الهوية الفكرية لجابوتنسكي»، لأن «الحائط الحديدي» يقول إنه «نظراً إلى أن ليس بالإمكان أن نعرض على العرب أي تعويض عن "أرض إسرائيل"، فإن الصراع بين العرب والصهيونية أمر لا مناص منه، من هنا فإن انتهاء الصراع مرتبط بالحسم، الذي سيشكل انعطافة فكرية، يسلم فيها العرب بالسيادة اليهودية على "أرض إسرائيل"".


أزعم أن معظمنا لم يقرأ هذا النص الذي كتبه جابوتنسكي قبل ما يقرب من مئة عام، وإذا كان هناك من قرأ فإنه لم يعر الأمر اهتماماً، وإلا كان موقفنا من إدارة الصراع مع إسرائيل مختلفاً تماماً، وكنَا قد أخذنا مقولة «الدولة اليهودية التوراتية من الفرات إلى النيل» مأخذ الجد، وكنا قد أولينا الاهتمام الكافي لمقولة إن الصراع بين مشروع النهوض العربي، أي مشروع وحدة العرب وتفوقهم ونهوضهم التاريخي هو بالمطلق «صراع وجود» مع المشروع الصهيوني المدعوم من الغرب الاستعماري، وليس مجرد صراع على حدود هنا أو هناك أو قطعة أرض هنا أو هناك.


تخلفنا كثيراً عن الوعي بحقيقة الصراع، أو تجاهلنا المعاني الفكرية والسياسية التي تتجسد يوماً بعد يوم مع مشاريع توسع واستيطان إسرائيلية تتم على أرض فلسطين من منظور الرفض المطلق الإسرائيلي اعتبار أن «هذه العملية، توسع أو استيطان، بل «هي، ومن وجهة نظرهم، تحرير واستعادة للأرض التي يعتبرونها مغتصبة من قبل العرب المحتلين»، ومن هنا جاء التعامل مع ضم وتهويد القدس ومعظم أراضي الضفة الغربية باعتباره «استعادة للحق التاريخي»، ومن هنا جاء الحديث من جانب الحكومة التي يترأسها بنيامين نتنياهو، التي تعد امتداداً لأفكار كل من زئيف جابوتنسكي ومناحيم بيجين، باعتبار إصدار الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي لما يسمونه بـ«قانون القومية» تحقيق «للعدل التاريخي»، فهذه الأرض يصفونها ب «أرض الآباء» وأن الفلسطينيين الذين يقيمون عليها «غرباء محتلون»، ليس هذا فقط، بل والتعامل مع من يتحفظ على هذه السموم العقائدية لما بات يسمى ب «الصهيونية الدينية الجديدة»، على حد وصف «يوسى كلاين»في «هآرتس»، بأنه «لا سامي» أي «عدو للسامية» والمقصود هنا بهذا النعت ليس فقط «الفلسطينيين الأعداء» بل مفكرين ومثقفين وحتى مواطنين «إسرائيليين» عاديين يرفضون أكذوبة «العدل التاريخي».


هذا التيار، أي تيار«الصهيونية الدينية» الذي يتكون من عتاة اليمين «الإسرائيلي» التوراتي الذين يسمون أنفسهم ب «أنصار أرض إسرائيل» هم الذين يحكمون إسرائيل الآن، وكانت المعركة الانتخابية الأخيرة في أبريل الماضي هي المشهد الأكثر تعبيراً عن نجاح أنصار «أرض إسرائيل» في تكريس منهجهم وتسييده، إذ تراجع الحديث عن «الحل الإقليمي» في المشهد السياسي الإسرائيلي ووجد قادة هذا التيار من زعماء حزب «الليكود»وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو في أنفسهم جرأة لكي يعلنوا أنهم ينتظرون اعترافاً أمريكياً بالسيادة «الإسرائيلية» على الضفة الغربية، وكان نتنياهو قد اتخذ خطوة مدروسة ومتقدمة في هذا الاتجاه أثناء تلك الحملة الانتخابية، عندما أعلن أنه «أبلغ الرئيس الأمريكي عدم استعداده لإخلاء أي مستوطنة»، وأنه يتوقع الحصول في ولاية حكمه الجديدة على اعتراف أمريكي بالسيادة «الإسرائيلية» على يهودا والسامرة (الضفة الغربية).

وقال بفجاجة وتبجح شديدين إن «جميع المستوطنات في الكتل الاستيطانية وخارجها يجب أن تبقى تحت السيادة الإسرائيلية».
هذه التطورات التي تحدث داخل «إسرائيل» على مستوى كل من الفكر والممارسة لم يجد الكاتب تسفي برئيل ما يسميه به غير «الخديعة» فقد كتب برئيل في صحيفة «هآرتس» متسائلاً:ما هو الخداع؟ هل هو مهارة مكتسبة أم صفة منذ الولادة؟ ويجيب: «يمكن الاتفاق على أمر واحد.. أنه خديعة تكبر وتنمو وتتحول إلى سياسة»، هذا هو الأساس الذي بنى عليه المستوطنون نظرية تمددهم، التي استندت إلى بناء البؤر الاستيطانية غير القانونية، وعلى الفصل المشوه بين سرقة أراض منهجية تسمى (استيطان) وسرقة عرضية تسمى «بؤرا استيطانية» ما يعنيه برئيل أن البداية هي البؤر الاستيطانية، ثم تتحول إلى استيطان، وبعدها يأتي الحديث عن «أرض إسرائيل» وعن «الحق التاريخي» في خديعة كبرى، يقبلها الكثيرون بل ويقدمون لها ما يعزز نجاحها ويروجون لها في خطط ومشاريع للسلام!!

بالاتفاق مع "الخليج"