ماذا فعلنا كي نمنع تنفيذ صفقة القرن؟

بقلم: فيصل أبو خضرا

عضو المجلس الوطني الفلسطيني

يسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الداعم للاحتلال والصهيونية، بشكل حثيث لتنفيذ صفقة القرن من خلال بعض الدول العربية التي هرولت لتنفيذ الصفقة والتطبيع مع الاحتلال، مع بعض التحسينات الهامشية، ومحاولة اقناع السلطة الفلسطينية الشرعية في رام الله، و حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، للمشاركة في تنفيذ هذه الخطة التصفوية. اي ان أميركا واسرائيل وبعض الدول العربية تعترف بفصيل حماس كحكومة ثانية في فلسطين.

وبهذا تكون فلسطين التاريخية مقسمة الى دولة احتلال اسرائيلية قوية معترف بها من قبل بعض الأطراف العربية، وكيانين فلسطينيين، واحد على مساحة ٤٠ بالمائة من مساحة الضفة، بدون الاغوار، وكيان فلسطيني في غزة على مساحة ٣٦٥ كيلو مترا مربعا.

ان وجود كوشنر في المنطقة مؤخرا جاء في اطار محاولاته تسويق هذه الخطة، ومطالبته بعض الدول العربية للاجتماع في كامب ديفيد، رغم نفي مصادر اميركية لذلك، ورغم انه قال بانه لن يفرض هذه الخطة عليهم ، ولكنه طلب منهم دراستها مع الأوروبيين واقناع السلطة في رام الله وحماس في غزة بقبولها!

قبل وصول كوشنر واعضاء طاقمه من الصهاينة الى المنطقة، قرر نتنياهو ان يهديه بناء ستة آلاف وحدة سكنية الى المستعمرين الجدد مقابل سبعمائة وحدة فقط لأهل البلاد الحقيقيين، وسط معارضة يمينية شرسة، وذلك لارضاء امريكا كي تسهل تمرير صفقة العار المعروفة بصفقة القرن. وأمس الأول قام نتنياهو بتدشين ستمائة وخمسين وحدة استيطانية في مستوطنة بيت ايل في قلب محافظة رام الله، زاعما ان الاراضي المحتلة هي وطن الشعب اليهودي ومهددا بالمزيد من البناء الاستعماري .

كوشنر وغرينبلات لم يريا أي تغيير جوهري في الموقف الأردني والعربي الصلب المؤيد لقيام دولة فلسطينية، وقد اسمعهم الملك عبدالله الثاني نفس الكلام الذي سمعوه سابقا وهو دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود ١٩٦٧ .

صحيح ان بعض الدول العربية التي سعت الى التواصل مع اسرائيل، ربما تكون قد حاولت فتح بعض القنوات ظنا منها انه لربما تقتنع اسرائيل بالميل نحو إجماع العالم ، وحتى امريكا بوجود رئيسها ترامب، بحل دولتين تعيشان بسلام مع بعضهما البعض، ولكن من الصحيح ايضا القول ان هذه المحاولة أسيء فهمها في تل أبيب وواشنطن، فاليمين الاسرائيلي بقيادة اليهودي الاشكنازي، بنيامين نتنياهو له اجندة استعمارية خاصة به بعد ان تجاهل جميع القرارات الدولية والاتفاقيات الموقعة، حتى تلك التي وقع عليها، مما يثبت عدم مصداقيته.

ومن نافل القول اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لم تر استقرارا سياسيا في تاريخها وسط استمرار صراعها مع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، ولذلك نرى بأنها كثيرا ما تلجأ الى انتخابات مبكرة فيما تؤيد أقلية بسيطة حكومتها، وأي انسحاب لحزب من أحزاب اليمين يسقط الحكومة، وهذا ما حصل مرارا ومؤخرا قبل شهور. كما ان اسرائيل تعيش حالة عداء مع الشعوب العربية والإسلامية قاطبة، لانها لم تتخل عن الاستعمار والعداء بجميع اشكاله للشعب الفلسطيني، ولولا الحماية الأميركية والنفاق الغربي، لما بقيت تعربد في كل محيط الشرق الاوسط .

والمحصلة دولة مصطنعة مهما نكلت وعربدت وتجبّرت ضد اي شيء أسمه فلسطيني وعربي لن يكتب لها النجاح، والسبب بسيط، فهي دولة لا تريد ألعيش مع جيرانها بسلام بل تسعى للتوسع والهيمنة على حساب الغير.

كما ان اسرائيل تعتمد في بقائها وغطرستها على المعونات العسكرية والمالية الامريكية، حيث تدفع امريكا لها حوالي أربعة مليارات دولار من جيوب الشعب الامريكي سنوياً، إضافة لحماية اسرائيل في المحافل الدولية ووقوفها امام ارادة المجتمع الدولي دفاعا عن الاستعمار الاسرائيلي، بينما الشعب الأميركي ليس لديه اي فكرة عن حقيقة خطورة سياسة بلاده الخارجية تلك، في دعم اسرائيل، الدولة الوحيدة في العالم التي تُمارس أبشع استعمار في التاريخ.

لقد اتخذت القيادة الفلسطينية قرارا بوقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع المحتل الذي انتهك ونسف كافة الاتفاقيات الموقعة، وهذا القرار الذي رحبت به وتبنته كافة الفصائل ينسجم مع ما يرتكبه الاحتلال ويبدو سهلا على الورق، وصحيح ان هذا القرار يضر بالاحتلال ولكنه قد يجعل بعض جوانب الحياة الفلسطينية أصعب، ويضعنا أمام مفترق طرق ومرحلة حاسمة. ولهذا اعتقد أن علينا دراسة كل اتفاقية على حدة بجميع ابعادها السياسية والأمنية والاقتصادية قبل التنفيذ. وعلى سبيل المثال يمكن التركيز بداية على مقاطعة جميع البضائع الاسرائيلية وتشجيع المنتوجات الوطنية في كافة الأراضي المحتلة وخصوصا في القدس المحتلة، مع تبني ودعم خيار الانتفاضة الشعبية السلمية، ليشكل ذلك ردا على هذا الاحتلال وعلى صفقة العار الأميركية، فشعبنا لم يعد يرى اي أمل في استجابة أميركا والاحتلال لأي حل سلمي عادل وشامل، وهو يعاني يوميا من سياسة اسرائيل، التي تعربد يوميا ليس فقط في فلسطين بل ايضاً باعتداءاتها المتكررة على جيرانها جميعاً.

ان كوشنر وشلته من الصهاينة لم ولن يجدوا أي دعم فلسطيني أو عربي أو أوروبي أو عالمي لخطة لا تلتزم بالقرارات الدولية، وعلى أمريكا وغيرها ان يحفظوا الدرس جيدا، وينفذوا قرارات الشرعية الدولية وما وقعوا عليه ، لان الشعب الفلسطيني صبر وناضل منذ اكثر من مائة عام بدءا بنضاله ضد المستعمر البريطاني الاشكنازي والصهيونية ودولة الاحتلال الإسرائيلي، ولم يمل ولن يمل لأن حقه في أرضه فلسطين ثابت و جذوره راسخة، وليس فقط على حدود ١٩٦٧م ولكن على حدوده الطبيعية من النهر الى البحر ومن الناقورة الى رفح، وان موافقة منظمة التحرير على تقاسم أرض فلسطين لدولتين جاء لوقف سفك الدماء وسعيا وراء السلام، وسط موازين وقرارات دولية ظالمة أجحفت بحقوق شعبنا، ولكن الاحتلال الاشكنازي بدعم الولايات المتحدة الأميركية الذي توِّج برئيس أمريكي وضع نفسه حامي الظلم والاستهتار بالقيم الاميريكية التي تعلمناها في الجامعات الأميركية، وبالقيم الإنسانية والعالمية وبالقيم الدينية، هذا الاحتلال توهم انه قادر على تصفية القضية الفلسطينية والهيمنة على كل المنطقة العربية بتشجيع ودعم حليفه ترامب.

ومع الأسف، ففي الوقت الذي تسابق فيه إسرائيل الزمن لتوسيع مستعمراتها وترسيخ احتلالها لجميع الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ عام 1967 ولتهويد القدس، فإننا مازلنا في خانة اصدار البيانات والتنديد والاستنكار بدون أي فعل جدي، فلسطيني او عربي او إسلامي، يردع هذا الاحتلال ويوقف هذا التمدد الاستعماري.

وأول الأسباب الرئيسية أننا منقسمون بين الضفة وغزة بطريقة مخزية، كما ان هناك غياب لموقف عربي- إسلامي جدي فيما تقوم بعض دول العالم بمجاراة السياسة الامريكية ضد الشعب الفلسطيني.

لذلك يتوجب ان نكون في تحرك سياسي ودبلوماسي دائم وعلى دبلوماسيي وسياسيي فلسطين، كل حسب مركزه ان لا ينددوا ويستنكروا فقط بل ان يتحركوا بشكل فاعل في كافة العواصم العالمية وخاصة الاوروبية حتى تتخذ هذه الدول مواقف جدية ، عقابية ضد المحتل.

اما مناشدة العالم من رام الله أو من غزة بإنقاذنا، فهذا وحده لا يكفي، ولا يصل الى مستوى خطورة

الأعمال البربرية التي تقوم بها اسرائيل ولا الى مستوى المواقف المطلوبة لمواجهة ذلك. فالعالم لا يمكن ان يتحرك دون ان يسمع صوتا فلسطينيا موحدا ومدوّيا شعبيا ورسميا في مواجهة هذا الاحتلال اولا وفي مطالبة العالم ثانيا للوقوف الى جانب نضالنا العادل.

ولهذا نقول مجددا ان شعبنا الفلسطيني بكل فئاته يطالب حركتي "فتح" و"حماس" وكافة الفصائل الوطنية بانهاء هذا الانفصال المعيب وعودة قطاع غزة هاشم لحضن الوطن، والتقدم معا وسويا لمواجهة هذه المؤامرة الكبرى على قضيتنا الوطنية وكي يسمع العالم أجمع صوت فلسطين الحقيقي المناضل من أجل التحرير والعودة وإقامة دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس. والله المستعان