حين وقف مرسيل ومحمود على مسرح جرش

بقلم: جواد بولس

كنت متعبًا وأقاوم، في ردهة الفندق التي لا تعرف طعم النوم، نعاسي اللحوح. انتصف ليل عمان ولم يبق في شوارع المدينة سوى القلق والساعون، بشقاء وبسهر، وراء لقمة الصبح، وبعض السمّار الذين لم يهتدوا إلى صدر نحلتهم فطفقوا يفتشون عن ركن قرمزي يلمّهم حتى يفرش لهم الفجر ذراعين من ندى وسفرجل.

لم أحضر في الماضي أمسيات مهرجان جرش الأردنية ؛ فأبناء جيلي فُطروا على حب جلسات الطرب المحلية، أو كما أسميناها، معبّرين عن أمانينا المهزومة، بليالي الأنس ومجالس "الصهبجية ".

علمت أن الصديق مرسيل خليفة سيشارك في إحدى ليالي المهرجان الرئيسية، فتواصلنا وكان الحنين جسرًا بيننا ولهفة تموز غنجة لا تقاوم. ترددت قبل التواعد على اللقاء فالرحلة إلى الاردن لم تعد سهلة بالنسبة لي؛ السفر لمدة ساعتين ثم إتمام المعاملات وتعقيداتها في جهتيّ المعبر الحدودي، وبعدها استقلال التاكسي لعمان، كلّها صارت همًّا لمن صادَق، مثلي، بعد ستينه، الكنبة واستأمن الوحدة وعبّ الحكمة من بين دفّتي كتاب.

غلبني الشوق؛ فعمان كانت بالنسبة لنا، نحن العرب الجليليين الأقحاح، ملاذًا مدّنا بكل أسباب الفرح، وحُضنًا جمعنا بأعز "الدراويش" والأصدقاء. عمان التي صارت، بعد ذاك الآب الأسود، مأوى للذكريات، بقيت عندنا، رغم تزاحم الغمام، سماءً يرجو رضاها اليمام وقصيدة زاهية معلّقة على أطراف الصحراء.

زرتها مرارًا وكان مذاقها بصحبته أشهى. لا أذكر جميع تواريخ لقاءاتي بمحمود درويش فيها؛ لكنني لن أنسى يوم أنبأوني أن صحته في أمريكا قد تعقدت وبعض الأخبار أنذرت بحدوث الأسوأ. كنت في عمان لإجراء بعض التدابير واستعد لعودتي إلى البلاد حيث كنا ننتظر رجوعه من هيوستن معافى وسليمًا؛ فلقد أكد لنا، على لسان أطبائه، بأن العملية ستكون بسيطة وشبّهها، من باب المداعبة الذكية، بليس أكثر من مسألة "كي القميص".

في التاسع من آب عام 2008 فشلت العملية؛ وضاق قلب العاشق بالحياة وفاض من الدنف فحلّق نحو تلك القمة الشاهقة حيث ما زال هناك ينبض بالحكمة وبالحب وبالأسرار، وصاحبه يعيش بيننا ولم يرحل عنا أبدًا. لا أقول ذلك من باب المبالغة أو المجازية المألوفة، أو من دوافع دينية وايمانية؛ فلسوف يشهد معي جميع الأصدقاء على أننا لم نجتمع يومًا، منذ ذاك الآب، في أي مناسبة أو لقاء أو محض مصادفة، إلا وكان محمود الشقي، الدمث، النبيل، الغاضب، الجميل، المندفع، الأنيق، الكسول، المجتهد، الصديق، الصدوق، الكريم، المتواضع، القوي، المثقف، المستفز، المسالم، الحليم، العنيد، المتسامح، القلق، الذكي، المتأني، الواثق، المتسائل، الباحث، الحازم، المتردد، الصبور، الغيور، الرقيق، العاصف، السمح، موجودًا معنا وبيننا يشاركنا الأحاديث والقصيد والغناء والرأي الصريح ويفتي في شؤون الدنيا والهوى والوطن والدين.

قضي الأمر ؛ فمرسيل في جرش يعني موعدا مع الجوى واغفاءة على صدر الريح والوجع.

أحسسنا بحدوث فوضى خفيفة، فتبيّن أن بعض الموظفين ومنظمي المهرجان قد خرجوا لاستقباله في مدخل الفندق ثم عادوا وهو يتقدمهم. كان عوده ملقىً، كالعادة، على كتفه وهو يمشي ببطء على ايقاع ريشة تنقر خصر وتر.

بدا منهكًا أو ربما كان سارحًا يفتش عن لحن عصيّ في حلق العدم. تقدم نحونا مبتسمًا كطفل. احتضنني بدفء وسلّم كما يسلّم زهر اللوز على الحسون؛ مرّت لحظتان من فوضى اللقاء، لا أكثر، حتى استعدنا توازن المكان؛ فبدأ يسألني عن صمت النايات في بلدي، وكنت أحاول أن أنسى عتاب الخشب للنهر وعذابات جواز السفر.

سألته عن ضيعته "عمشيت" التي زوّرني حاراتها وحكى لي قصص أزقتها الساحرة وعن بحرها العتيق. ذكّرته بجبيل وبمينائها الذي يشبه ميناء عكا، وبطريقنا إلى بشرّي جبران. تذكّرت أمامه كيف صليت أنا وأصحابي على أدراج بعلبك حين وقفنا هناك غير مصدقين أنفسنا ورددنا مع صوت فيروز : "هون نحنا هون ، لوين بدنا نروح، يا قلب يا مشبك بحجارة بعلبك، عالدهر عاسنين العمر ".

برقت عيناه ؛ استل مداد روحه وحدثني عن وطنه الذي من نتف الورد وعن رفاق له "كانوا يعبرون الجسر في الصبح خفافًا" حيث كانت أضلعه "تمتد لهم جسرًا وطيد". كان غاضبًا على جميع تجار بلاده الفاسدين وباعة الشرق الفرّيسي أكثر من غضب بحر على أصدافه الفارغة. لم يكترث لأراجيفهم حين رفض أن يفتتح أمسيته في مهرجان بعلبك بالنشيد الوطني اللبناني وعندما. افع عن حرية التعبير والغناء، فلامه المزايدون والانتهازيون والطائفيون والمفتنون وطالبوا بمحاكمته من أجل قصيدة ونوتة؛ فردّ، على كل من هاجمه وعلى من ادّعى غيرةً على المسيح بلغة لا يجيدها إلا الأحرار الحقيقيون وقال لهم : "كنا نذهب الى الكنيسة حفاة وكانت أرجلنا ناعمة كالحرير ؛ كثيرا ما كنا نحلم بالمسيح الذي لنا. المسيح الذي لا تأسره المؤسسات المتحجرة ولا تتاجر به حضارات قاتلة. أين وجه المسيح في هذا الاجتماع الصارخ مع صور القديسين والجموع؛ لم أجده لم أجد من تطلعت لأجده لأنه كان قد هجر دنياكم ومات ضد الموت كله. سيدي: إحمل صليبك واتبعنا على الارض".

كان فمه وهو يقرأ قريبًا من وجهي وكانت تناهيده تخرج برقة الفل وعيناه مكسوّتين بحنان ملائكي. كنت انظر إليه وأقاوم دمعتين حرّتين في كبدي.

في الغد تجمّع عشرات الصحفيين في قاعة اعدت خصيصًا للقائه. سألوه عن بعلبك وعن تمرده غير المألوف في زماننا ولماذا رفض أن يغني "كلنا للوطن". كان حازمًا كالنور، فعرّى الرياء في بلاده ومقت الطائفية وتمنى، بالمقابل، لجميع اللبنانيين أن "يصبحوا على وطن".

لم ننتظر طويلًا حتى حضر محمود درويش إلى القاعة وملأها بهجة وضجيجًا. راحت الأسئلة تنهال على مرسيل وكلها تتمحور حول علاقته مع محمود درويش وتلك التبادلية الوثيقة بين موسيقاه وقصائد الشاعر. كان مرسيل ذكيًا ومباشرًا وصادقًا فأكد لهم بحفاوة كيف استفادت موسيقاه من القصيدة الدرويشية وكيف، من ثم، استفاد الناس من أغنياته. أجاب بتواضع ولم يخفِ حبه الكبير لمحمود فأكّد على عفوية العلاقة بينهما وصدقها خلال مسيرة بدأت منذ أكثر من أربعة عقود وما زالت حيّة لن تموت.

لقد واجه الأسئلة بجرأة وبشفافية كما يليق بالانسان الحر والمطلق وبالمبدعين الحقيقيين الذين لا يُعرفون الا بطبيعة واحدة اسمها الحياة.

جاء المساء وامتلأ مدرج جرش الجنوبي. لاحظت ان الجمهور مثّل بحضوره ثلاثة أجيال متعاقبة. الأول مَن تفتحت عيناه على مرسيل الثورة والتمرد وعلى قيم الحرية القصوى ورفض الهزيمة والكفاح؛ والثاني مِن جيل تعمّد في أجران من الحب وفي معابد التضحية والوفاء؛ والثالث هو الجيل الذي سيحمل رايات الوعد ويرفض الذل وسياسات قطف الراس وتصعير الخدود؛ فجميعهم جاءوا ليمدوا، مثله ومثل خليله الحاوي، أضلعهم جسورًا "من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق، إلى الشرق الجديد".

دخل الخليفة على ايقاع الأكف وهي تصفق له وفاءً، وكان هو ينحني للعهد واجلالا لتاريخ يقظ ولحاضر ملتبس؛ وكان يستقبل بكلماته الرقيقة رفيقه محمود درويش ويحييه ويوقفه معه على المسرح. ويغني اشعاره فيعلّما الجماهير كيف بمقدورهم أن يصحوا على وطن وكيف سيكون نشيده الوطني، فيرددون وراءه فكّر بغيرك "وأنت تعد فطورك فكّر بغيرك ، لا تنسى قوت الحمام، وانت تعود لبيت بيتك فكر بغيرك لا تنسى شعب الخيام..". ينتشي فضاء جرش ويعلو الهدير "على ايقاع السماع في مكان يلد المكان ويكلله بنسيم الريح وبانكسار الضوء على الوجوه".

وقفا أمامنا، هو ومحمود درويش، وثالثهم كان "باخوس" صانع الفرح القديم؛ ووقفنا آلافًا لا تريد لهذا الغناء أن ينتهي؛ وصلّينا بدموعنا من أجل أولادنا ومن رسموا لهم في الشرق خريطة الانسان وحاولوا بناء وطن من عزة لأمة صماء وسيّجوه بالحب وبالحرية وبالوفاء.

ودّعته ولا أعرف إن كنت سأرجع مرة أخرى إلى عمّان وسألت: يا حبنا، هل تدوم؟

فوقنا في طريق الغور رقص سرب من طيور الصحراء، كانت تزقزق، فسمعتها تغني لأجمل حب وتقول: "وجدنا غريبين يومًا وسنبقى رفيقين دوما".. فإلى ملتقى.