حسين الزبيدي قاوم العصابات الاسرائيلية ومأواه الأخير في فقوعة

جنين - "القدس" دوت كوم - علي سمودي - "سرحان والماسورة " هي قصيدة من أهم وأروع ما كتب الشاعر الفلسطيني الراحل توفيق زيّاد، والتي تروي صورًا من قصة كفاح واستشهاد حسين علي ذياب درويش الزبيدي الذي يعد أحد قادة الثورة الفلسطينية الكبرى في سنوات الثلاثينات، تلك الملحمة الشعرية قدمتها فرقة "العاشقين "، وما تزال ترددها الأجيال.

ولأهمية السيرة الكفاحية والدور النضالي للشهيد الزبيدي، ولتخليد العمليات الكفاحية التي خطط لها وقادها ونفذها حتى استشهاده، أعد الباحث مفيد جلغوم من بلدة فقوعة شرق جنين، بحثًا سلط فيه الضوء على المسيرة النضالية للشهيد الذي يعتبر أحد القادة الميدانيين الذي شاركوا بفاعلية في الثورة الفلسطينية الكبرى 1939-1936، وقد تركّز نشاطه في المنطقة الواقعة بين بيسان وجنين، واتخذ من الجبال الفاصلة بينهما ملجأً لأفراد فصيله.

يوضح الباحث الجلغوم، أن الشهيد حسين الزبيدي، ينحدر من عشيرة الصقور، التي نزلت في غور بيسان، وامتهن أفرادها حرفة رعي الأغنام، قبل أن يتم تهجيرهم في نكبة عام 1948 إلى الأردن. وقد وُلد الشهيد حسين في قرية "الحمرا" قرب مدينة "بيسان"، ولمع اسمه في منتصف ثلاثينات القرن العشرين عندما أسس فصيلًا مسلّحًا، وقاوم الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية معًا.

ووفق الروايات التي جمعها الباحث جلغوم، فإن المناضل حسين العلي سلك طريق المقاومة والنضال في ريعان شبابه، واتخذ من جبال فقوعة المطلة على غور بيسان والمستوطنات الإسرائيلية المقامة عليه، نقطة انطلاق لعملياته الهجومية، وملجأً للحماية والتخفي معًا، والسبب كما يوضح أن تلك المنطقة تعتبر جبلية وعرة، بعيدة عن طرق المواصلات الرئيسية، وبها الكثير من الكهوف للحماية والمبيت، وكذلك تنتشر فيها آبار المياه للشرب، إضافة إلى وجود العديد من القرى أشهرها نورس والمزار وفقوعة وعربونة وجلبون، وقد تمكن حسين العلي من تجنيد أعضاء لهذا الفصيل من سكان هذه القرى، والعارفين بشعابها.

ويذكر جلغوم، أن المناضل الصقري وفصيله، نشطوا على مدار عامين كاملين في مقارعة الاحتلالين الإنجليزي والصهيوني، وأقلق مضاجعهم لكثرة الأعمال التي نفذها ضدهم أو ضد المنشآت المقامة في منطقة نشاطه، حتى أن الاحتلال الإنجليزي أعلن عن جائزة لمن يدلي بأخبار تؤدي إلى معرفة مكانه والقبض عليه.

ويستعرض الباحث جلغوم في بحثه أهم الأعمال التي نفذها القائد حسين العلي ومنها؛ مهاجمة مقرات حكومة الانتداب البريطاني في مدينة بيسان، وهي بنايات محصنة وبها عدد كبير من الجنود الانجليز، وكذلك صب الشحم على قضبان سكة حديد الحجاز قرب منعطف جسر المجامع شمالي مدينة بيسان، حيث خرجت ثلاث عربات للقطار عن سكة الحديد، وأثارت تلك العملية ردود فعل عنيفة وغاضبة لدى سلطة الانتداب البريطاني التي أدرجت اسمه على رأس قائمة المطلوبين الذين تمردوا ورفضوا الاستسلام والتراجع رغم التهديدا.

ويؤكد الباحث الجلغوم، أن الحادثة الأهم والتي أكسبت الصقري شهرة وطنية وأدبية واسعة تتمثل في استهداف أنبوب النفط القادم من العراق إلى مصفاة تكرير البترول في حيفا، المعروف بخط "التبلاين"، والذي يمر بالقرب من مدينة بيسان، موضحًا أن الثوار بقيادته تمكنوا من تفجير إحدى أنابيبه (ماسورة)، وفي هذه الحادثة أصيب الصقري إصابة قوية شفي منها لاحقًا، على الرغم من أن بعض الكتاب ذكروا أنه استشهد فيها، ومنهم الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد الذي وثق هذه الحادثة بديوان شعره من خلال قصيدته المشهورة "سرحان والماسورة":

يقظًا مثل حمار الوحش كان

وككلب الصيد ملفوفًا خفيف

وشجاعًا مثل موج البحر كان

ومخيفًا مثلما النمر مخيف

كانت الدنيا مطر

وظلام الليل كالفحمة

لا غيماً يضوي ولا قمر

انما سرحان كالقط

يرى الابرة في الليل الكثيف

غارة على الانتداب..

وفي استعراضه لقصص نضال القائد حسين العلي، يشير جلغوم لحادثة الغارة التي قام بها برفقة فصيله على مجموعة من قوات الانتداب في منطقة الساخنة (العاصي)، حيث نبع الماء الشهير أسفل جبال فقوعة، ووفق الروايات التاريخية "وصل إلى النبع ثلاث آليات عسكرية، نزل منها 25 جنديًا للسباحة، وتركوا ثلاثة جنود للحراسة، نزع الجنود أسلحتهم وملابسهم ونزلوا الماء للسباحة بعد عصر أحد أيام شهر أيار عام 1936"، ويضيف "خلال استجمام الجنود انقضّ وفصيله كالصقور على فرائسهم، فقتلوا وجرحوا وغنموا أيضًا عدة بنادق انجليزية، وفرّوا من المكان إلى أعالي الجبال للاحتفال بغزوتهم المظفرة".

تتابعت عمليات المناضل حسين العلي، إلى أن ارتقى شهيدًا نهاية عام 1938. ويقول جلغوم "وردت روايات متعددة لسبب استشهاده، منها أنه استشهد عند تفجيره لخط البترول، حيث وجدت بطاقته الشخصية وآثار دماء وقدم مبتورة، وأعلن السلطات الانجليزية عن اسمه في بيان رسمي منشور بالصحف".

ويضيف "ومنها أنه تعرض لكمين في بساتين بيسان، ومنها استشهاده شمال قرية فقوعة على سفح جبل الشيخ برقان، ورواية أخيرة تقول إنه حوصر نهاية الثورة في خربة ابزيق في جبال طوباس، بل إن الكُتّاب أيضًا ذكروا أماكن غير صحيحة لمكان دفن الشهيد، ومنها دفنه في مدينة بيسان".

يقول الباحث جلغوم "من خلال تتبعنا لسيرة الشهيد العلي فإننا ننقد رواية استشهاده خلال عملية تفجير أنبوب النفط، ذلك أنه جرح فيها فقط، وتعافى منها لاحقًا، أما استشهاده في خربة ابزيق فقد كانت من أواخر معارك الثورة، والزبيدي كان قد استشهد قبل ذلك بعام تقريبًا. مضيفًا أن فرضية استشهاده في بساتين بيسان فلو كانت صحيحة لكان مكان دفنه في مضارب عشيرته في الحمرا أو الساخنة، لذلك تبقى فرضية استشهاده على سفوح جبال فقوعة هي الأقوى والأكثر قبولاً لدي، خصوصًا مع توفر روايات شفوية تدعم هذا الافتراض".

ويتابع: مهما اختلف في تحديد مكان استشهاد صقر الصقور إلا أن المؤكد والمعلوم هو مكان دفنه، حيث دفن الشهيد في قرية فقوعة، وبالتحديد أمام منبر المسجد الشرقي مباشرة، وعندما شرع بإعادة بناء المسجد وتوسعته في منتصف الخمسينات من القرن الماضي تم نقل الرفاة عدة أمتار إلى الأمام، وما يزال الضريح شاهدًا حيًا على بطولاته، وعلى احتضان أبناء أولئك المقاومين لرفاة هذا البطل، وقد كتب على الشاهد الحجري "الفاتحة هذا قبر الشهيد حسين علي من عشيرة الصقور عام 1938".

يؤكد الباحث جلغوم، أن سيرة هذا البطل أصبحث تراثًا شعبيًا يتم تناقله من جيل لجيل، وقد أبدعت فرقة العاشقين الفلسطينية عندما أرّخت لهذا البطل في غنائها المحفوظ لدى الكثير من أبناء شعبنا في القصيدة المغناة، والتي تصور رثاء أمه وتشييعها ابنها لمثواه الأخير، ومنها نقتبس:

الهنا كل الهنا

يا هنية

وانكوت عيني أنا

يا صبية.

شيعوا لبني عمومته

يجولوا بالطبول والزمور

خبروهم أنه قد عاد من

غزواته صقر الصقور

وزعوا الحلوى وأكياس

الملبس للكبير وللصغير.

بالهنا كل الهنا

يا هنية

وانكوت عيني أنا

يا صبية.