ماذا بعد ؟

بقلم : اللواء بلال النتشة

الامين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس

لا تعبر الكلمات مهما كانت قوتها وجزالتها عن هول المشهد المروع الذي لبد سماء منطقة وادي الحمص في الايام الاخيرة عندما ارتكبت سلطات الاحتلال مجزرة رهيبة بحق 120 مسكنا يقطنها مقدسيون آمنون اصبحوا الان في العراء فيما تعمل القيادة الفلسطينية على اعادة الامل الى نفوسهم واسترجاع كبريائهم الذي تطاير مع غبار بيوتهم عقب تسويتها بالأرض بفعل المتفجرات الاحتلالية .

ان مجزرة وادي الحمص التي دفعت الرئيس محمود عباس " ابو مازن" لاتخاذ قرار بوقف التعامل بالاتفاقيات مع اسرائيل هي جريمة حرب بامتياز يحاسب عليها القانون الدولي والقانون الدولي الانساني فالبيوت التي نسفت مشيدة في مناطق " أ " و "ب" التابعتين للسلطة الوطنية الفلسطينية امنيا واداريا وجميع البيوت لدى مالكيها تراخيص قانونية من المؤسسات الفلسطينية المختصة الامر الذي بمقتضاه يمنع اسرائيل من اتخاذ أي اجراء بحق هذه المساكن دون الرجوع الى السلطة ، اما الجانب الانساني الخاص بأصحاب هذه المساكن فيتمثل بتشريدهم دون وجه حق تماما كما جرى مع ابناء شعبنا في نكبة 48 ونكسة حزيران 67 . وهنا يبرز السؤال : ما هي المسوغات التي تدفع اسرائيل الى تشريد اكثر من 500 انسان في العراء بينهم اطفال ونساء ومسنون بذريعة ان وجودهم يشكل خطرا أمنيا على جدار الفصل العنصري المقام على تخوم بيوتهم بشكل غير شرعي وغير قانوني ؟ فما اقيم على باطل فهو بالضرورة باطل وعلى العالم ان يقول كلمته في هذا المقام .

ان القرار الذي اتخذه الرئيس "ابو مازن" بإجماع القيادة الفلسطينية وكافة القوى والفعاليات الوطنية والاسلامية لهو رد فعل طبيعي ومنطقي على دولة الاحتلال التي شطبت كل اتفاق اوسلو ولم تعد تعترف به او بنتاجه الموضوعي والمتمثل بالسلطة الوطنية الفلسطينية . وتريد منا في المقابل ان نحافظ على هذا الاتفاق ونحترمه ونطبق ما جاء فيه بحذافيره . وفي موازاة ذلك تمضي اسرائيل قدما في الدوس على قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية مستمدة غطرستنها من الشراكة الاميركية لها في الانقضاض على حقوقنا الوطنية . فمن اعلان القدس عاصمة لإسرائيل الى التلويح بشطب حق العودة الى ورشة المنامة الاقتصادية الفاشلة الى المشاركة في فتح الانفاق اسفل المسجد الاقصى وصولا الى العمل على تصفية وجود وكالة الغوث في كافة الاقاليم التي تعمل بها وخاصة في لبنان حيث يتم تشديد الخناق على ابناء شعبنا هناك ... كل هذه المحاولات البائسة هدفها في نهاية المطاف طي صفحة القضية الفلسطينية على ايدي فريق ترامب بقيادة كوشنير الذي صنف سياسيا بانه يعمل كمستوطن في حكومة نتنياهو .

ان حكومة اسرائيل ما كان لها ان تتوحش في تصعيدها ضد المقدسيين على وجه الخصوص بشرا وارضا وحجرا لولا تواطؤ الادارة الاميركية معها وايضا تعامي دول العالم والصمت العربي والاسلامي الرسمي والشعبي على تلكم الجرائم النكراء فدولة الاحتلال لا ترتدع عن ما تمارسه من انتهاكات فظيعة لأنها تجد وتلمس تشجيعا دوليا على الاستمرار في عدوانها ، الامر الذي يدفعنا للتساؤل : لماذا العالم كله يستنفر ضد الفلسطيني اذا دافع عن حقه فيما نحن نذبح من الوريد الى الوريد يوميا ولا يرمش لهذا العالم طرف عين ؟.

لقد بات الشعب الفلسطيني فاقدا الثقة بالمجتمع الدولي الذي يكيل بمكيالين فالعدالة اصبحت اقرب الى الخرافة في ضوء تفرد الولايات المتحدة الاميركية بمصائر شعوب المنطقة وفي مقدمتها شعبنا الفلسطيني الذي يعاني من ويلات الاحتلال منذ اكثر من 70 عاما . ومع ذلك فإننا صامدون ومرابطون على ارضنا ولن تستطيع أي قوة في العالم فرض املاءاتها علينا او ارغامنا على القبول بسلام مذل يتجسد في ما يعرف باسم " صفقة القرن " .

وبالعودة الى قرار الرئيس عباس بوقف التعامل مع الاتفاقات الموقعة مع اسرائيل ، فإنني ارى في ذلك فرصة امام كل الفصائل التي تختلف مع حركة " فتح" بشأن اتفاق اوسلو وخاصة حركة "حماس" لإعادة النظر في مجمل علاقتها الوطنية ومواقفها السياسية التي تأخذ شكل التناقض الكلي مع منظمة التحرير . وهنا علني اؤكد على ان تحقيق الوحدة الوطنية في هذا الظرف المصيري بالذات هو مصدر قوة ودفع باتجاه تحقيق انجازات سياسية ووطنية على الارض . فمهما بلغ حجم التناقضات فإنها لابد وان تتمخض عن اتفاق ولو بالحد الادنى على برنامج صمود ومقاومة وطنية شعبية عريضة تنهض بالقضية الوطنية برمتها وتعيدها الى مركز الصدارة مرة اخرى وخاصة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار حجم التكالب الصهيو اميركي على تصفية قضيتنا المقدسة .

على ذلك اضيف اننا يجب ان ندرك الانعكاسات السلبية الكبيرة الناجمة عن الازمات الداخلية الاسرائيلية والمأزق الذي يعيشه نتنياهو ومعسكره الذي سيتجه نحو انتخابات مبكرة قريبا ، ومن هنا فان كل الاحزاب الاسرائيلية المتنافسة بل المتصارعة على الوصول الى سدة الحكم تستثمر في دم الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية ومن هو الاكثر شراسة في سفك هذه الدماء وهضم تلك الحقوق ، وهو الامر الذي يجب ان يدفعنا بدوره الى اليقظة الجدية والتمترس في خندق واحد حتى نتمكن من صد الهجمات الكبيرة التي تستعد اسرائيل لتوجيهها لنا كرد محتمل على قرارا القيادة الفلسطينية .

ان اسرائيل وفي ظل حكومة تتجه اكثر فاكثر نحو اليمين المتطرف ترفض التعايش السلمي مع شعبنا الفلسطيني وهي تضرب بعرض الحائط ما جرى الاتفاق عليه في اوسلو كمرحلة انتقالية تمهيدا لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس وهي بدلا من ذلك وسعت عمليات الاستيطان في عمق القدس والضفة الغربية واستباحت مناطق السلطة الفلسطينية بعد اندلاع انتفاضة الاقصى في العام 2000 ودمرت كل مؤسساتها وقتلت الرئيس "ابو عمار" الذي صنع السلام معها بعد ان فشلت في فرض سلام مذل علينا في كامب ديفيد . واليوم يحاولون فرض صفقة القرن بالقوة على القيادة الشرعية برئاسة " ابو مازن" عبر تجويعنا من جهة وفرض سياسة الامر الواقع من جهة اخرى ، ومع ذلك فالقيادة ومعها كل الشعب الفلسطيني صامدون وثابتون على الحقوق غير القابلة للمساومة .

لقد ثبت بالملوس وعبر تجربة عمرها 25 عاما ، بأن اسرائيل تريد حوارا مع قيادتنا أشبه تماما بحوار "السيف مع الرقبة" وهم يعتبرون ان كل فلسطيني يرفض التعايش مع الاحتلال والاستيطان ارهابيا . وهنا نتساءل : من هو الارهابي ؟ هل الذي شرد قبل ايام اكثر من 500 مواطن فلسطيني من بيوتهم وجعلهم في العراء ؟ ام الضحية التي اصبحت تبحث عن مأوى يحفظ لها كرامتها وعن خبز تسد به رمقها ؟

خلاصة القول : على اسرائيل ان تدرك جيدا ان الشعب الفلسطيني وقيادته ليس لهم ما يخافون عليه الا كرامتهم الوطنية ، وهذه الكرامة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحقوق الوطنية التي لا تنازل عنها مهما بلغت التضحيات . فلقد ولى زمن التنازلات المؤلمة وبدأ عصر القرارات المؤلمة وعلى الجميع ان ينتظر ما في جعبتنا من مفاجآت .