فلسطين عصية على الانكسار فقومها جبارين

بقلم: منيب رشيد المصري

لا شك بأن الوضع العام يستدعي من الجميع العمل، كل حسب طاقته وقدرته وموقعه، فإعلان الاخ الرئيس أبو مازن عن وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع دولة الاحتلال خلق واقعا جديدا فيه نوع من التفاؤل والتحدي وفي ذات الآن أوجد ظرف سياسي واقتصادي سيكون صعبا على الجميع ولا خيار لدينا سوى الصمود والمقاومة واسقاط صفقة القرن والتمسك بحقوقنا المشروعة وصولا إلى الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس.

لا شك بأن ورشة المنامة لم تكن بداية لصفقة القرن بل هي مرحلة من مراحلها التي لا نعلم بعد ما هي الخطوات اللاحقة، وبخاصة أن عددا من الدول العربية والعالمية قد اعلنت وبشكل رسمي عن استعدادها للتعامل مع هذه "الصفقة" وسمعنا العديد من التصريحات التي قل أن نقول عنها بأنها تصريحات تنم عن حجم التراجع الرسمي العربي والتساوق مع المخطط الصهيوني الأمريكي في تصفية القضية الفلسطينية، لذلك لا بد لنا كفلسطينيين أن نبادر في الفعل لحماية المشروع الوطني ومواجهة صفقة القرن.

وبالتوازي مع الحديث عن عقد ورشة عمل المنامة، كان لي ولبعض الأخوة قناعه بأنه لا بد من مواجهه المؤامرة والتي من ادواتها الحصار المالي المفروض على الشعب الفلسطيني لكسره وتركيعه، فقمنا بالاتصال واجراء المشاورات مع حوالي 150 رجل أعمال في سبيل الوصول الى مبادرة لدعم الحكومة الفلسطينية، خاصه بعد التوقف عن استلام تحويلات "المقاصة" اثر قرار الحكومة الاسرائيلية بخصم مخصصات الاسرى والشهداء لكي نتمكن من المحافظة على الدورة الحياتية العامة كجزء من تعزيز صمود المواطن الفلسطيني على ارضه وايضا اشعار العالم اجمع بأن الفلسطينيين بكافة قطاعاتهم موحدين وراء قيادتهم.

وبناء على هذا التوجه قمنا في منتصف شهر أيار الفائت بالاجتماع مع الاخ الرئيس أبو مازن الذي تحدث عن صعوبة الاوضاع الاقتصادية والسياسية وبارك المبادرة وأعطى توجيهاته للتنسيق بيننا وبين الجهات الحكومية ذات العلاقة وفي مقدمتها رئاسة الوزراء، وكانت حصيلة الاجتماعات والمشاورات مع هذه الجهات،- والتي في مقدمتها رئيس الوزراء ومحافظ سلطة النقد ووزير المالية ورئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني وعدد من رجال الاعمال الكبار (من الداخل والشتات)-، التوصل الى قرار بضرورة مشاركة القطاع الخاص في المساهمة بتوفير "شبكة أمان مالي" يتمثل بدعم "الخزينة العامة" لغاية خمسون مليون دولار شهرياً من شهر الى ثلاث اشهر ابتداء من شهر أب القادم وذلك مقابل سندات حكومية نحفظ حقوق جميع الملتزمين وبضمان سدادها حال الافراج عن أموال "المقاصة" واي أموال اخرى تدخل الخزينة.

وبعد تحديد الآلية للتنفيذ قمنا وصندوق الاستثمار الفلسطيني والمجلس التنسيقي للقطاع الخاص بتوجيه رسائل الى المهتمين من رجال الاعمال لحثهم على الاكتتاب بالسندات الحكومية، وللأسف واجهتنا عقبات وردود فعل سلبية من البعض بحجة وجود ديون كبيرة على الحكومة لهم وتفضيل البعض للمساهمة من خلال صندوق يلبي مطلب الحكومة بتوفير القرض بدل اصدار السندات الحكومية، اضافة الى اللغط وضعف الثقة بقدرة الحكومة في التعامل مع الأزمة المالية، وغياب خطة تقشف حكومية واضحة.

هذه المبادرة وللأسف لم يكتب لها النجاح، ولكن وفي ذات الآن علينا أن نواصل العمل من أجل أن تسير الحياة العامة للمواطن الفلسطيني بشكل يضمن حفظ السلم الأهلي ويعزز من صموده ويشعره في ذات الوقت بأن الكل الفلسطيني في خندق واحد؛ قيادة وفصائل وشعب في مواجهة مؤامرة صفقة القرن، ومن هنا يمكن أن نعمل على استنهاض عزيمة "شعب الجبارين"،- كما قال عنه القائد الشهيد ياسر عرفات-، فهذا الشعب الذي تعداده أكثر من 12 مليون انسان (في الداخل والشتات) والذي أعطى وما زال يعطي من دمه وأعمار ابناءه وبناته، حتما سنجد منه "مليون جبار" قادرين على التضحية بجزء من أموالهم بمعدل الف دولار شهريا او سنويا، لكي لا يخضع الشعب الفلسطيني للابتزاز المالي كطريقة لابتزاز سياسي على حساب حقوقه المشروعة، هذه المبادرة ستثبت للقاصي والداني بأننا شعب لن يخضع ولن يركع مهما أتت عليه من نكبات شعب يؤمن بأنه "للحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدقُ".

إن أحد أهم أسباب إنجاح هذه المبادرة يكون بإعادة ثقة الفلسطينيين بالقائمين على المشروع الوطني، ولا شك بأن إعلان الرئيس عن وقف العمل بالاتفاقيات مع دولة الاحتلال يُشكل خطوة مهمة في هذا الاتجاه وهي بحاجة إلى اتباعها بخطوات أخرى أهمها (داخليا): إنهاء الانقسام والبدء الفعلي بتطبيق ما تم الاتفاق عليه في القاهرة عام 2017، فهذا الاتفاق كفيل بإعادة ترتيب البيت الداخلي وتشكيل حكومة وحدة وطنية والذهاب نحو انتخابات عامة (تشريعية، ورئاسية، ومجلس وطني)، حيث طلب الاخ الرئيس ابو مازن من الاخ حنا ناصر، رئيس لجنة الانتخابات المركزية، التحضير للانتخابات العامة-، وهذا يتطلب الالتزام من حركة حماس واعلانها قبول خيار الانتخابات، لكي يتم اتخاذ كل ما يلزم من اجراءات كفيلة ببناء توافق وطني وبرنامج سياسي قائم على أساس الشراكة الوطنية الكاملة في أطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فهناك حاجة لأن يشعر الجميع بأنهم في خندق واحد.

وأيضا تشكيل فريق وطني (مطبخ التفكير) من خيرة الخبرات التي لها أن تضع سياسات عامة تتعلق بتحسين الوضع الداخلي على الصعيد الاقتصادي، والاجتماعي والسياسي، واعداد واعتماد خطة تقشف تكون على اساس ترشيد 30% من النفقات، فهكذا إجراء له أن يعيد ثقة المواطن بالقائمين على المشروع الوطني، ويُحسن من الأداء الداخلي، ويخلق رأي عام مساند لأي مواقف سياسية تتخذها القيادة بناء على توصيات الفريق الوطني، فالمواجهة مع الاحتلال ومع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائهم من العرب وغيرهم تتطلب تصليب الجبهة الداخلية على أسس من المكاشفة والشفافية والمحاسبة واحترام الحريات العامة وسيادة القانون.

كما أن هناك حاجة مُلحة إلى تحسين الأداء الخارجي من خلال تفعيل العمل الدبلوماسي الفلسطيني في جميع أماكن تواجد البعثات الدبلوماسية والجاليات الفلسطينية، وهذا يتطلب اتخاذ اجراءات جدية لإعادة الحياة في هذه المؤسسات والتجمعات وتفعيل عمل دائرة شؤون المغتربين في منظمة التحرير الفلسطينية.

اما على الصعيد العربي فلا بد من التحرك من خلال البرلمانات العربية لدعم واسناد الرؤية الوطنية التي أعدها الفريق الوطني، والعمل مع هذه البرلمانات على تفعيل ما جاء في البيان الختامي لمؤتمر الاتحاد البرلماني العربي الأخير. وبالتوازي العمل مع مؤسسات المجتمع المدني العربي على استنهاض الشارع العربي في مقاومة التطبيع، وتوعيته بالأخطار المحدقة بالشعوب العربية إذا ما استطاعت دولة الاحتلال من تنفيذ خطتها في إقامة "الدولة اليهودية" من النيل إلى الفرات، عِبر سعيها إلى إحياء الهويات الفرعية بهدف تفسيخ النسيج الوطني الجامع وصولا إلى دويلات ضعيفة متحاربة مبنية على أساس طائفي أو اثني أو غيرها، لكي تتمكن كـ"دولة يهودية" من السيطرة عليها وتطويعها واستغلال ثرواتها المادية واستعباد ثرواتها البشرية في خدمة المشروع الصهيوني وخطته التي بُنيت منذ العام 1800م لإقامة إسرائيل الكبرى.

وعلى الصعيد الدولي الاتصال مع البرلمان الاوروبي من أجل استصدار قرارات تؤكد على أن حل الدولتين هو أساس انهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وأن إقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل كفيل بإحلال السلام والرخاء والازدهار في المنطقة والعالم، وأيضا هناك أهمية كبرى في الاتصال مع الدول الأوروبية التي لم تعترف بعد بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران للعام 1967، من أجل حثها على الاعتراف الرسمي، وبخاصة فرنسا وبريطانيا، والدول الأخرى الوازنة في الاتحاد الأوروبي. وهناك حاجة إلى اعادة تفعيل العمل مع دول أمريكا اللاتينية، والدول الافريقية التي طالما عملت على دعم القضية الفلسطينية وشكلت نصيرا لها في المحافل الدولية، ومواصلة العمل مع الدول التي تدعم حقوق الشعب الفلسطيني مثل الصين وروسيا، وتجنيد الدعم السياسي لصالح القضية الفلسطينية من طرف مجموعة الـــ(77) التي ترأسها الأن فلسطين.

انجاح كل ذلك يعتمد علينا نحن وفقط على قدرتنا على إدارة الشأن الفلسطيني العام، وهذا مقرون بوجود إرادة سياسية عند القيادة واعتقد بأنها موجودة وبحاجة إلى دعم من الكل الفلسطيني، فليس لنا إلا ذواتنا لنجابه المؤامرة الكبرى ونحافظ على وجودنا، ففلسطين عصية عن الانكسار وقومها جبارين.

(قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون) صدق الله العظيم.