ترامب يصعد من هجماته على النائبات الأربع وحزبه يلقبهن بـ"الفريق الجهادي"

واشنطن- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات- بعد ثمانية أيام على بدء حملة الريس الأميركي دونالد ترامب ضد النائبات الديمقراطيات "التقدميات" الأربع، إلهان عمر، ورشيدة طليب، وأليكساندريا أوكاسيو كورتز، وآيانا بريسلي، حيث صعد الرئيس يومي الأحد والاثنين ( 21 و 22 تموز 2019) من مهاجمته للنائبات الاربع متهمهن بـ"عدم حب الوطن".

وكتب ترامب تغريدة الأحد/ 21 تموز، عن النائبات الاربع قال فيها "لا أعتقد أن عضوات الكونغرس الأربع قادرات على حب بلدنا.. ينبغي عليهن الاعتذار لأميركا (وإسرائيل) عن الأشياء الرهيبة (البغيضة) التي قلنها.. إنهن يدمرن الحزب الديمقراطي، لكن لا يمكنهن أبداً تدمير أمتنا العظيمة!".

ونشر الحزب الجمهوري تغريدة وصفت النائبات الأربع بـ "الفريق الجهادي" لتشويه صورهن في محاولة لدمغهن بمساندة الإرهاب، خاصة وأن إلهان عمر ورشيدة طليب مسلمتان. ولكن الحزب سرعان ما سحب التغريدة من على موقع تويتر.

يذكر أن ما أثار الجدل بالأساس أن النائبات الأربع الملقبات بـ "الفريق" كن قد شاركن في زيارات مختلفة لمراكز حجز اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين على الحدود الأمريكية المكسيكية وأصدرن تصريحات تدين سياسة الرئيس ترامب بشأن المهاجرين ومعاملتهم، نساء وأطفالا ورجالا، معاملة غير إنسانية، بما في ذلك فصل الأطفال عن آبائهم، ووصف تلك التجمعات التي يحتجزون فيها بـ "معسكرات الاعتقال" الشبيهة بالمعسكرات النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، مما أثار حفيظة الرئيس ترامب.

ودفع ذلك ترامب يوم الأحد، 14 يوليو 2019 إلى نشر عدة تغريدات جارحة على موقع تويتر ضد النائبات الأربع اللواتي يعتبرن من الأقليات الملونة، تضمنت عبارات عنصرية، شككت بانتمائهن الأميركي وحبهن لأمريكا، واتهمهن بمعاداة السامية، وطالبهن بالعودة إلى البلاد "المعطوبة القذرة" التي جئن منها، علما أن ثلاثا منهن (رشيدة طليب/ فلسطينية الأصل، وأليكساندريا كورتيز/ لاىتينية الأصل، وآيانا بريسلي/ أميركية سوداء) تعود جذورهن الى الولايات المتحدة منذ عدة قرون، وهن من مواليد الولايات المتحدة، وفقط النائبة إلهان عمر قدمت إلى الولايات المتحدة كلاجئة وهي طفلة، وحصلت على الجنسية الأميركية.

واستمر الرئيس في حملته ضد النائبات الأربع دون هوادة طوال الأسبوع، ما دفع بمجلس النواب ورئيسته نانسي بيلوسي الى التقدم بمشروع لادانة تغريدات الرئيس، علما أن لغة القرار امتنعت عن اتهام الرئيس ترامب بأنه عنصري، واكتفت بالإشارة إلى أن "لغة الرئيس ترامب هي لغة عنصرية". ونجح مشروع القرار "غير الملزم" الذي لا يحمل إجراءات عقابية ضد الرئيس، بأغلبية كبيرة حيث صوت لصالح القرار (يوم الثلاثاء، 16 تموز 2019 )، 240 نائبا بمن فيهم كل النواب الديمقراطيين، وأربعة نواب جمهوريين، في ضربة معنوية للرئيس، تعتبر الأولى من نوعها.

ولم يكتف ترامب، حيث نظم مهرجانا انتخابيا في مدينة غرينفيل ، ولاية كارولاينا الشمالية يوم الأربعاء، 17 تموز 2019 ، اتهم فيه النائبة عمر بأنها "معادية للسامية" وتعمل من أجل نظام اشتراكي في الولايات المتحدة ، مما دفع مؤيديه للهتاف بصوت عال ودعوته الى "إعادتها من حيث أتت" ، واستمر الهتاف متكررا عدة مرات.

ودافع الرئيس ترامب عن نفسه يوم الخميس (18/7) أمام الصحافة في البيت الأبيض، قائلا بأنه لم يؤيد تلك الهتافات، وأنه انزعج منها ، ولكنه تراجع عن النأي بنفسه عن مؤيديه الجمعة ووصفهم "بالجيدين والمواطنين الذي يحبون وطنهم".

وبحسب الخبراء الذي راقبوا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر حياته المليئة بالقضايا المثيرة للجدل، فإن ترامب يعي تماما ما يفعل، وأن شخصيته النرجسية تزدهر وتتألق مع ارتفاع حدة الجدل ، فليس هناك جديدا فيما قاله، خاصة وأن تعبيرات مثل "عد إلى البلد الذي جئت منه" هي عبارة عنصرية قديمة، طالما استخدمها الجيل الأقدم من الأمريكيين البيض، ضد الأجيال الجديدة، خاصة من المهاجرين ذوي الأصول من دول العالم الثالث. ولكن الجديد أن يقول ذلك رئيس حالي مقيم في البيت الأبيض، متخليا عن الأعراف التاريخية خاصة وأن الرئيس الأمريكي يمثل كل الأمريكيون.

ويعتقد خبراء مثل إي جي ديون من معهد بروكينغز أن الرئيس ترامب يلجأ لهذه الأساليب بصورة متعمدة، من اجل تعزيز قاعدته المكونة العرق الأبيض، الذين يشعرون مثله أن البلاد تزداد تلونا، وأنها مفتوحة للمهاجرين من غير البيض الذين يتدفقون إلى البلاد دون قيود، بما يهدد الأغلبية البيضاء. وان ترامب يعتقد بأنه إذا حافظ على هذه القاعدة التي أوصلته إلى البيت الأبيض في انتخابات عام 2016، فانها ستمكنه من الفوز بدورة ثانية العام المقبل.

وطالما لجأ الرئيس ترامب إلى أسلوب "فرق تسد" مع خصومه، سواء من الجمهوريين أو من الديمقراطيين. ولذلك، فانه يشعر بأن الحزب الجمهوري بات يؤيده بشكل شبه كامل، ولن يوجه انتقادات تنال من موقعه، أو تحديا انتخابيا له، وبالتالي فإن الاستفراد بالنائبات الديمقراطيات اللواتي يثرن الجدل بسبب مواقفهن المؤيدة للمبادئ التي تطالب بها القواعد الأكثر ليبرالية في الحزب الديمقراطي، مثل الرعاية الصحية للجميع، ومسؤولية الحكومة عن تسديد الديون الطلابية، إلى جانب مواقفهن المؤيدة للفلسطينيين وحركة المقاطعة ضد إسرائيل. وبحسب البعض، فان الرئيس ترامب يعتقد أن بإمكانه عزل النائبات الأربع داخل الحزب الديمقراطي، خاصة وأن التوتر يسيطر على علاقتهن مع زعيمة الديمقراطيين نانسي بيلوسي لأسباب عدة، منها دعواتهن لضرورة عزل ترامب، وغيرها من القضايا.

ومما لا شك فيه أن النائبات الأربع ، يشكلن حرجا للقيادات التقليدية في الحزب الديمقراطي، كونهن يتبنين مواقف أكثر "يسارية"، ويسببن الصداع لقيادات الحزب، وخاصة بيلوسي ونائبها ستيني هوير المقرب من اللوبي الإسرائيلي الذي يرى في رشيدة طليب، ورفيقاتها، مصدر إزعاج للأجندة التشريعية كما للتقاليد المتبعة، مثل قيامه بعد كل انتخابات بتنظيم جولة (ممولة من اللوبي الإسرائيلي إيباك) تضم النواب الجدد لزيارة إسرائيل، وان رفض النائبات الأربع المشاركة فيها بل وقيام النائبة طليب (ورفيقاتها) بتنظيم رحلة للنواب الجدد تناقض جولة اللوبي الاسرائيلي لزيارة الضفة الغربية المحتلة حيث ما تزال تقيم جدتها في بلدة "بيت عور الفوقا" وبالتالي فإنهن عرضة للخسارة (بدرجات متفاوتة) في الانتخابات المقبلة ، يوم 3 تشرين الثاني 2020.

يجدر بالذكر أن مستوى تأييدهن (النائبات الأربع) بين القواعد غير التقليدية للحزب يزداد تصاعدا، خاصة وأن القاعدة بدأت تتغير جذريا، جاذبة المهاجرين والأميركيين السود ومن هم من ذوي الأصول اللاتينية ، خاصة من المكسيك ، والأصغر سنا، والأكثر ليبرالية، والأقل تدينا، الأمر الذي يشير إلى أن المعركة الانتخابية المقبلة (تشرين الثاني 2020) ستكون بالغة الإثارة والتجاذب، ليس فقط بين الحزبين، بل أيضا داخل الحزب الديمقراطي.

ولعل ما كتبته النائبات الأربع في الأيام القليلة الماضي، وما صرحن به في مؤتمرات صحفية، وعدم ترددهن باتخاذ مواقف مهاجمة ضد الرئيس، والمغامرة بقيادة الحملة لعزله، يعتبر بمثابة برهان على أن النائبات الأربع يثقن تماما بقدرتهن على الفوز ، رغم الحشد المضاد سياسيا، وتمويليا ضدهن في الانتخابات المقبل.

ولخصت النائبة إلهان عمر مساء الخميس (18/7) هذه المشاعر بتغريدها بأسلوب متحد تقول فيه أنها ستبقى "كابوسًا" للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي كان مؤيدوه قد هاجموها بعنف خلال تجمع انتخابي، ما دفعها إلى وصفه "بالفاشي".

ومن المرجح أن يستمر هذا النهج المحرض "ضد الآخر" الذي اتبعه الرئيس ترامب، خاصة في مهرجاناته الانتخابية، خلال الأشهر الانتخابية الطويلة التي بدأت بقوة منذ أسابيع، كون هذا الأسلوب أثبت فعاليته في تصليب قاعدة مؤيديه في الانتخابات السابقة، كما تمكن الرئيس من تحييد أي تحد من الحزب الجمهوري له، حيث بات خصومه في الحزب، يصطفون ورائه. ولكن ذلك يعتبر سيفا ذو حدين، كون الرئيس يحتاج إلى أصوات المستقلين الذي تشير الدلائل على انزعاجهم من أسلوب الرئيس المُفَرِق.

ومن غير المتوقع ان نشهد تراجعا كبيرا في المواقف، سواءً من الرئيس الأمريكي والحزب الجمهوري من جهة، أو من جانب النائبات الأربع وحزبهن الديمقراطي من جهة أخرى ، الأمر الذي يدل على استمرار الجدل لوقت طويل مقبل.