غول الاستيطان ينهش أطراف قرى جنوب نابلس

- 15 مستوطنة تحيط بمحافظة نابلس وتهدد أراضيها

- عصابات المستوطنين تعربد وتقض مضاجع الآمنين

- مستوطنة "شيلو" تُخرّج مجرمين مُدرَّبين

- حرمان المواطنين من بلوغ أراضيهم وفلاحتها ومستوطنون يزرعونها!

نابلس - "القدس" دوت كوم - بثينة بدر سفاريني - قد تكون كلمة "سرطان"، ذلك المرض الخبيث الذي ينهك الجسم وينهشه ويحتاج تماسُكًا ومقاومةً لصده والتغلب عليه، هي الأنسب لوصف الاستيطان الذي يُحاصر جنوب نابلس، واعتداءات المستوطنين المتواصلة وسعيهم للتمدد وتوسيع مستوطناتهم على حساب أصحاب الأرض وممتلكاتهم.

Screen Shot 2019-07-30 at 1.03.26 PM

هذا ما يقوم به المستوطنون في قرى جنوب نابلس، مع وجود العديد من المستوطنات الجاثمة فوق أراضيها، إضافةً إلى تسلُّلهم إلى هذه القرى والتعرض لأبنائها بالضرب والاعتقال، وحرمانهم من الوصول إلى أراضيهم إلا بتنسيقٍ من سلطة الاحتلال ثلاث مرات في السنة، وتخريب محاصيلهم الزراعية وقطع وحرق أشجار الزيتون.

تسلل "عصابات تدفيع الثمن".. وصراعات يومية

قد يكون أكثر ما يقضّ مضاجع المواطنين الآمنين هو تسلل المستوطنين الذين يُعرفون الآن بــ"عصابات تدفيع الثمن" بين منازلهم، فأصبحت بيوت هؤلاء المواطنين لا تبعد سوى مسافات محدودة عن المستوطنات، كما الحال في قريتي مادما وبورين جنوب نابلس.

يسهل الوصف أمام الواقع الذي يعيشه الأهالي، مثل الحاجة أم أيمن من مادما، التي تعيش وأُسرتها صراعات تكاد تكون يومية مع مستوطني مستوطنة "يتسهار".

تقول أُم أيمن لـ"القدس" دوت كوم: "يبعد بيتنا عن مستوطنة يتسهار نحو كيلو ونصف الكيلو، فلم أسلم أنا وأولادي من اعتداءاتهم المتكررة الذين سيطروا على أرضنا وحرقوا محاصيلنا الزراعية".

وتضيف: "حرس المستوطنة يستفزوننا بأعمالهم العدوانية لإجبارنا على بيع الأرض، ففي العام الماضي ومع حلول عيد الأضحى قطع المستوطنون 40 شجرة زيتون".

15 مستوطنة تحيط بمحافظة نابلس وتُهدد أراضيها

يقول مدير مكتب مركز أبحاث الأراضي في نابلس محمود الصيفي: "إن هناك 15 مستوطنة تلف محافظة نابلس إلى جانب 40 بؤرة استيطانية و14 معسكرًا ونقطة عسكرية، وفي ظل غياب الدور العربي والحصار المالي والأمني المفروض على القيادة والشعب الفلسطيني قام الاحتلال بتوسيع رقعته الاستيطانية".

وعن صورة الاستيطان في جنوب نابلس، يُوضح محمود الصيفي: "يصل مساحة قرية جالود إلى 22 ألف دونم، منها 4500 دونم مصنفة أراضي "ب"، وهي التي تخضع للسيطرة الفلسطينية، وما تبقى مصنفة "ج" وأُقيم عليها العديد من التجمعات الاستيطانية، بدأت بمستوطنة "شيلو" ومستوطنة "شبوت راحيل"، وقد أقامت الأخيرة عدة بؤر استيطانية، منها: "إحيا" و"إيش كودش" و"عادي عاد" و"كيدا".

والحال هي نفسها في قرية قريوت المجاورة لجالود، فإلى جانب مستوطنة "شبوت راحيل" التي تحتل جزءًا من أراضيها، هناك مستوطنة "عيلي" الجاثمة فوقها، وقد أقامت عدة بؤر استيطانية، منها "يوفال" التي فتحت مياه الصرف الصحي باتجاه أراضي القرية ما تسبب بإتلاف نحو 20 دونمًا مزروعة بأشجار الزيتون، 50% أتلفت بالكامل والباقي في طريقها إلى الموت، على حد قول محمود الصيفي.

Screen Shot 2019-07-30 at 12.52.37 PM

ويُضيف الصيفي: "في بورين أقام الاحتلال على أراضيها مستوطنة "هار براخا/ بركة" في الناحية الغربية، و"يتسهار" في الجنوب، موضحًا أنه تمت مصادرة 20 دونمًا من مدرسة القرية، كما أن اعتداءات المستوطنين على الأهالي لا تتوقف، فقد تصل إلى 6 اعتداءات شهريًا تتنوع ما بين إعطاب السيارات وكتابة شعارات عنصرية وشق الطرق الأمنية خدمةً للمستوطنين.

وفي اللبن الشرقية، استولت مستوطنة "عيلي" على مئات الدونمات، كما أحرق مستوطنون في الآونة الأخيرة 50 شجرة زيتون إلى جانب إعطاب 26 سيارة، على حد قول محمود الصيفي.

ويُشير الصيفي إلى أن جمعية "رجافيم" الإسرائيلية حرّضت حكومة الاحتلال على هدم خمسة منازل ومنشآت تابعة للقرية بحجة أنها خطر على المستوطنين، إضافةً إلى إغلاق مدرسة اللبن/الساوية الثانوية الواقعة على الشارع الرئيس بذريعة قيام الطلاب برشق المستوطنين بالحجارة، وقد صدر قرار بهذا الأمر، إلا أن المواطنين تصدوا له.

مخطط لطريق التفافي من زعترة حتى "دوار مستوطنة يتسهار"

يوضح الصيفي أن هناك مخططًا لإقامة طريق التفافي بطول 4 كيلومترات، وعرضه 40 مترًا، يبدأ من قرية زعترة جنوب المدينة وينتهي عند ما يسمى دوار مستوطنة يتسهار، وسيمر من أراضي يتما وبيتا وبورين وياسوف وحوارة، حيث سيصادر من الأخيرة 400 دونم.

ويشير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي أخلى في عام 2018 بؤرة استيطانية تسمى"عامونا" في رام الله، وتبع ذلك نقل البيوت المتنقلة في المستوطنة إلى أُخرى تسمى "عميحاي" على أراضي جالود، وذلك لربطها بمستوطنتي "شبوت راحيل" و"شيلو" وجميع البؤر الجاثمة على أراضي جالود المذكورة في الأعلى.

ويقول الصيفي: "يهدف الاحتلال للاستيلاء على المزيد من أراضي الضفة الغربية، خاصةً السفوح الشرقية والقدس، من أجل تنفيذ مشروع القدس الكبرى 2020، الذي من أهم أهدافه زيادة نسبة اليهود بالقدس لـ 70٪ مقابل 30% فلسطينيين".

ويوضح الصيفي أن هجمات المستوطنين على قرى جنوب نابلس أصبحت يقوم بها عصابات منظمة تسمى "تدفيع الثمن" التي تأسست عام 1974 تحت مسمى "غوش إمونيم" التي أقامت معظم المستعمرات بالضفة الغربية، وفي عام 2000 وجّه شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، نداء للمستوطنين باحتلال التلال، فأطلق عليهم اسمًا آخر "شباب التلال".

وفي آخر ثلاث سنوات ظهر اسم عصابات "تدفيع الثمن" التي تدخل قرى جنوب نابلس في ساعات متأخرة للاعتداء على الأهالي والقيام بأعمال استفزازية.

مستوطنة "شيلو" مركز تدريب عصابات المستوطنين

وفي السياق ذاته، يوضح منسق اللجنة الشعبية لمقاومة الاستيطان في جنوب نابلس بشار القريوتي أن مستوطنة "شيلو" التي أُنشئت على أراضي المواطنين عام 1978 تقود كافة التجمعات الاستيطانية في جنوب نابلس، فهي تُخَرّج المستوطنين والعصابات وتُدربهم على كيفية الاستيلاء على الأراضي وإنشاء البؤر الاستيطانية من خلال الجامعة العبرية الموجودة فيها.

وذكر أنّ الاحتلال الإسرائيلي يسمح لسكان قرية قريوت بالوصول إلى أراضيهم ثلاث مرات سنويًا مع فرض الفحص الأمني عليهم، مشيرًا إلى أن الاحتلال أصبح في الآونة الأخيرة يصور الأراضي على أنها غير مملوكة، مع أنه هو الذي يمنع الأهالي من الوصول إليها، وقد قتل مواطنين قي قريتي قصرة وجالود عندما فعلوا ذلك.

دور المقاومة الشعبية

عن دور المقاومة الشعبية في صدّ الاستيطان، يقول منسق اللجنة الشعبية لمقاومة الاستيطان في جنوب نابلس بشار القريوتي: "أكثر من مرة تعرضنا للاعتقال والضرب، كما تم تهديد الناشطين ضد الاستيطان بالاعتداء على منازلهم".

ويضيف: "نقوم بتوثيق الاعتداءات، كما نتصدى لهجمات المستوطنين المباشرة، ونسلط الضوء على أفعالهم من خلال رفع تقارير للمحاكم الدولية".

مستوطنة "رحاليم" تتوسع على حساب أراضي الساوية

ويقول المزارع زياد السيد من قرية الساوية: "إن الوضع سيئ، فلا أملك الشجاعة للوصول إلى أرضي بسبب مستوطنة "رحاليم"، حتى عندما أُنسق مع الاحتلال لحرثها أجد قطعان المستوطنين والجنود فيها"، مضيفاً: مستوطنة "رحاليم" تتوسع وتستولي على الأرض.

ويقول المزارع يعقوب قاسم: "أصبح الشخص يقطف الزيتون وكأنه يسرق كي لا يصطدم مع المستوطنين".

ويوضح رئيس مجلس قروي الساوية مراد أبو راس أن مساحة أراضي القرية نحو 11 ألف دونم، وقد استحوذت مستوطنتي "عيلي" من الجهة الشرقية و"رحاليم" من الجهة الشمالية على نحو 4 آلاف دونم من الأراضي، عدا المناطق القريبة من المستوطنات التي أصبحت غير آمنة وبحاجة إلى تنسيق للوصول إليها.

ويقول أبو راس لـ "القدس" دوت كوم: إن 94,5% من أراضي الساوية مصنفة (ج)، أي تحت السيطرة الإسرائيلية وما تبقى 5,5% (ب)، مشيراً إلى أن "أراضي (ج) لم يتم الاستيلاء عليها كلها من سلطات الاحتلال، لذلك فإنّ البناء فيها يُعد مغامرة كون الأرض معرضة للمصادرة".

WhatsApp Image 2019-07-30 at 12.56.25 PM

كما يشير إلى أن اعتداءات المستوطنين على القرية يومية، خاصةً مستوطني مستعمرة "رحاليم".

WhatsApp Image 2019-07-30 at 12.55.52 PM

ويذكر مراد أبو راس لـ"القدس" دوت كوم أن المستوطنين يقومون بزراعة الأراضي غير المصادرة التي لا يستطيع أصحابها الوصول إليها، لافتًا إلى إقرار الاحتلال قانوناً جديداً ينص على مصادرة الأراضي التي لا تتم زراعتها.

ويوضح أن "اللجان الشعبية تُحاول صد هجمات المستوطنين، لكن حتى وصول الشرطة الفلسطينية بحاجة إلى تنسيق مسبق مع سلطة الاحتلال".

عصيرة القبلية مُحاصرة بالمستوطنات

وعلى الصعيد نفسه، يقول رئيس مجلس قروي عصيرة القبلية حافظ صالح: إن مساحة القرية 8500 دونم، صودر منها نحو 1500 دونم لصالح مستوطنة "يتسهار" من الناحية الشرقية، وحُرم المزارعون من عام 1982، وبشكل تدريجي، من الوصول إلى أراضيهم، موضحاً أنه إلى جانب المستوطنة أقام الاحتلال معسكراً على أراضي القرية.

ويوضح صالح أن مستوطنة "يتسهار" مقامة على أراضي (ج)، حتى إن الأراضي المصنفة (ب) القريبة منها أصبحت منطقة احتكاك مع جنود الاحتلال والمستوطنين.

توجهت أنظار سكان عصيرة إلى المناطق الغربية في القرية لبناء منازلهم، ليجدوا مستوطنةً أُخرى جاثمة على أراضيهم تسمى "جلعاد"، كما يوضح حافظ صالح.

Screen Shot 2019-07-30 at 12.54.07 PM

ويقول صالح: إن اعتداءات المستوطنين وصلت إلى 20 اعتداء في 2018، ومنها ما كان مُباشراً على المنازل، وكل ذلك على أيدي عصابات تدفيع الثمن.

وحول وضعهم في قرية عصيرة القبلية، يقول المزارع عبد الكريم عمر: "إن مستوطنة "جلعاد" تدهم المنازل في الليل، فهناك 12 منزلاً قريباً من المستوطنة، فأصبحنا محاصرين، ونعيش في رعب بسبب تسلل قطعان المستوطنين بين البيوت".

أما حسام إسماعيل، الذي لا يخاف المستوطنين، الذين منعوه من حراثة أرضه وهي مصنفة (ب)، فعاد مرة ثانية لإثبات حقه فيها.

ومنير درويش الذي رفع قضية ضد المستوطنين بعد تعرضه لاعتداء مباشر منهم، يقول: إن المحاكمة كانت شكلية تقف إلى جانب المستوطنين من دون وجه حق.

حرمان مادما حتى من نبع "الماء"

والحال ليس أفضل في قرية مادما المجاورة لعصيرة القبلية، فاعتداءات المستوطنين في المنطقة الجنوبية المحاذية لـ"يتسهار" مستمرة منذ نحو 4 سنوات، من تجريف الأراضي وحرق الأشجار وحرمان الأهالي من نبع مياه "عين الشعرة"، كما يوضح نائب رئيس مجلس قروي مادما شادي زيادة.

ويقول زيادة: "يسعى المستوطنون إلى توسيع مستوطناتهم، لذلك يمنعون تمديد العمران في القرية عن طريق الاعتداء على السكان وعلى ممتلكاتهم، مشيراً إلى أن اعتداءات المستوطنين تصل إلى 6 اعتداءات شهريًا".

ويُوضح زيادة أن نحو 100 دونم من أراضي مادما لا يستطيع المواطنون الوصول إليها، مشيراً إلى أن المستوطنين حاولوا السيطرة على جميع الأراضي المصنفة (ج) في المنطقة الجنوبية.

ويقول زيادة: إنه في 2018 تم إنشاء "وحدة مساعدة قانونية" بالتنسيق مع مركز أبحاث الأراضي بهدف توثيق اعتداءات المستوطنين في جنوب نابلس، وتوعية المواطنين حول كيفية التعامل مع الإخطارات الإسرائيلية وإعداد ملف قانوني لرفعه إلى محاكم الاحتلال".