«النصرة» ورقة واشنطن الأخيرة!

بقلم: يونس السيد

ليست المرة الأولى التي تلعب فيها واشنطن بورقة تنظيمات مصنفة «إرهابية»، فقد سبق أن لعبت، في مرات عدة، ورقة تنظيم «داعش» بقدر ما كان يخدم توظيف هذه الورقة مصالحها وسياساتها في المنطقة، على الرغم من تشكيل تحالف دولي؛ لمحاربته.

اليوم يأتي دور توظيف ورقة «جبهة النصرة»، التي تبسط سيطرتها الآن على معظم محافظة إدلب، وبعض الأجزاء من محافظتي حماة وحلب، والتي كانت على الدوام فرعاً لتنظيم «القاعدة» في بلاد الشام، واضطرت لخلع هذه العباءة على أمل أن تجد من يدخلها في قائمة فصائل ما يُوصف ب«المعارضة المعتدلة»، التي لم يتبق منها سوى الاسم فقط، من دون أن تتخلى عن فكر «القاعدة»، ونهجها الإرهابي، في محاولة للمحافظة على وجودها، وتوفير الحماية والدعم المطلوبين لها من قبل جهات إقليمية ودولية.

لقد حاولت أنقرة، في البداية، الاضطلاع بهذا الدور تحت عنوان: «إعادة تأهيل النصرة»، وضمها للمعارضة «المعتدلة»، وتحت هذا العنوان أمدتها أنقرة بكل أنواع الدعم العسكري واللوجستي، بما في ذلك أسلحة حديثة ونوعية، قد لا يمتلكها الجيش السوري نفسه، إلا أن هذه المحاولة اصطدمت برفض قاطع من دمشق وموسكو، خصوصاً وأن اتفاق «سوتشي» (الروسي - التركي)؛ يقضي بإخراج «النصرة» من المنطقة العازلة في المرحلة الأولى، ثم إيجاد حل نهائي لمسلحيها قبل أن يصار إلى عودة إدلب إلى حضن الدولة السورية. غير أن ما حدث هو العكس تماماً، فتركيا التي لها حساباتها الخاصة في الشمال السوري، وضعت ثقلها وراء «جبهة النصرة»، ما أتاح للأخيرة ليس فقط القدرة على مواجهة هجوم الجيش السوري؛ بل الظهور بمظهر الفصيل القائد والمبادر أحياناً في شن الهجمات المعاكسة، ما أثار حفيظة موسكو التي لا تزال تتصرف بحذر حيال هذه القضية، انطلاقاً من حسابات خاصة تتجاوز إدلب والشمال السوري إلى العلاقة المركبة والمتشابكة مع أنقرة، وعلاقة هذه الأخيرة مع واشنطن والغرب عموماً، خصوصاً على خلفية صفقة صواريخ «إس - 400» والعقوبات الأوروبية والأمريكية المفروضة على تركيا.

على هذه الخلفية، قررت واشنطن الدخول على خط الأزمة شمال غربي سوريا؛ بعد أن تمكنت من إعادة ترتيب أوضاع شمال شرقها بالتعاون مع حلفائها الأكراد، وبدأت في حل معضلة انسحاب قواتها؛ بإحلال شركات عسكرية خاصة، بلغ قوام أفراد العاملين فيها حتى الآن أكثر من أربعة آلاف، أي ربما أكثر من عدد الجنود الأمريكيين المتواجدين في تلك المنطقة. والآن لماذا لا تقوم واشنطن بتوظيف ورقة «النصرة» طالما أن ذلك يخدم سياساتها، ويعرقل مخططات دمشق وموسكو في السيطرة على شمال غربي البلاد. أولى الخطوات، بحسب موسكو، هي التمهيد لنزع صفة الإرهاب عن «جبهة النصرة»، ومحاولة إقناع مجلس الأمن بإعادة النظر في قراره على أمل إظهار «النصرة» كمعارضة «معتدلة» يمكن استخدامها وفرضها في أي تسوية محتملة للصراع السوري. غير أن الطريق ليس معبداً أمام واشنطن، فهناك «الفيتو» الروسي الجاهز دوماً؛ لمنع استغلال مثل هذه الحالات؛ بل هناك الإصرار الروسي بالتعاون مع الجيش السوري على محاربة «النصرة» في الميدان، وإنهاء وجودها في الشمال الغربي السوري مهما كان الثمن.