المواطنة الصالحة ... عماد الوطن

 

بقلم: د. سـائـد الـكونـي

لا شك أن الفرحة بالنجاح في امتحان الثانوية العامة فرحة مشروعة لا تعادلها فرحة لأنها تشكل حصاد سنوات طويلة من غرس الأيام وسهر الليالي الطوال من قبل الطلبة وأولياء أمورهم. وإذا ما أخذنا بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "أعمار أمتي ما بين الستين الى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك" لعلمنا مكمن تلك الفرحة في كونها تعكس حصيلة إنجاز ما يقارب ثلث العمر أو جُله لكثرة ما نسمعه هذه الأيام من موت الفجأة في صفوف الأجيال الشابة. وقد قيل في تفسير هذا الحديث أن الله جل وعلا قصّر أعمار أبناء هذه الأمة مقارنةً بغيرها ومن سلف من الأمم رحمةً بهم كي لا يبطروا ويستعلوا في الأرض فيقلل حسابهم يوم القيامة ولا يتأخروا في دخول الجنة، وعوضهم بالدنيا بمضاعفة الأجر والفرحة والبركات في مناسبات ومحطات حياتية معدودة، أحسب أن الثانوية العامة قد تكون إحداها إن ابتغاها الفرد لإعمار الكون فيما يُرضي الله عنه، والله تعالى أعلى وأعلم. 

ولكن، وإن كانت فرحة النجاح مشروعة، لا بد من أن تكون الوسيلة لها أيضاً مشروعة، غير مكروهةٍ أو ممنوعة، لما تسببه من إزعاجٍ للآخرين أو قد تلحقه بهم من ضرر، وذلك ما شهدناه في يوم إعلان نتائج الثانوية العامة للعام الدراسي 2019/2020، فما أن قارب مؤشر الساعة يقترب من الثامنة صباحاً، حتى بدأت أصوات المفرقعات النارية تخترق حاجز الصوت في معظم أنحاء الوطن ونارها تغزو عنان السماء معلنة وصول الرسائل الكترونية لأجهزة الاتصال الخليوية بالنتائج المنتظرة لأصحابها، وبات يُسمع هنا وهناك رشقات من أسلحة نارية علا صوتها فوق جميع الأصوات، ما تسبب في حالات ذعر وازعاج للكثيرين، وإصابات جسدية وخسائر مادية لبعضهم، فما هكذا تورد يا سعد الإبل، فهل من المناسب أو الأدب وحسن الخلق أو المروءة أن يفرح الفرد على طريقته غير مبالٍ بما يتسبب فيه من ضرر أو ازعاج وترويعٍ للآمنيين، أو تراه نسيَ مطالباته السابقة المتكررة عبر مختلف وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة قبل شهر أو أكثر لأولئك المتضررين والمروعيّن حالياً وسواهم من المواطنين بضرورة مراعاة ظروف من يتهيأون للتقدم لامتحان الانجاز والوقوف إلى جانبهم ومساندتهم بحسن الانضباط لتمكينهم من اجتياز بسلام وطمأنية محطة مفصلية وهامة من محطات حياتهم، أم حرامٌ على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس؟

أمرٌ غريب ما وصل إليه مجتمعنا من حالة تفكك للرباط الجمعي وصولاً إلى مفهوم "حارة كل مين إيدو إلو"، ونعتب بعد كل ذلك وذاك على تقصير أصحاب القرار في متابعة سلوكيات مجتمعية ضارة، نحن أساس البلية فيها، ومنها أيضاً التشحيط والتفحيط بالسيارات وتعريض الناس وممتلكاتهم للضرر. أليس بالامكان أن يضبط كل ولي أمر تصرفات أولاده؟ أم يفشل هو في ذلك ويُطالب به غيره؟ أم يحق له في كثيرٍ من القضايا ما لا يجوز لغيره؟ أسئلة برسم الاجابة من قبل كلٍ منا في اطار ممارسة مفهوم المواطنة الصالحة التي تشكل عماد الوطن الصالح الذي نرغب بالعيش فيه بأمنٍ وأمان وكرامة. 

قد لا يرى آخرون، خاصة بين الأوساط العمرية الشابة، غضاضةً في التعبير عن فرحة النجاح وغيرها من المناسبات باستخدام المفرقعات والألعاب النارية، وقد يكون لهم في مناسبات رأس السنة الميلادية أو الوطنية في الكثير من البلدان الغربية خير شاهدٍ ومثال، ولكن فليكن معلوماً أنه يجري تنظيم ومتابعة تلك الألعاب من قبل الجهات المدنية المحلية المسؤولة وفق استعدادات لوجستية وطبية مناسبة لها، وفي مناطق نائية محددة غير مؤهلة تجنباً لأي أضرار بشرية أو مادية محتملة، فهل هذا هو الحال لدينا؟

وأخيراً، إن واقع الأزمة الاقتصادية الفلسطينية الراهنة بسبب ممارسات الاحتلال وانقطاع المساعدات والقروض والمنح الأجنبية للسلطة الوطنية الفلسطينية في إطار الضغوطات السياسية الدولية التي تُمارس على شعبنا وقيادته للرضوخ والقبول بصفقة الذل والعار، والتي زادت حدتها بعدم القدرة على دفع كامل الرواتب الشهرية للموظفين العموميين وما سببه ذلك في تباطؤ عجلة النمو والتطور الاقتصادي والتي طالت كافة القطاعات بطريقة أو أخرى، تطرح سؤالاً آخرً برسم الاجابة من قبل كل ذي عقلٍ فطين: أليس من باب أولى أن يُرشّد المواطن نفقاته ويدخر قرشه الأبيض ليومه الأسود، خاصة وأننا مقبلون على نفقات كبيرة لمناسبات عديدة من أقساط جامعية للناجحين في الثانوية، وأقساط مدارس على الأبواب، ومتطلبات فرحة عيد الأضحى المبارك، وغيرها من المناسبات الفردية الخاصة، وكلها محطات هامة من تلك القلة المعدودات علينا في حياتنا، وتتطلب منا التكافل والتراحم المجتمعي لإعانة المحتاج وإغاثة الملهوف. فهل نحن ندرك ونقدر جدية الموقف وخطورة القادم؟ وهل أحسنا الاستعداد لمواجهته؟ فالصدح برفض صفقة القرن لوحده لا يكفي. أما من منظورٍ وطني، هل نُدرك أن المصدر الرئيس لتلك المفرقعات يأتي من المستوطنات الاسرائيلية المقامة على الأرض الفلسطينية، وبشرائنا لها نهدر مدخراتنا على دعم صمود تلك المغتصبات وتوسعها وفي ذات الوقت نقوض صمودنا نحن على ما تبقى من أرضنا، إن كنا لا نعلم فتلك مصيبة، وإن كنا نعلم فالمصيبة أعظم!