٥٠ عاما من الكتابة والعمل الصحفي

بقلم: ابراهيم دعيبس

كنت في مطلع شبابي احب الشعر والشعراء خاصة المتنبي قديما ونزار قباني حديثا .. وقد كتبت عدة قصائد وحاولت نشرها في صحيفة «القدس»، وكان يعمل فيها انذاك الصديق العزيز المرحوم محمد عبد السلام وحين قابلته لاول مرة وقرأ بعض ما كتبته من قصائد، قال لي هذه ليست قصائد وانما مقالات واقترح عليك ان تكتب نثرا وليس شعرا وكان الصديق المرحوم محمد ابو شلباية يكتب بالصحيفة آنذاك مقالات بعنوان «هذا رأيي» ، وذهبت لأسلم عليه وقد شجعني وقال لي اكتب رأيك وما تفكر به ولا تهتم لأي شيء آخر.

كان ذلك اليوم مميزا جدا بالنسبة لي وفي الاسبوع نفسه في تموز ١٩٦٩، اطلق الاميركيون مركبة وهبط على القمر من خلالها اول انسان وكان اسمه نيل ارمسترونغ، وقد رأيناه وكل العالم، وهو يسير على سطح القمر وكان الحديث عظيما ومؤثرا وموضع اهتمام لا يوصف، وذهب البعض من المتعلقين فكريا الى عدم تصديق الرواية وقالوا ان ما رأيناه كان فيلما وليس حقيقة.

وكان الحدث التاريخي هذا مفصلا هاما لي، وكان مناسبة لتنفيذ نصائح المرحومين عبد السلام وابو شلباية، وكتبت اول مقال لي بعنوان «رمضان ابوللو .. والقمر».

ابوللو كانت المركبة التي اوصلت اول انسان الى القمر، وكنا في الوقت نفسه في بداية متوقعة لشهر رمضان الكريم، وكان بعض رجال الدين، وكالعادة، يطلبون من الناس مشاهده القمر لكي يبدأ شهر رمضان، وكانت المناسبة فرصة لي كشاب متحمس وافكر بالتطوير والمستقبل ان اكتب مقالي الاول في ٢٠ تموز ١٩٦٩ وانتقد فيه بقوة العقلية المتمسكة بالتقاليد، وقلت ان العلم يعرف تماما متى يظهر القمر ومتى يختفي وبأي مكان وأي زمان، وان علينا الا نعتمد على الرؤية النظرية فقط وانما الرؤية العلمية اولا وبالمقدمة.

وضجّت بعض الاقلام وبدأت ردود الفعل تتوالى على ما طرحته في اول مقال لي وبينهم رجال دين وشيوخ ومغنين، وكنت ارد عليهم اسبوعيا، وكان آخر مقال لي حول هذا الموضوع بعنوان «كل عام والجميع بخير». اي مر شهر كامل والنقاش محتدم.

ولم يكن النقاش في جريدة «القدس» فقط وانما في كل الاماكن وعبر الفضائيات القليلة وكانت لبنانية في معظمها، وكان الجدل حول ما دعوت اليه، لا بسبب ما كتبته ولكن بالتفكير المشابه لدى كثيرين ... وبينما كنت اتابع فضائية لبنانية وهي تناقض الفكرة نفسها، اتضح لي ان مؤتمر كبار الشيوخ قد انعقد في اندونيسيا وقرروا خلاله ان الرؤية لا تتمثل فقط بالمشاهدة خلال الاعين ولكن بالرؤية العلمية ان صدرت عن رجال دين مسلمين مؤهلين وتقاة.

وقد اشرت الى هذا الموقف الشجاع والقوي في احد ردودي، وانحسم الامر ولم يعد احد يناقش بعد هذا الموقف الواضح من مرجعيات دينية موثوقة.

اليوم في تموز ٢٠١٩ تكون قد مرت خمسون سنة علي من العمل الصحفي والكتابي . وقد عملت في اكثر من جريدة ولكن الوقت الاطول والتجرية الاجمل والاشمل كانت في جريدة «القدس» مع الذكريات الطويلة والكثيرة.

ويشهد الله وكل من عرفني او كان زميلا بالعمل اني لم انافق يوما ولم اتودد او اطلب التقرب من أحد، وكان ضميري وفكري ومشاعري هي التي تحركني وكنت اكتب ما اراه صحيحا او لا اكتب اطلاقا. ولا اود في هذا السياق ان اتحدث عن تجارب سلبية كثيرة مع بعض الصحفيين والصحفيات لان هذا صار شيئا من الماضي ولم تعد له اية قيمة او أهمية، ولكن ما اود ان اشير اليه هو انني كنت مع مجموعة من الصحفيين اول من اسس نقابة الصحفيين الفلسطينيين وكان مقرها بالقدس اساسا، وقد اجرينا اول انتخابات بالقدس وفاز بالعضوية المرحومان فؤاد سعد والشاعر احمد عيد احمد، بالاضافة الى الزميلين محمد عوض وصالح صيام وانا وكانت ذلك في ٢٣/٤/١٩٧٩، وكان لهذا الانجاز ردود فعل واسعة معظمها ضد الفكرة لانها كانت من مستقلين وليس من اعضاء التنظيمات المختلفة. وعانينا نتيجة ذلك وتوجه اثنان منا الى عمان ثم الى دمشق والى بيروت للقاء القائد الشهيد ابو جهاد ولتوضيح الموقف ووجهة النظر، وبعد ذلك اجرينا انتخابات وفاز فيها ممثلو التنظيمات وبدأ المركب يسير حتى اليوم.

بعد هذه السنوات والتجارب العديدة ازددت اقتناعا ان الاعلام عموما، وبالوطن العربي خصوصا، غير مستقل وانه يتبع مصالح ومواقف اصحابه، إلا ما ندر من حالات او كتابات وافكار ولا اريد ان اتحدث عن تجربتي في هذا السياق، ولكني اقول اني لم اكتب كلمة واحدة باسمي الا اذا كانت تعبر عما افكر به ولم اجامل احدا ولم انافق ولم احاول الوصول الى اي مركز او موقع ... وانا سعيد بذلك واشعر بالارتياح بعد هذه السنوات الطوال، والحمد الله، وقد اختصرت او تجاهلت الكثير من القصص والتفاصيل في هذا السياق.

مع ملاحظة اخيرة وهي اني كنت بالاضافة الى عملي الصحفي معلما ومديرا ومؤسسا لمدرسة ثانوية بالقدس وليس هذا مجال الحديث عن ذلك.