صيادو غزة .. قصة كفاح من أجل "لقمة عيش" مغمسة بالمعاناة والدماء

غزة - "القدس" دوت كوم - محمود أبو عواد- لم تكتمل فرحة الصياد أحمد الهسي باستعادته لقاربه الذي صادرته البحرية الإسرائيلية منذ نحو عام ونصف في عرض ساحل مدينة غزة، بعد أن هاجمت مراكب الصيادين حينها واعتقلت نجله وصياد آخر كانوا على متن ذاك القارب، الذي أُعيد بلا محرك وبدون معدات الصيد، وبحالة يرثى لها بعد التخريب المتعمد له.

وكان الهسي ينتظر أن يعود له قاربه بمعداته كاملةً على أمل أن يبحر به مجددًا قبالة سواحل القطاع بحثًا عن رزقه الذي تعطل لوقت طويل بعد مصادرة مركبه، إلا أن الاحتلال نغص عليه فرحته كما هو الحال مع عدد من الصيادين الذين أعيدت لهم مراكبهم بعد أن هاجمتها الزوارق الإسرائيلية واقتادتها باعتقال من كانوا على متنها إلى ميناء أسدود، قبل أن يتم الإفراج عنهم وتبقي على المراكب مصادرة.

وأعادت السلطات الإسرائيلية منذ بداية يوليو/ تموز الجاري، 40 قاربًا من بين نحو 70 تحتجزهم منذ أشهر وسنوات عدة، وذلك بقرار قضائي انتزعته مراكز حقوقية فلسطينية وإسرائيلية، وفي خطوة اعتبرت جزءًا من التفاهمات التي يتم تطبيقها في الآونة الأخيرة بين حماس والفصائل الفلسطينية من جهة، والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، برعاية المخابرات المصرية، وقطر، والأمم المتحدة.

ويقول الصياد الهسي لـ ا"لقدس" دوت كوم، إنه منذ مصادرة مركبه أصبح متعطلًا وأبنائه الأربعة عن العمل، وبلا أي دخل مادي لعائلته المكونة من 13 فردًا. مشيرًا إلى أن نجله أفرج عنه بعد ساعات من اعتقاله حين وقعت تلك الحادثة.

وبين أن مركبه بحاجة لأكثر من 12 ألف دولار لإعادته من جديد للعمل خاصةً وأن الاحتلال تعمد سرقة محركه، ومعدات الصيد التي كانت على متنه ولم يعيدها. مشيرًا إلى أن بعض المحركات التي أعادها للصيادين لم تعد صالحة للعمل بعد تخريبها من قبل بحرية الاحتلال.

ولفت إلى أن أبنائه يضطرون في بعض الأحيان القليلة جدًا للخروج للصيد مع عدد من الصيادين للبحث عن لقمة عيشهم في ظل عدم امتلاكهم لقارب خاص بهم للعمل كما كان قبل مصادرته. مشيرًا إلى أنهم لا يكادون يجمعون ما يكفيهم من مصروف شخصي يومي من عملهم مع الآخرين.

وأشار إلى أنه لن يستطيع في الوقت الحالي إعادة القارب للعمل خاصةً وأنه بحاجة لعملية ترميم كبيرة وبمبالغ باهظة لن يستطيع توفيرها بسهولة، وستحتاج هذه العملية لوقت طويل في ظل منع الاحتلال إدخال المواد الخاصة بإعادة ترميم القوارب منذ 13 عامًا بحجة أنها تستخدم في تصنيع الصواريخ والمتفجرات وغيرها.

انهيار صناعة قوارب الصيد

وتمنع سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ فرض الحصار على قطاع غزة منذ عام 2006، إدخال عشرات من أنواع المواد التي تحظرها تحت مسمى "الاستخدام المزدوج"، ومن بينها مواد تستخدم في تصنيع قوارب الصيد مثل مادة -الفيبر جلاس-، التي تعتبر من المواد الهامة في عملية تصنيع القوارب، وبفعل حظرها إلى جانب مواد أخرى، توقفت عملية تصنيع القوارب منذ عدة سنوات، خاصةً بعد وقف تهريب كميات محدودة منها من مصر عبر الأنفاق أو الشريط الساحلي.

ويقول الهسي، إن هذا عائق آخر أمام الصيادين الذين يريدون ترميم وتجديد قواربهم، أو إنشاء قوارب أخرى تستطيع مجاراة عامل التطور للوصول لمسافات بعيدة في عرض البحر، خاصةً مع سماح الاحتلال للصيادين لدخول مسافة 12 و 15 ميلاً بحريًا. مشيرًا إلى أن منع إدخال تلك المواد أثر بشكل كبير على الصيادين وعلى العاملين في مجال صناعة القوارب وأصبحوا متعطلين عن العمل.

ويعمل عددًا من الصيادين وخاصةً القدامى منهم في عملية صنع تلك القوارب، إلا أنهم انضموا لقوائم البطالة بعد أن أصبحوا بلا عمل يعينهم على ظروف حياتهم، ليلتحقوا بمئات الآلاف من العمال الذين يعيشون على المساعدات الإنسانية الإغاثية من المؤسسات الدولية المختلفة والتي شهدت تقليصًا محدودًا في السنوات الأخيرة بفعل العديد من الإجراءات التي تتخذ ضد الفلسطينيين بشكل عام، وغزة خاصةً.

ويشير يوسف بكر (أحد الصيادين القدامى الذي يعمل في صناعة القوارب)، إلى أن مهنتهم توقفت بشكل كامل في غزة، ولم تعد موجودة، بعد منع الاحتلال إدخال المواد التي تستخدم في عملية صناعة القوارب، وحتى عملية ترميمها. مشيرًا في حديث لـ القدس، إلى أن جميع من كان يعمل في هذه المهنة أصبحوا عاطلين عن العمل وباتوا يعيشون تحت خط الفقر.

ولفت إلى أن نحو 500 مواطن يعملون في تلك المهنة، ما بين أيدي عاملة وما بين تجار يستوردون مستلزمات عملية صناعة القوارب، مشيرًا إلى أن كل فرد منهم يعيل عائلة كبيرة، وجميعهم أصبحوا بلا دخل مادي، وباتت عائلاتهم تعيش ظروفًا حياتية مأساوية.

وأشار بكر إلى أن تكلفة صناعة القارب الواحد تصل إلى أكثر من 15 ألف دولار، بكامل معداته. فيما تصل تكلفته إلى أكثر من 5 آلاف دولار بدون أي معدات (أي مجرد هيكله).

وأعرب عن أمله في أن تحقق تفاهمات الهدوء اختراقًا حقيقيًا يسمح بإعادة إدخال تلك المواد كما أعلن في وسائل الإعلام عن ذلك. مشيرًا إلى أن عودة إدخالها سينعش آمالهم في استعادة صناعتهم لبريقها، وتحسن أوضاعهم الاقتصادية التي ستمكنهم والصيادين من تحسين أحوالهم المعيشية، وإن كان ذلك التحسن سيكون محدودًا في ظل الظروف العامة التي يشهدها القطاع بفعل الحصار الإسرائيلي المتواصل.

انتهاكات وعقاب جماعي

ولا تتوقف معاناة الصيادين عند تلك الإجراءات، بل تمتد لاعتداءات وانتهاكات ميدانية يومية بحقهم من قبل زوارق الاحتلال التي لا تكاد تتوقف نيران أسلحتها الرشاشة عن استهداف مراكبهم قبالة سواحل القطاع.

وتشير إحصائيات متطابقة، إلى أن نحو 4 آلاف صياد، وأكثر من الف مركب من مختلف الأحجام يعملون في عرض بحر القطاع، حيث تضيق قوات الاحتلال عليهم باستمرار من خلال انتهاكات مختلفة.

ويأمل الصيادون الذين يلاحقون لقمة عيشهم، في اليوم الذي تتوقف فيه الاعتداءات الإسرائيلية بحقهم لما تشكله من خطرًا كبيرًا على حياتهم، حيث يتعرضون باستمرار لسلسلة من الهجمات التي تشنها قوات البحرية للتضييق عليهم في كسب رزقهم.

ويقول الصياد حسن أبو ريالة، إن قوات الاحتلال تتعمد استهدافهم بشكل يومي وتعمل على ملاحقتهم حتى داخل المساحة التي تحددها لهم للإبحار بها. مشيرًا إلى أنه تكررت عملية تخريب شباكهم ومعدات الصيد التي يملكونها، وطردهم من البحر تحت وابل النيران، بهدف التنغيص عليهم، وحرمانهم من كسب قوت يومهم.

ويضيف لـ القدس، لقمة عيش الصيادين في غزة مغمسة بالدم، وكثيرًا ما فقدنا شهداء وبعضنا أصيب واعتقل، ولا يكتفي الاحتلال بالاعتداءات العسكرية من خلال إطلاق النار والاعتقالات، بل يحتجز مراكبنا ويصادرها دون سبب سوى أننا نبحث عن ما يبقينا وعوائلنا على قيد الحياة.

ولفت إلى أنه يملك قارب تعرض لأكثر من مرة لعمليات إطلاق نار، وكان يتعرض لأضرار طفيفة، ورغم ذلك يعود للإبحار فيه بحثًا عن رزق عائلته المكونة من 8 أفراد تعتاش منه. مضيفًا بلغة عامية غلب عليها الوجع والحسرة "مش عارفين شو نعمل مشان نعيش ونكسب رزقنا بدون ما يكون الموت ملاحقنا حتى في رزقنا، لا معنا سلاح ولا معنا صواريخ، إحنا بدنا بس نعيش مثلنا مثل البشر".

وبحسب إحصائية لمركز الميزان لحقوق الإنسان، فإن البحرية الإسرائيلية أصابت 15 صيادًا واعتقلت 28 آخرين قبالة سواحل غزة، خلال النصف الأول من عام 2019 الجاري.

وبحسب التقرير، فإنه تم رصد وتسجيل 204 عمليات إطلاق نار مقابل 196 في نفس الفترة من العام الماضي. ما تسبب بإصابة 15 صيادًا بجروح متفاوتة مقابل 14 في نفس النصف الأول من العام الماضي.

ويظهر التقرير أن قوات الاحتلال اعتقلت 28 صيادًا منهم 3 أطفال، مقابل 47 العام الماضي من بينهم طفلين. مشيرًا إلى أنه تم الإفراج عن غالبية المعتقلين عدا عن ستة من المجمل الـ (28)، لا زالوا رهن الاعتقال.

وأشار إلى أن عدد حوادث الاستيلاء على قوارب ومعدات صيد بلغ 10 مرات، فيما تم مصادرة 11 مركبًا، وفي 9 حالات تم تخريب مراكب وأدوات صيد.

وقال المركز إن الاحتلال صعد في النصف الأول من العام الجاري من انتهاكاته بحق الصيادين، بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي. متهمًا إياه بارتكاب انتهاكات منظمة وجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

واعتبر المركز تلك الانتهاكات بأنها استمرار لـ "إيقاع العقاب الجماعي بالفلسطينيين والمساس بحقهم في الحياة وسلامتهم البدنية وكرامتهم الإنسانية، وانتهاك حقهم في العمل وفي مستوى معيشي مناسب".

وبين أن تلك الانتهاكات طالت الحق في العمل والاستفادة من الثروة البحرية، والحق في الحياة والأمن والسلامة الشخصية، والحق في الحماية من الاعتقال التعسفي، والحق في حماية الممتلكات الخاصة.

وأشار إلى أن قوات الاحتلال عمدت إلى تعطيل نمو بنية الاقتصاد الفلسطيني بما فيه قطاع الصيد، عبر سياسة منظمة للاستحواذ على ثروات الفلسطينيين الطبيعية، وحرمانهم من استثمارها.

التلاعب بمساحة الصيد

وعمد الاحتلال في الأشهر الأخيرة، أكثر من مرة التلاعب في مساحة الصيد بحجج أمنية واهية، حيث كان يتذرع في كل مرة بعدم التزام حماس والفصائل بحالة الهدوء المتفق عليها، رغم اعتداءاته المتكررة بحق الغزيين.

وتبلغ مساحة سواحل غزة حوالي 45 كيلو مترًا، مقتطع منها مسافة 2 ميل من حدودها مع مصر و2 ميل أخرى للحدود الشمالية للقطاع، وتتحكم قوات الاحتلال في مساحة الصيد، من 3 إلى 6 أميال في بعض الأحيان، ومؤخرا مع تفاهمات الهدوء وصلت إلى 9 و12 ميلاً، وبعضها يصل إلى 15 ميلاً.

وبحسب مركز الميزان، فإن الاحتلال عمد في بعض الأحيان إلى منع النشاط البحر بالكامل، وتقليص مساحة الصيد في أغلب الأوقات إلى 6 أميال.

ووفقًا لشهادات الصيادين، فإن مساحة الصيد المعمول بها حاليا والمفروضة في أغلب الأوقات، هي عبارة عن مناطق بحرية رملية لا تتوفر فيها الأسماك إلا بشكل محدود، بينما تتواجد هذه الأسماك في المناطق الصخرية بعمق لا يقل عن 12 ميلاً بحريًا تقريبًا.

ورغم الانتهاكات المتكررة، يأمل الصيادون أن تكون هذه فرصة لتعويض خسارتهم المادية التي لحقت بهم جراء الصيد في مناطق ذو مساحة صغيرة لا تتعدى الأميال الستة خلال السنوات الأخيرة.

ويوضح نزار عياش نقيب الصيادين في حديث لـ القدس، إن الاحتلال يضع عوامات كبيرة لتحديد المسافة المسموح بها للصيد. مشيرًا إلى أن هناك استفادة من عملية التوسعة لكن ليست دائمة، وتتحدد وفق وفرة الأسماك.

وبين أن عدد المراكب التي تستطيع الإبحار مسافة 15 ميلاً بحريًا، لا يتجاوز السبعة، وهي جميعها مراكب كبيرة "لنشات جر"، مشيرًا إلى أن غالبية المراكب والقوارب لا تستطيع الإبحار لتلك المسافة لأنها قديمة وبحاجة لكوابل حديثة، وكميات كبيرة من السولار، والشباك المستخدمة في عملية الصيد، وأجهزة جي بي أس حديثة.

وحول القوارب التي تم إعادتها للصيادين، أشار عياش، إلى أن القوارب عادت بلا محركات أو معدات الصيد، إلى جانب تخريب تلك القوارب بتعمد ضرب هياكلها، ما كلف الصيادين خسارة كبيرة وصلت في المتوسط إلى 10 آلاف دولار.

وأشار إلى أن واقع الصيادين أصبح في حالة سيئة جدًا على كافة المستويات وخاصةً المعيشية منها، وباتوا من أفقر طبقات المجتمع في قطاع غزة، بفعل الحصار والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ضدهم.

ولا تشمل مساحة الصيد الجديدة المناطق الشمالية من السواحل والتي تُعد أكثر وفرة بالأسماك من غيرها ويفضلها باستمرار الصيادين كمنطقة تعج بأنواع الأسماك والكميات الكبيرة المتوفرة فيه، حيث يسمح بالإبحار فيها فقط من 5 إلى 6 أميال، وتلاحقهم البوارج البحرية في مساحة 3 أميال في بعض الأحيان.

ويقول الصياد فادي الهبيل لـ القدس، إنهم يصلون لمسافة 12 ميلاً وهم يخشون من تعرضهم لإطلاق نار، مبينًا أن الدخول لهذه المسافة سمح لهم بصيد أسماك مختلفة، ما سمح بزيادة الدخل الذاتي لهم ولعوائلهم، وإن كان ذلك بشكل محدود.

وأضاف "كلما توسعت مساحة الصيد، كلما نجح الصيادون في اصطياد السمك بوفرة أكبر وأصبحت الخسارة المادية أقل مقارنةً بالمساحات الصغيرة التي يسمح لهم بالصيد فيها". متأملاً بالسماح لهم بالإبحار لهذه المسافة في المنطقة الشمالية المحظورة.

وأشار الهبيل إلى أن الاحتلال منذ أكثر من 10 سنوات يعمل على تقليص مساحة الصيد التي تم التوصل بشأنها ضمن اتفاق أوسلو، ما يحرم الصيادين من اصطياد أسماك جيدة ويؤثر على لقمة عيشهم ويكبدهم خسائر مادية كبيرة.

ووفقًا لإحصائية لمركز الميزان، فإنه في الفترة التي يسمح للصيادين فيها بالإبحار لـ 6 أميال، فإن 60% من الصيادين البالغ عدد نحو 4 آلاف صياد، يزاولون المهنة، ويجمعون من 1000 إلى 1800 طن سنويًا، وهي كميات قليلة بفعل تقليص مساحة الصيد.

ويشير أكرم مقداد أحد باعة الأسماك في سوق الحسبة بغزة، إنه منذ توسيع مساحة الصيد، وتمكن الصيادين من اصطياد أسماك وفيرة نوعًا ما، أصبحت الأسواق أكثر نشاطًا رغم الوضع الاقتصادي الصعب في غزة.

وأشار إلى أن سكان غزة يحبذون شراء الأسماك على الدواجن واللحوم الأخرى، مشيرًا إلى أن أسعارها في كثير من الأحيان تكون أرخص من اللحوم، ولذلك يزيد الإقبال عليها، وخاصةً على سمك السردين الذي يعتبر "أكل الفقراء" في غزة، حين يصل ثمن الكيلو الواحد منه إلى 6 أو 5 شواقل فقط.

وأعرب عن أمله في أن تبقى مساحة الصيد إلى ما هي عليه حاليًا، لما في ذلك عائد إيجابي على الصيادين والباعة، وأن يتم السماح بإدخال المواد المحظورة لتحسين وتطوير المراكب الحالية ما يساهم في تحسين الوضع الاقتصادي.