الشهيد الأسير نصار طقاطقه.... النداء الأخير من النفوس الحية الى النفوس الميتة!!

بقلم: عيسى قراقع

عضو المجلس التشريعي، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين السابق

استنكرنا وشجبنا وغضبنا وتألمنا وتوجعنا وطالبنا وصرخنا عندما جاء خبر استشهاد الأسير نصار طقاقطة - 31 - عاماً سكان بلدة بيت فجار قضاء بيت لحم يوم 16-7-2019. الأسير تعرض للتعذيب والاهمال الطبي والعزل على يد سلطات سجون الاحتلال الاسرائيلي، كانت المسافة الزمنية قصيرة بين اعتقاله وإعدامه.

ما اسرع الموت في دولة الاحتلال! كان يصرخ ويتألم قبلنا، كان ينادي ويستغيث قبلنا، كان يضرب بقبضتيه على حيطان الزنزانه في سجن الجلمة ومجدو قبلنا، كان يدافع عن روحه المتأججة قبلنا، كان وحيدا أمام المحققين المتوحشين، كان قبالة الموت، يشتبك مع الموت قبلنا.

منذ عام 2014 ونحن نحذر من سقوط شهداء في صفوف الأسرى ونطالب هيئة المحكمة الجنائية الدولية الإسراع في فتح تحقيقات جنائية حول جرائم الحرب المتعمدة التي ترتكبها دولة الاحتلال بحق المعتقلين وذلك من اجل وقف هذا العنف المنظم الذي يمارس على اجساد وارواح الاسرى. قدمنا مع التقارير الموثقة الى المؤسسات الحقوقية والانسانية جثث ابنائنا المقتولين مكفنة باتفاقيات جنيف الأربع واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية العهدالدولي للحقوق المدنية والسياسية، وبالاعلان العالمي لحقوق الانسان، وباتفاقية لاهاي وبمثاق روما وغيرها من المواثيق الحقوقية والانسانية والاخلاقية. الجثث لم تصل الى هناك، الجثث خرجت من السجن الى المشرحة ووصلت القبر، واكتفى العالم المتنائي بالشجب والتهديد والوعيد والادانة، واكتفينا بانتظار شهداء جدد بعضهم عاد الينا وبعضهم احتجز في المقابر العسكرية السرية، دماء على ايادينا، دماء على الارض ودماء في السماء.

كل سنة يستقبل الشعب الفلسطيني شهيداً او شهيدين من سجون الاحتلال، اسرى يقتلون بالمرض او التعذيب او الاعتداء، بالقهر والقمع اليومي، يقتلون في الغياب المسيج البعيد، اسرى في دولة عسكرتارية عنصرية دينية تطوق حياتهم بالهراوات والبنادق والبساطير والاسلاك الشائكة وبعشرات القوانين والتشريعات العدائية الحاقدة الكفيلة ان تسلبهم الحرية والحياة.

الشهيد الأسير نصار طقاطقة قتل عمداً، لن تعيد ما تسمى لجان التحقيق الاسرائيلية ونتائج التشريح الطبي روحه المزهوقة، لن يعود نصار الى بلدته بيت فجار، الى البلدة الجبلية الصخرية العنيدة، لن يعود الى اسرته وامه وبيته واصدقاءه، لن يحتفل مع الناجحين في امتحانات الثانوية العامة، لن يكون معنا في عيد الاضحى، لقد اختفى نصار من الدنيا وسافر الى الاخرة.

الشهيد الأسير نصار طقاطقة لم يبق له سوى هذه الجنازة التي لن يراها، ثلاثة ايام حزينات في العزاء، سنراه مفتوح العينين مدهوشاً مصدوماً مضروباً محتقناً يشير بيديه الى الشهداء القادمين من السجون، آليات الموت لازالت تطحن حياة الاسرى، جسده يرتجف، يوجه نداءه الاخير، نداء النفوس الحية الى النفوس الميته في العالم، من يسمع؟ من ينقذ مئات الاسرى المرضى والمشلولين والمصابين؟ الاطفال والنساء والمهانين في مراكز واقبية التحقيق؟ من يسمع؟ هل العالم مات قبله؟ دخل التابوت وذهبت صرخته سدى؟

السجن صار هو المقصلة، السجن هو التجلي الاعلى لكل اشكال الكراهية والتطرف والفاشية الاسرائيلية، دولة سجون وعساكر ومخابرات.. السجن هو ميدان التدريب العسكري والامني والنفسي والطبي الذي تمارسه دولة الاحتلال على المعتقلين، السجن هو هذه الايديولوجية الصهيونية التي صارت مؤسسة وغرف تحقيق ومعسكرات اعتقال وزنازين وانظمة بوليسية وعقوبية ، السجن هو دولة اسرائيل باحزابها وجيشها وهيئة اركانها وبرلمانها ووزرائها ومحققيها ومستوطنيها وقضاتها ومحاكمها وجامعاتها، وهو افكارها وثقافتها وتربيتها ومدارسها وسياساتها، السجن هو هذا السجان الذي يحمل المفاتيح وذلك المحقق الذي يعذب المعتقلين، هذا الجندي الذي يطلق النار على الاطفال وذلك الوزير الذي يدعو الى خنق المعتقلين بالغاز السام، السجن هو صفقة القرن القادمة بجيش من الجلادين والمتآمرين لتدمير وشطب وتصفية الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني، السجن هو قتل رموز حركة التحرر الفلسطيني وخنق صوت الحرية والكرامة والعدالة الانسانية.

الشهيد الأسير نصار طقاطقة يوجه نداءه الاخير من النفوس الحية الى النفوس الميته، يحذر ان السجن يتسع ويكبر، السجن اكبر من جثته الممدة في القيامه، الوطن كله صار جثة، هذا الوطن المعزول المهان المذل المقطع المجزأ المستعمر المصاب المفجوع اليتيم، انا المقتول ظلماً، انا تاريخ الانسان المقموع ، انا كل البشر على هذه الارض الكنعانية، انا هذا الشعب الذي اوصله الاسرائيليون الى حالة صعبة خالية من الكبرياء والقيمة والاحترام.

الشهيد الأسير نصار طقاطقة يوجه نداءه الأخير من النفوس الحية الى النفوس الميتة، يقول السجن ليس فقط مصادرة حرية الانسان، ليس احتجاز جسد سواء كان حياً او ميتاً، السجن نظام دولة تستهدف جعل حياة الشعب الفلسطيني حياة اخرى مختلفة عن الناس، حياة لا اساس لها ولا غد، حياة تبدأ بحاجز عسكري وتنتهي بحاجز عسكري، فالدفاع عن الأسرى هو دفاع عن الحرية والاستقلال، هو دفاع عن الذكريات والتاريخ والأحلام، هو دفاع عن وطن كي لا يضمحل ويفقد علاقته بالزمن الماضي والحاضر والمستقبل ويتحول الى جثة مثلي.

الشهيد الأسير نصار يقول: لقد قتلوني ولكن انت المقتول القادم، ابنك، امك، اختك، ابن جيرانك، ارضك، بيتك، أحلامك واشجارك، صلاتك.. انت المطرود من الحياة والمعنى ومن أبجدية الهوية، السجن له زنازين كثيرة تصل الى موقعك ومنصبك، الجنود تحت شباك منزلك، الجنود يفتشونك على الحاجز، الجنود يطلقون عليك الرصاص، الجنود يحمون المستوطنين وهم يعتدون على حقولك وابارك واماكن عبادتك.. السجانون حولك في كل مكان تارة يلبسون لباسا عسكريا، تارة يجلسون على مكتب في الادارة المدنية، تارة يحملون الاغلال والقيود، يتحدثون بلغة الحرب والمعركة، وتارة يبتسمون ويتحدثون بلغة الحوار مع الميتين.

الشهيد الاسير نصار طقاطقة يوجه نداءه الاخير من النفوس الحية الى النفوس الميتة، نداء المعذبين والصامدين منذ اكثر من 37 عاماً بالسجون، نداء ابناء فلسطين الصامدين المؤمنين من الوريد الى الوريد، نداء، النساء والأطفال والمرضى والقدامى القابعين في السجون، الى كل النفوس المتبلدة الميتة على هذا الكون، لا تموتوا مثلي تحت خسوف الشمس وفي الظلال، لا تموتوا مثلي في العتمة وفي سكون الشهقة والسؤال.