إبراهيم دوابشة.. أرسل فرحة تفوّقه من القدس إلى والده الشهيد

نابلس ـ "القدس" دوت كوم- حياة أنور دوابشة- حين وصفت قوافل الأبيات في أُنشودة "فتنت روحي" وجع غياب الشهداء، خطت لنفسها ألحاناً ترافق محطاتٍ في حياته بعد الشهادة وفي حياة أصدقائه وفي حياة عائلته الكبيرة، وحياة زوجته وابنيه الغضين من بعده.

فحين قال كاتب كلمات الأنشودة: يقولون غاب ومن كان مثلك كيف يطيق الغياب، فقد وصف بدقة ما يتركه الشهداء لذويهم من هدايا تجلب لهم الفرح لسنوات، هدايا لا حصر لها من النجاح والفخر وبعث الحياة في أسماء الشهداء من جديد.

كل أسماء الشهداء لا تموت، حيةٌ في القلوب، لكن اسمه على وجه الخصوص ما زال حياً، فكل من يعرفه ويحبه يعامله معاملة الشهيد الحي، يعيش بينهم في كل الطرق، في أعمالهم وفي رحلاتهم وفي سعادتهم وفي أتراحهم وفي قرارات التضحية كذلك، وكغيره من الشهداء الذين تزداد أسماؤهم حياةً حين تقرر آثارهم المضيئة على الأرض أن تفرض حضورها، كما حدث صباح إعلان نتائج الثانوية العامة في أرجاء الوطن، حين أضاء ابنٌ اسم والده الشهيد، وأضاء معه ابتسامات أقاربه الكثيرين وفرحة قلبوهم وفخرهم به وبأمه المعطاءة والحنون.

إبراهيم فهيم دوابشة (18عاماً)، نجل الشهيد فهيم دوابشة، رسم فرحة الحياة على وجوه محبيه، وأسعد شجرة الصنوبر ذات الرائحة العطرة عند قبر والده في بلدته، بعيدٌ إبراهيم عن زيارةٍ سريعة لقبر والده في قريته دوما، جنوب مدينة نابلس، زيارةٌ كان سيخبره فيها تفاصيل فرحته، وسيستشيره خلالها عن حلمه في أن يدرس التخصص الذي يحب، بعيدٌ اليوم قريبٌ في أيامٍ قادمة سيذهب فيها بالتأكيد بعد أن يزور بيت جده إلى قبر والده يقرأ له الفاتحة، ويسلم عليه، ويشاركه تفاصيل حياته الأخيرة وفرحة والدته به.

لم يُكتب للشهيد فهيم إبراهيم دوابشة أن يحضر فرحة ابنه البكر بالمعنى الطبيعي، فقد سلبته منه طائراتٌ اغتالته في مكان عمله في مدينة نابلس، بتاريخ 31/ 7/ 2019، رفقة الشهداء جمال سليم وجمال منصور وعمر منصور وعثمان قطناني ومحمد البيشاوي والطفلين أشرف وبلال أبو خضر.

إبراهيم لم يعش طفولته رفقة إرشادات والده، وتعلم أن يعرفه قصصاً من أمه وأقربائه، ومن مدينة القدس التي عاش فيها، واستقر هناك بعد استشهاد والده رفقة أمه المقدسية المربية سماح الياسيني وشقيقته الطالبة الجامعية مجد.

يستحضر شوارع قرية والده قضاء مدينة نابلس حين يزورها، يستحضر أنفاسه إذ مرت من هناك، قصص محاصرة القرية وحظر التجول عليها حين كان والده شاباً ثائراً يبحث الاحتلال عنه لاعتقاله، قصص التحقيق والتعذيب في سجون الاحتلال ورسائل والده إلى ذويه حين كان أسيراً، وقصص فريق كرة القدم الذي أسسه وأصدقائه صغاراً، قصص مغامراته في أطراف القرية واكتشاف لباسٍ عسكريٍ قديم رفقة صديق روحه وقريبه، وقصص وجود رسالة مهترئة داخل اللباس لم تصل لأهلها.

كثيرةٌ هي اللحظات التي كان يجب أن يعيشها إبراهيم مع والده الشهيد، والتي كانت ستشهد له في يوم نجاحه الحالي وحصوله على معدل 96.4 في الفرع العلمي، لكن الفرحة رغم غياب القصص الكثيرة عن تفاصيل حياتهما لم تقل، إذ أن والده ترك له خلفه أماً حنونة وقوية، والعديد من الأقارب الذين طارت قلوبهم فرحاً بنتيجته.

كتب عمه مصطفى دوابشة له معبراً عن فرحته وفخوراً بابن شقيقه: أسعدتنا في الأرض وأسعدت والدك في السماء، نبارك لأهلك ومحبيك وأقاربك تميزك، سائلين المولى أن يكون هذا النجاح فاتحة خير لنجاحات أخرى لك.

الأرض لا تتسع فرحاً للأم التي ربت ابنيها وحيدةً بعد أن استشهد زوجها فهيم، تحفها عناية الرحمن وسند الأقرباء والمحبين، وتعيش هي وحدها تفاصيل حياة ابنيها مجد وإبراهيم، تصنع منهما النجاحات والفرح والتربية الحسنة وترسلها مغلفةً كهدايا لزوجها في السماء.

بفرحٍ كبير، قالت سماح الياسيني، والدة الشاب إبراهيم، وزوجة الشهيد فهيم: نحمد الله على هذه الفرحة، هي لنا ولكل من أحبه وأحب والده، نال نجاحاً توقعناه ووضعه هو نصب عينه، وسيكمل حلمه في أن يدرس تخصص الهندسة في جامعة القدس.

أم إبراهيم وجدت نفسها في معترك حياةٍ يغيب فيها الزوج وتصبح هي الجندية المجهولة لمنزلها ولقلب ابنيها، يلجأ إليها طفليها بوصفها الأم والأب معاً، تربيهم في أكناف بيت المقدس حيث أحب والدهم، وتحملهم إليه زياراتٍ لبيت جدهم والمشتاقين لأنفاس والده ورائحته في القرية، فزيارتهم لبلدة أبيهم تحمل في طياتها استنفاراً لقلوب محبيه لمعرفة أخبارهم وحياتهم وتفاصيل نجاحهم.

إبراهيم التحق بمدارس الإيمان الثانوية للبنين، وحقق نجاحه في الفرع العلمي بمعدلٍ سيخوله أن يدرس في الجامعة، وهو الطفل الذي حين رحل والده عنه لم يكن يتجاوز الشهور من عمره، غضاً لا يمكن أن يفهم الموقف، ترقبه والدته بنظراتها وتحدث نفسها بأن زوجها أبقى أماناتٍ في عنقها وقد أدتها على أجمل وأكمل وجه.

قصة نجاح إبراهيم هي قصة نجاح أمه وأحبائه، قصة سهرها عليه وأخذها لدفة والده في التربية، سبقها قصة نجاح شقيقته مجد التي حصدت معدلاً متفوقاً وأصبحت طالبةً جامعيةً أكرمت وجه أبيها وقلب أمها وفرحة أقاربها، كما فعل شقيقها اليوم.

حين يزور إبراهيم والده الزيارة القادمة عند قبره، سيبشره بفرحته وقد علمها مسبقاً، سيشدو له قصيدةً عن الغياب، يقول له: يقولون غاب ومن كان مثلك يا والدي كيف يطيق الغياب، وكفاك ما زالتا ترفعان السنابل كي تنحني فوق أحلامنا الذابلة، وسوف تظل ونحن على صلةٍ بالتراب.