نعم المطلوب إسقاط نتنياهو ... ولكن

بقلم: الدكتور محمود محارب

انتخابات الكنيست القادمة مهمة وستقرر نتيجتها مصير نتنياهو سياسيا وشخصيا. وثمة إمكانية جدية لإسقاطه وإفشاله في تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة، ما يسهل تقديمه للمحاكمة في ثلاثة ملفات جنائية. ومن المتوقع أن تدينه المحكمة وأن تحكم بسجنه عدة سنوات وفقا لخطورة التهم الموجهة ضده.

منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي ما انفك نتنياهو يقود اليمين المتطرف واليمين الفاشي في إسرائيل. ومنذ أن تبوأ رئاسة الحكومة في 2009 ساهم نتنياهو مساهمة أساسية، إلى جانب عوامل أخرى، في تسارع انزياح المجتمع الإسرائيلي في قيمه ومواقفه السياسية والاجتماعية نحو اليمين المتطرف واليمين الفاشي. وقد أعاد نتنياهو خلال حكمه المتواصل لأكثر من عقد، صياغة حدود الديمقراطية وحدود الإجماع وحدود المعارضة في إسرائيل بما يتلاءم مع الفرضيات الأساسية لإيديولوجيته اليمينية المتطرفة والعنصرية.

وبث نتنياهو خلال حكمه سموم العنصرية والفاشية في المجتمع الإسرائيلي، وحرض دوما ضد العرب مواطني الدولة، وسن سلسلة من القوانين العنصرية ضدهم، وتحالف مع الأحزاب اليمينية المتطرفة والأحزاب الفاشية، وحاول موضعتها في مركز الخارطة الحزبية في إسرائيل.

وفي ما يتعلق بسياسته تجاه فلسطين والشعب الفلسطيني، لا يريد نتنياهو إطلاقا سلاما مع الفلسطينيين وإنما يهدف إلى فرض الاستسلام عليهم، استسلاما سياسيا وفكريا. ومشروعه الوحيد هو الاستيطان والمزيد من الاستيطان، لتهويد أكبر مساحة ممكنة من الضفة الفلسطينية المحتلة لضمها إلى إسرائيل وحشر الفلسطينيين في المدن والقرى والمخيمات المحاطة بالاستيطان.

أما على الصعيد الدولي فقد تحالف نتنياهو مع اليمين المتطرف واليمين الفاشي سواء كان في سدة الحكم أو في المعارضة. فعزز من علاقته مع الرئيس الأميركي ترامب والرئيس الروسي بوتين وقادة دول أخرى ينتمون لليمين المتطرف، وكذلك عزز نتنياهو علاقاته مع معظم الأحزاب اليمينية المتطرفة والفاشية في أوروبا.

ولم يعد نتنياهو قائدا فقط لليمين المتطرف واليمين الفاشي في إسرائيل وإنما أصبح أيضا رمزا له. وإسقاطه بات مطلوبا أكثر من أي وقت مضى. صحيح أن البديل لنتنياهو سيأتي من اليمين، الذي يضم في جوفه فئات يمينية متطرفة، لكن يبقى نتنياهو في كل الأحوال أسوأ وأشد خطورة من بديله، لذا يجب إسقاطه.

هدية لنتنياهو

قدمت ما يطلق عليها "لجنة الوفاق" هدية لنتنياهو لا تقدر بثمن. فما كان بالإمكان إيجاد طريقة لتقديم خدمة لنتنياهو أفضل من التوصية التي قدمتها "لجنة الوفاق".

ومن المفيد الإشارة أولا وقبل كل شيء إلى أنه لا حاجة إطلاقا في مجتمع حديث إلى وجود لجنة للتوفيق بين الأحزاب. فوجود مثل هذه اللجنة في مجتمع حديث هو إهانه له ولأحزابه السياسية. فبإمكان الأحزاب السياسية التواصل في ما بينها وحل القضايا المختلف عليها والتوصل إلى تفاهمات وحلول وسط في ما بينها.

أما في ما يخص هذه اللجنة فإن وجودها مضر إلى أبعد الحدود ليس فقط لأنه لا حاجة له، وإنما لأن معظم أعضاء هذه اللجنة محسوبون على الحزب الشيوعي الإسرائيلي وفي الوقت نفسه أيضا على المؤسسة الإسرائيلية، ويتم تحريكهم عن بعد. ومعظمهم متطرفون في عدائهم للحركة الوطنية وللتجمع بالذات ويتبنون الفكرة المركزية التي تروج لها المؤسسة الإسرائيلية ووسائل إعلامها بأن التجمع حزب متطرف يجب تحجيمه وضربه وإهانته أو القضاء عليه.

لقد وجّهت توصية لجنة الوفاق ضربة غادرة ومؤلمة للحركة الوطنية وللتجمع وللقائمة المشتركة وللعمل السياسي والحزبي. فتوصيتها لم تكن منصفة إطلاقا وفق أي معيار. وهي لم تنطلق من موازين القوى الحقيقية بين الأحزاب بل تناقضت معها.

وقد جعلت هذه التوصية من جبهة الحزب الشيوعي الإسرائيلي الحزب القائد والمهيمن على المشتركة. وهو ما يتناقض مع قوته الحقيقية. فإلى جانب منحه المكان الأول في القائمة، فقد أعطته 5 مقاعد من أول 12 مقعدا في القائمة المشتركة، ومنحت التجمع والحركة الإسلامية والعربية للتغيير مجتمعة 7 مقاعد من أول 12 مقعدا. وهو ما يتناقض بشكل واضح مع حجم وموازين القوى بين الأحزاب.

لقد أدخلت توصيات هذه اللجنة العمل السياسي في أزمة حقيقية وأساءت جدا لإمكانية بناء القائمة المشتركة وقدمت بذلك خدمة لا تقدر بثمن لنتنياهو. فتأسيس المشتركة كان من شأنه زيادة تمثيل الأحزاب العربية في الكنيست ما يساهم في إسقاط نتنياهو، إلى جانب النضال من أجل حقوق شعبنا في داخل الخط الأخضر القومية والمدنية.

لقد رفضت اللجنة المركزية لحزب التجمع بالإجماع توصية لجنة الوفاق وقررت عدم التعاطي مع هذه اللجنة، وتمسكت بالمشتركة وطالبت أن يتم إقامتها على أسس موازين القوى الحقيقية بين الأحزاب.

ويملك التجمع عدة خيارات إذا لم يستجب مطلبه، وإذا استمر التآمر عليه لإهانته وتقزيمه أو للقضاء عليه. فبإمكانه تشكيل قائمة انتخابية يخوض بها الانتخابات بشكل مستقل. وكذلك بإمكانه اتخاذ قرار بعدم المشاركة في انتخابات الكنيست. وبإمكانه أيضا، إذا ما استمرت خيوط التآمر تحاك ضده، أن يدعو إلى مقاطعة انتخابات الكنيست.

أنا شخصيا ضد الدعوة لمقاطعة انتخابات الكنيست، ولكن يبدو لي أنه إذا ما استمر التآمر على التجمع فإن احتمال قيام اللجنة المركزية للتجمع بالدعوة لمقاطعة انتخابات الكنيست يبقى واردا وربما ضروريا. وربما يزداد يوما بعد آخر بمقدار ازدياد التآمر ضد التجمع، لمعاقبة المتآمرين ولإظهار أن التجمع بإمكانه اجتراح الخيارات دوما، فالضرورات تبيح المحظورات.

وإذا تبنى التجمع مقاطعة انتخابات الكنيست القادمة مع قوى وطنية أخرى وشكل جبهة عريضة ونشط في كل مدينة وقرية وحي لإفشال المؤامرة ضده ودعا لمقاطعة الانتخابات، فإنه من المتوقع أن تنخفض نسبة مشاركة العرب في الانتخابات لتترواح بين 30 إلى 35 بالمئة، أو أقل من ذلك، من مجموع ذوي حق الانتخاب، فتحصل الأحزاب العربية مجتمعة على أقل من 5 مقاعد. وهذا ما لا أريده، ولكن ربما يحدث.

وأعتقد أنه من الأفضل أن تولي جميع الأحزاب العربية الأولوية والأهمية القصوى لإسقاط نتنياهو وأن يتوقف المتآمرون عن التآمر ضد التجمع، وأن يتم تشكيل القائمة المشتركة من الأحزاب الأربعة بشكل منصف.

عن "عرب ٤٨"