الشعب فوق الحزب و"إيغو" هذا أو ذاك...

بقلم: سهيل كيوان

القيادة الحقيقية لأي شعب كان في أي زمان ومكان، هي تلك القيادة التي تمنح الناس أملا، تمنحهم الإيمان بقوتهم وقدرتهم على تغيير واقعهم إلى الأفضل مهما كان معقدًا وصعبًا وفي أحلك الظروف، القيادة الناجحة تجمع ولا تفرق، لا تنشغل بالثانويات والصغائر على حساب الهدف الرئيس الكبير.

القيادة لأي شعب كان يجب أن تكون من تيارات فكرية متعددة، تعصف ببعضها، تناقش بعمق، لتخرج بنتيجة موحِّدة تضع أمامها الهدف المرحلي الأهم، تجمع كل أطياف الشعب من حوله لتحقيقه، تزرع الثقة بالنفس وليس العكس.

سياسيونا المحليون، يتحدثون عن مشاريع كبيرة على رأسها وحدة الجماهير، وتحدي السلطة والظلم، وإسقاط صفقة القرن، والسعي لإلغاء قانون القومية العنصري وتحقيق العدالة الاجتماعية، وحتى الوصول إلى حل مرضٍ للصراع العربي الإسرائيلي، ماذا تريدون أفضل من هذا؟

الجماهير ليست غبية، وتفهم هذا بشكل جيد، ولكن الذي يثير قرفها ويزيده، هو الهوة الواسعة بين الشعار والممارسة أو القدرة على تطبيق الشعار، الذي يعني وضع الشعار غير المناسب للمرحلة، الأمر الذي يعني تفريغ الشعار من مضمونه.

يبقى الجمهور متفاعلا ومتسامحًا بين غضب ورضا وفرح ومزاح مهما كان الخلاف سياسيًا، ولكن إذا شعر الجمهور بأنه مستغفل، وأن الصراع لم يعد بين أفكار ولا على البحث الحقيقي عن حلول لمشاكله، بل على الوجاهة وعلى "الإيغو" والتنفج الشخصي، والحزبية الضيقة، حينئذ تظهر حالة الاشمئزاز والقرف.

هذا ينعكس على الكوادر الحزبية المعبأة والمستعدة لأن تردد أي إشاعة أو فكره طائشة يلقيها أي كان على صفحة الفيسبوك لتتدحرج، ثم يأتي الرد عليها، والرد على الرد، وهكذا حتى يحتدم الصراع على هامش الهامش، ويصل إلى الدرك الأسفل من التسفيه المتبادل، الأمر الذي يؤدي إلى اشمئزاز مزيد من الناس، والشعور بالإحباط، وخصوصًا بعدما علّق الناس آمالا كبيرة وكانت الوحدة تلوح في الأفق وتبدو وشيكة.

من حق الجماهير أن تشمئز، ولكن ليس من حقها أن تيأس وتستسلم لهذا الواقع، لأن القضية في النهاية قضيتها، وليست قضية القادة المستخفّين، فالاستسلام هو ما تسعى إليه السلطة، الأمر الذي يعني منحها حرية العمل في حياتنا كما ترتأيه من أصغر تفصيل إلى أكبره بدون مقاومة تذكر.

نحن أمام عنصرية مستفحلة تزداد يومًا بعد يوم، ولن تتوقف عند شتائم جمهور "بيتار يروشلايم" للنبي محمد عليه السلام، ولا عند عمليات تدفيع الثمن، ولا عند قرار بلدية العفولة بمنع العرب من دخول حديقتها العامة، ولا عند قانون القومية، ولا عند استهتار الأحزاب من يمينها إلى يسارها بممثلي الجماهير العربية وعدم التعامل معهم باحترام وندّية، هذا نموذج مصغّر لما هو آت، فالوضع الدولي والإقليمي ليس لصالح قوى التحرر والديمقراطية، ولهذا علينا بوحدتنا كلنا ترتيب أدواتنا بالطريقة التي تمنحنا دافعية أكبر للعمل، والتسامي عن الحزبية الضيقة التي تأتي في النهاية على حساب الجمهور.

لقد عمل قادة في حكومات إسرائيل المتعاقبة على ضرب الأسافين بين العرب وقيادتهم، سواء تلك التي في الكنيست أو التي خارجها، بمنهجية مدروسة طويلا للتشكيك بقدرة هذه القيادة على تحقيق إنجازات للعرب، وكانت هذه حجتهم للتغطية على عنصريتهم.

في البداية حرضوا على الحركة الإسلامية حتى أخرجوا جناحها الشمالي عن القانون، ثم على التجمع الذي حاولوا دائما نزع شرعيته وشيطنته ووصمه بالتطرف، علما أن الجميع بات يرفع شعاره المؤسس وهو دولة جميع المواطنين .

واهم من يظن أن التحريض سيتوقف هناك، فالجبهة أيضا لم تنج من التحريض، ولن ينجو حتى المحايد الجالس في بيته لأن اليمين المتطرف لا يستطيع أن ينمو إلا في أجواء العنصرية، ولن يشبع مهما تنازلت أمامه، ما ذنب علي محمد الأسمر القادم من النيجر للعب في فريق "بيتار يروشلايم" حتى يتلقى الشتائم هو والنبي محمد؟ هل مارس التحريض والتطرف على إسرائيل وهو الذي جاء ليلعب من النيجر إلى نتانيا إلى القدس؟ هل تحدث علي محمد عن مصادرة أرض أو هدم بيوت أو عن إقامة جامعة؟ لا بل إن علي أنكر أنه مسلم أصلا، ورغم ذلك لم ينج من عنصريتهم! وهل قتل الشاب الأثيوبي ( تاكا) كان خارج الحسابات العنصرية؟

مصلحة الشعب الواقع تحت نظام عنصري شرس هي بوحدة أبنائه وضحاياه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين لأنه كله مهدد.

مصلحة الشعب فوق المصلحة الحزبية التعصبية الضيقة.

التمسك بصغائر الأمور و"الإيغو" ونزعة الانتقام من التجمع بالذات تقول إنه ليس لدينا قادة حقيقيون يستطيعون الترفّع فوق حزبيتهم وأنانيتهم لمصلحة الشعب، بالنسبة لهم فإن إنجاز أكبر عدد من الأعضاء في الكنيست للحزب أهم من إنجاز وحدة الشعب.

التوجه الأخير من حزب التجمع إلى الجبهة ليس فيه انتقاص من قيمة التجمع، بل هو حرص على تحقيق الوحدة، هو موقف وطني ومسؤول وشريف، الكرة الآن في ملعب الجبهة ولجنة الوفاق، نتمنى أن يكون أصحاب القرار أقرب إلى نبض الناس وليس إلى النزعات الضيقة الحزبية أو الأنانية الضيقة.