عبد الرحمن.. رصاصة متفجّرة اخترقت رأسه الغض

- 100 شظية استقرت في دماغه

- حالة من الوجع والحزن خيّمت على كفر قدوم

- اشتية عاد الطفل المصاب وأوعز بتقديم كل ما يلزم لإنقاذ حياته

- استراحة بين أشجار الزيتون كادت تصير مجزرة

WhatsApp Image 2019-07-16 at 8.46.59 AM

قلقيلية - "القدس" دوت كوم - خاص - كان الطفل عبد الرحمن ياسر اشتيوي (10 أعوام) رفقة ثلاثة من أصدقائه، اثنان منهما بصحبة والدهما، يجلسون بعد ظهر الجمعة، الثاني عشر من تموز/ يوليو الجاري، بين حقول الزيتون في المنطقة الشرقية من قرية كفر قدوم، شرق قلقيلية، ولا يبعدون عن منازلهم سوى 50 مترًا، يراقبون المواجهات التي تجري بين عشرات من جنود الاحتلال وشبان القرية على جبلٍ مقابلٍ يبعد عنهم نحو 200 متر هوائي، ضمن فعاليات المسيرة الأسبوعية في كفر قدوم المطالبة بفتح شارع القرية الرئيسي المغلق منذ 16 عامًا، لكن رصاصة قناص إسرائيلي أصابت رأس عبد الرحمن الذي كان يجلس أمام منزل جيرانه بين تلك الحقول، وتفجرت الرصاصة في دماغه لتستقر فيه نحو 100 شظية منها، وأصبح في وضع صحي خطير جدًا.

أزيز الرصاص قبل الحادثة طغى على صوت المواجهات المقابلة، عشراتٌ من جنود الاحتلال أطلقوا الأعيرة النارية بشكلٍ كثيف، أحدهم كان يأخذ وضعية القنص ويُصوّب بندقيته تجاه الأطفال الآمنين البعيدين عن مكان المواجهات، كما يوضح لـ "القدس" دوت كوم المواطن رياض اشتيوي (45 عامًا)، وهو قريب عبد الرحمن ووالد صديقيه اللذين كان معهما وقت الحادثة.

"قتلوا الولد"

في أقل من دقيقة سمع رياض صوت رصاص حي بجانبه، حينها تلفت بجانبه، وإذ بعبد الرحمن يسقط أرضًا، ولم يبعد عبد الرحمن سوى مترين من الجهة اليمنى لرياض، وبسرعةٍ كبيرةٍ نظر إليه، وإذ بالدماء الكثيفة تخرج من رأسه، حمل رياض الطفل الجريح، وترك جميع الأطفال خلفه والرصاص باتجاههم، وركض صَوب الأهالي وهو يصيح "يا عالم إسعاف.. إسعاف.. قتلوا الولد"، لتنقل سيارة الإسعاف عبد الرحمن إلى مستشفى رفيديا بمدينة نابلس.

يقول رياض اشتيوي: "كان عبد الرحمن لحظتها يجلس على عتبة منزل الجيران، وكان الجندي يصوب بندقيته، ظننتُه يريد أن يُخيفنا فقط، لكنّ الجندي أطلق الرصاصة وانفجرت في رأس عبد الرحمن، وبعدما نظرت ووجدته مضرجً بدمائه، حملتُه وركضتُ به، وحينما عدت، وجدتُ الدماء وأجزاء أعتقد أنها من دماغه، وتبيّن لي أنّ الأطفال هربوا من الرصاص الذي أطلقه الجندي، نحو 5 رصاصات اخترقت ألواح الصفيح في المنطقة، كادت جلستُنا تتحول إلى مجزرة، لقد كان الجندي يقصد قتل الطفل، هذا الحادث هو أقصى درجات الإرهاب".

ويؤكد رياض: "ظننا أنها كما كل أسبوع حين يعتدي جنود الاحتلال على المسيرة الأُسبوعية يستخدمون الرصاص المعدني المغلف بالمطاط وقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع، هذه المرة لم تكن المواجهات شديدة، وجميع الجنود كانوا يطلقون قنابل الصوت والغاز والرصاص المعدني، وبدا لافتًا إطلاق الرصاص الحي بشكلٍ كثيف، بالرغم من أن الاحتلال قمع المسيرة قبل وصولها إلى البوابة المغلقة، بعدما استبق الجنود المسيرة بكمائن بين أشجار الزيتون، وأُصيب عدد من المشاركين بالرصاص المعدني والاختناق".

عبد الرحمن الطفل المَرْضيّ والمحبوب

قبل نحو شهر أنهى عبد الرحمن دراسته في الصف الرابع الأساسي، ويستعد للالتحاق بالصف الخامس الأساسي، تزامنًا مع الاحتفال بعيد ميلاده العاشر في 27 آب المقبل، "وهو مجتهد وملتزم، ومحبوب من الجميع، خاصة أبناء جيله، مرضيٌّ من والديه، نأمل أن يُكمل حياته كما بقية الأطفال بين أُسرته المكونة من الوالدين و3 أولاد و3 بنات كان عبد الرحمن أصغرهم"، يقول عمه ناصر اشتيوي لـ "القدس" دوت كوم.

"لقد تأثر الجميع بما جرى، الأهالي في القرية تضامنوا معنا بشكل لافت، حتى أن أربع عائلات ألغت مراسم زفاف أبنائها في يوم إصابة عبد الرحمن، هو طفلٌ كأيّ واحدٍ من الشعب الفلسطيني، جميعنا معرضون لمثل أحداثٍ كهذه"، يؤكد عمه ناصر.

100 شظية اخترقت دماغ عبد الرحمن!

منذ إصابته تعيش عائلته حالةً صعبة، والداه يعانيان مما وصلت إليه حالة عبد الرحمن ودخوله في غيبوبة، وبخاصة بعد تدهور حالته الصحية ونقله إلى مستشفى "تل هشومير" في الداخل بعد يومين من كل محاولات الأطباء علاجه واستخراج شظايا الرصاصة المتفجرة من دماغه.

ويوضح ناصر اشتيوي، عم عبد الرحمن، أن الرصاصة المتفجرة أصابت جبين عبد الرحمن، ثم اخترقت دماغه وهتكت ثلاثة مقاطع من الشريان الرئيسي، ثم خرجت من مؤخرة رأسه، حتى إن جزءًا من دماغه سقط على الأرض حين إصابته، قبل نقله إلى المستشفى، "الأطباء أخبرونا أن 100 شظية اخترقت دماغ عبد الرحمن، وهناك شظايا يصعب تنظيفها، وأُصيب الشريان الرئيسي في الدماغ، تم علاجه ووقف النزيف بدرجة 90%، وهناك محاولات لإزالة جزء من جمجمته لمحاولة الحفاظ على دماغه، عبد الرحمن ما زالت حالته خطيرة جدًا، فدماغه تأذَّى".

الطبيب عثمان عثمان، الذي ظهر في فيديو نشرته مواقع إعلامية، وهو يشرح لرئيس الوزراء د. محمد اشتية، الحالة الصحية لعبد الرحمن، أكد أنه تمت السيطرة على الوضع الصحي لعبد الرحمن، وأن ضغط دمه عاد طبيعيًا، وتوقف النزيف بنسبة 90%، وأن أثر التهتك بالدماغ لا يمكن معرفته، لأنه في حالة غيبوبة، مشددًا على أنه لم يرَ طيلة عمله وإجرائه عديد العمليات مثل عملية عبد الرحمن، فالرصاصة المتفجرة التي أصابته من نوعٍ جديد.

ويوضح عثمان أنه وخلال علاج عبد الرحمن لاحظ أكثر من 100 شظية في دماغه، بعدما اخترقت الرصاصة رأسه من الأمام من الجهة اليمنى وسارت ووصلت إلى منتصف الدماغ، وخرجت من الخلف، لتحدث شقًا في الدماغ من المنتصف، وتهتك الشريان الرئيس، لكن تم ترميمه.

حينما ترك القناص المتظاهرين وقنص عبد الرحمن!

عبد الرحمن الطفل الآمن والبعيد عن موقع المواجهات، لم يسلم من جيش الاحتلال، إذ يؤكد عمه ناصر اشتيوي أن المواجهات كانت على بعد 200 متر هوائيًا، وكان أحد جنود الاحتلال منبطحًا أرضًا في وضعية القنص، وأطلق الرصاص باتجاه عبد الرحمن، بالرغم من وجود متظاهرين أسفل من ذلك الجندي لا يبعدون سوى 30 مترًا.

Screen Shot 2019-07-16 at 8.57.36 AM

ويؤكد أن عبد الرحمن خرج من منزله وكان يجلس في حقول الزيتون على باب أحد منازل الجيران، وكانت المسيرة انطلقت بشكل سلمي، كان الشبان يرشقون جنود الاحتلال بالحجارة فقط، متسائلًا: "حتى لو افترضنا أن عبد الرحمن رشق جنود الاحتلال بالحجارة، هل يقابَل ذلك برصاصٍ متفجرٍ من جنديٍّ مُدججٍ بالسلاح، رغم أنه لم يكن في المواجهات وكان بعيدًا عنها، والجندي يرى ذلك؟!".

"كفر قدوم" تواجه "قدوميم"

كفر قدوم القرية التي تقع شرقي قلقيلية، كانت الأقرب على مدينة نابلس، ولا تبعد عنها سوى 11 كيلومترًا، فأغلقت قوات الاحتلال في العام 2003 شارعها الرئيس القريب من مستوطنة "قدوميم" المقامة على نحو 4 آلاف دونم من أراضي كفر قدوم، لتزيد معاناة الأهالي وتصبح المسافة نحو 25 كيلو مترًا، وأصبحوا يسلكون طرقًا بديلة، فيما يخشى الأهالي استهداف آلاف الدونمات في القرية بالاستيطان لتوسعة "قدوميم".

تقع كفر قدوم على مساحة تبلغ 22500 دونم، ويعيش فيها 4200 نسمة، كانت قوات الاحتلال صادرت من أراضيها 4500 دونم، وبنت عليها مستوطنة "قدوميم" عام 1978، وفق ما يوضح منسق المقاومة الشعبية في كفر قدوم مراد اشتيوي في حديث لـ "القدس" دوت كوم، مشيرًا إلى أن نحو 11 ألف دونم مصنفة "ج"، وتقع خلف البوابة التي أغلقت قوات الاحتلال بها المدخل الشرقي الرئيس لكفر قدوم، ولا يدخلها الأهالي إلا بتنسيقٍ مُسبق.

ومنذ ثماني سنوات يواصل الأهالي مسيرتهم الأسبوعية كل يوم جمعة، وقبل أربع سنوات أصبحت المسيرة يومي الجمعة والسبت، من أجل المطالبة بفتح الشارع التاريخي، الذي شُقَّ منذ عهد الأتراك، وبقي مفتوحًا حتى العام 2003.

ويقول اشتيوي: سلطات الاحتلال حاولت الالتفاف على المسيرة الأسبوعية من خلال تقديم عروض للأهالي بفتح طرق بديلة، لكن الأهالي يرفضون ذلك كونها طريقًا تاريخية، "فالتنازل عن هذا الحق يُسهّل عملية مصادرة الأراضي الواقعة خلف البوابة".

ويشير إلى أن سلطات الاحتلال بدأت تتراجع أمام صمود الأهالي في مسيرتهم، "كانوا يصرون على عدم فتح الطريق ورفضنا أي بدائل، الآن هناك مؤشرات تدل على فشلهم في قمع المسيرات الأسبوعية التي بلغ عددها نحو 650 مسيرة منذ انطلاقتها ولغاية الآن، وبدأ التفكير بآليات فتح البوابة المغلقة".

وقمعت قوات الاحتلال الأهالي منذ انطلاقة المسيرة بوسائل عدة، وأُصيب أكثر من 90 مواطنًا، بينهم سبعة أطفال، كان آخرهم الطفل عبد الرحمن اشتيوي، واعتقل 150 مواطنًا، بقي منهم 11، وكان من بين المعتقلين 11 طفلاً، وأُصيب المئات بالرصاص المعدني، ولم يسلم الأهالي من الإصابة بالاختناق بالغاز، كما استخدم الاحتلال عقوبات جماعية بحق الأهالي كالحرمان من التصاريح، والتفتيش المتواصل للمنازل وتكسير محتوياتها، وإقامة الحواجز العسكرية، والاعتداءات بالضرب على الأهالي، فيما شهدت المسيرات استهدافاً للصحافيين، واستخدمت قوات الاحتلال عمليات التصوير، إما عبر طائرات التصوير أو كاميرات مثبتة على خوذ الجنود من أجل تصوير المشاركين واعتقالهم.

وبدا لافتًا استهداف الأطفال بالاعتقال أو الإصابات بالرصاص أو الاختناق، بل إن قوات الاحتلال علقت صور أطفال على الجدران العامة في القرية قبل عدة سنوات، وهددت باعتقالهم حال مشاركتهم بالمسيرة الأسبوعية.

أهالي كفر قدوم استخدموا وسائل سلمية عدة في مقاومتهم الشعبية خلال المسيرات وظل زخم المسيرة حاضرًا بمشاركة الجميع، وابتكروا طرقاً غير تقليدية كاستخدام المرايا العاكسة واستخدام جهاز رش المبيدات الحشرية من أجل إعاقة عمل القناصة، وكان لافتاً استخدام القائمين على المسيرة الإعلام كأداة فاعلة، من خلال تصوير الفيديو والصور الثابتة والخبر المكتوب بطريقة صحافية، أما علاج المصابين فتمكنوا من إقامة عيادة في مسجد القرية وقت المسيرة، إضافة إلى وجود سيارة إسعاف.

استهداف مباشر للطفولة الفلسطينية

وفتح ما جرى مع الطفل عبد الرحمن اشتيوي قضية استهداف قوات الاحتلال الأطفال الفلسطينيين، بشكلٍ مباشر، حتى إن أدوات القمع العادية أصبحت أدوات للقتل، إذ يؤكد مدير برنامج المساءلة في الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال- فلسطين عايد أبو قطيش، في حديث لـ "القدس" دوت كوم، استخدام جيش الاحتلال القوة المفرطة، بدليل أعداد الأطفال الذين قتلهم الاحتلال أو أصابهم.

ويشير أبو قطيش إلى أن استخدام الاحتلال بعض الأسلحة، كقنابل الغاز المسيل للدموع أو الرصاص المعدني المغلف بالمطاط، يجب أن لا يكون قاتلاً، لكن جنود الاحتلال يسيئون استخدامه ليصبح سلاحاً قاتلاً، وتم توثيق عديد الحالات لاستشهاد أطفال بالرصاص المعدني أو نتيجة استخدام قنابل الغاز.

66792901_3203780889643942_9206531384187813888_o

ويشدد أبو قطيش على أن "جنود الاحتلال لا تتم مساءلتهم، ما يشكل ضوءاً أخضر لهم لارتكاب المزيد من الجرائم، وخلال السنوات العشر الأخيرة لم تتم سوى إدانة واحدة لجندي قتل الطفل نديم نوارة بعقوبةٍ لا تتناسب مع جريمة القتل، بل إن العقوبة التي تلقاها الجندي يتلقاها طفل فلسطيني مُتهمٌ برشق الحجارة".

ووفق أبو قطيش، فإن إسرائيل قتلت منذ بداية العام الجاري وحتى الآن 16 طفلاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما قتلت العام الماضي 57 طفلاً في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويؤكد أبو قطيش أن الحركة تابعت قضية عبد الرحمن وتم توثيق جزء كبير منها، وتشير التحقيقات إلى أن الطفل لم يكن في المواجهات، بل كان يقف أمام منزله.

الحكومة توعز بتقديم ما يلزم لإنقاذ حياة عبد الرحمن

وزيرة الصحة مي كيلة أكدت في تصريح لها أن جريمة إطلاق النار على الطفل عبد الرحمن اشتيوي لن تكون الأخيرة إذا استمر الصمت الدولي، وأن وزارة الصحة راسلت المنظمات الدولية لإطلاعها على هذه الجريمة ودفعها لاتخاذ موقفٍ رافضٍ لها، ولإجبار إسرائيل على الخضوع والالتزام بالقانون الدولي.

الحكومة تابعت قضية عبد الرحمن، وأوعز رئيس الوزراء محمد اشتية، الذي عاد الطفل عبد الرحمن، للجهات الصحية بتقديم كل ما يمكن تقديمه لإنقاذ حياته، داعية الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية التابعة لها، خاصة منظمة "اليونيسيف"، إلى إدانة هذا التوحش الإسرائيلي وحماية الأطفال والمتظاهرين الذين يدافعون عن بيوتهم وحقولهم وأشجارهم.

وشدد الناطق الرسمي باسم الحكومة إبراهيم ملحم على أن استهداف قوات الاحتلال الطفل عبد الرحمن اشتيوي يعكس شهوة القتل التي تستبد بقادة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في تعاملها مع المسيرات السلمية، ويعكس الاستهتار الإسرائيلي بالقوانين والشرائع الدولية، والشعور بالإفلات من العقاب بعد أن وجد قادة إسرائيل شريكاً أميركياً يُغطي اعتداءاتهم ويجعلهم بمأمن من أي عقابٍ دوليٍّ قد يطالهم.