فلسطين والرصيد الروسي

بقلم: نبيل عمرو

أهم ما يميز العلاقة الفلسطينية الروسية هو الاستقرار والعمق الشعبي، المستمر منذ زمن الاتحاد السوفياتي وحتى زمن روسيا الاتحادية، أي الزمن الذي نعيشه الان.

في الماضي كان الاتحاد السوفياتي الذي اعترف وأيّد منظمة التحرير أحد اهم اركان منظومة الدعم الدولي لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، حتى بلغ الامر حد الاعتراف بالدولة الفلسطينية حال إعلانها في المنفى، ورفع درجة التمثيل الفلسطيني في موسكو الى مرتبة سفارة تتمتع بكافة الحقوق والامتيازات التي تتمتع بها سفارات الدول.

حين وضعت الحرب الباردة اوزارها بين المعسكرين الرئيسيين اللذين تنازعا النفوذ الدولي على مدى عقود وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي، خاف الفلسطينيون على رصيدهم الروسي ، وكان للخوف دافعا موضوعيا ففي تلك الأيام الخطرة سمح الاتحاد السوفياتي بهجرة اليهود الى إسرائيل ، كأحد متطلبات العلاقات السوفياتية الجديدة مع خصوم الامس، ورغم الجدل الحاد الذي نشأ داخل الاتحاد السوفياتي على تلك الخطوة الا انها تكرست ونفذت بحكم تغير النظام السوفياتي واقلاعه عن تقنين السفر الى خارج الدولة، وفق تفسير منطقي وهو التزام النظام السوفياتي بحقوق الانسان والسفر بحرية هو احد هذه الحقوق.

غير ان العلاقة الفلسطينية السوفياتية تجاوزت هذه الانتكاسة الكبرى واكتفى الفلسطينيون حتى بعد تفكك الاتحاد السوفياتي بموقف روسي مبدئي يدعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على كامل ترابه الوطني الذي احتل في العام 1967، مع اعتراف صريح بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد وضعتا فيتو صارما على أي نفوذ روسي في الشرق الأوسط وخصوصا في مجال الصراع العربي الإسرائيلي الا ان نافذة ضيقة فتحت امام الروس في مجال التسوية حين اعترف بهم أمريكيا كطرف في الرباعية الدولية التي ما لبثت ان تلاشت ولم يعد لها ولا لأي من أطرافها دور ملموس في مجال التسوية الفلسطينية الإسرائيلية.

حين وصل اليمين الإسرائيلي الى الحكم وتكرس لسنوات طويلة انتهت عملية السلام وباءت بالفشل كل المحاولات التي هدفت الى اعادة الحياة لها ، وأوضح فشل كان في عهد أوباما ووزير خارجيته جون كيري .

كان الروس يراقبون المشهد المأساوي الذي آلت اليه عملية السلام التي كانوا يؤيدونها رغم ابعادهم عن أي دور مؤثر فيها ، الا انهم حافظوا على علاقتهم مع الفلسطينيين ولم يغيروا موقفهم من حقوقهم قيد أنملة ، والان والقضية الفلسطينية تواجه اخطر مشروع يمس جذورها وروايتها واهداف شعبها المؤيدة من غالبية المجتمع الدولي وبعد ان تكرس تحالف يكاد يكون اندماجيا بين إدارة ترمب وحكم اليمين الإسرائيلي تضاعفت الحاجة الى علاقة مميزة بين الفلسطينيين والروس، ليس فقط لمجرد ان الموقف الروسي ظل ثابتا على دعمه للحقوق الفلسطينية وحل الدولتين تحديدا، بل لأن الحضور الروسي على ارض الشرق الأوسط صار اكثر وضوحا بل هو في سبيله لأن يكون شريكا في تحديد مصير المنطقة .

ان الأمريكيين والإسرائيليين سوف يقاومون أي تطور للدور الروسي خارج نحاق الحالة السورية وامتداداتها الا ان ذلك لن يلغي احتمالات توسع النفوذ الروسي لدرجة المشاركة في الصيغ التي ستتبلور ليس فقط لاغلاق الملف السوري بل لتوفير صيغة استقرار شرق اوسطي تكون روسيا فاعلة فيه ، لن يحدث ذلك اليوم او في الغد القريب الا ان احتمالات حدوثه مستقبلا ينبغي ان تظل بالحسبان .

سألني مندوب قناة روسيا اليوم بعد المكالمة المطولة التي جرت بين الرئيسين عباس وبوتين عن احتمال ان يحل الروس محل الأمريكيين في ترتيبات التسوية الإسرائيلية الفلسطينية ، وكان جوابي"هذا لن يكون، الا ان ما اضحى منطقيا بعد كل التطورات التي حدثت خلال السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط هو ان روسيا ستكون حاضرة في هذه الترتيبات وهذا ما اعتبره رصيدا فلسطينيا قد يكون تفعيله مؤجلا الا انه ليس لاغيا على الاطلاق".